قصيدة : رسالة الى حاكم عربي
لماذا انحنيت؟
منشورات الطليعة العربية في تونس
**************
من وراء الغيب المجهول صاح طيف الأب المقبور، يتحدث
إلى ابنه الذي
أهدر تركةَ أبيه، ونقَضَ وصيتَه.
* * *
أَلمْ أُوصِكَ الأمْسَ قَبْلَ الممَاتِ
فَأيْنَ وَصَاتِي الَّتِي مَا وَعَيْتْ؟
وَفِيهَا كَتبْتُ: "تَزُولُ الجِبَالُ
ولا تَنْحنِي أَبَدًا" فَانْحَنَيْتْ
وَفِيهَا "سَتَعْصفُ هُوجُ الرِّيَاحِ
فَكُنْ قِمَةً صُلْبَةً" فَانْحَنَيْتْ
وَفِيهَا "سَيمتدُّ لَيلُ الأسَى
فَلا تَبْتَئِسْ بالأسى" فَانْحَنَيْتْ
وَفِيهَا "يَكُونُ جَفَافٌ وَجُوعٌ
فَمُتْ بِالطَّوَى شَامِخًا" فَانْحَنَيْتْ
وَفِيهَا "انتَصِرْ بِالثباتِ العَتِيِّ
وَبِالصَّبْرِ فِي عِزَةٍ" فَانْحَنَيْتْ
وَقُلْتُ تَجَنَّبْ مَخَازِيَ الطّرِيقِ
ولكنْ لخزي "الطريقِ" انتَهَيْتْ
وعَانقْتَ فيه الأفاعي الكبارَ
ومِن سُمِّها – يا غبيُّ– ارتويْتْ
فَأين وصاةُ أبِيكَ الَّذي
إلى دفْء مُهجتهِ قدْ أَوَيْتْ؟
وكَمْ سهرَ الليلَ يَحمِي حِماكَ
وَيبكِي دماءً إذَا ما بَكَيْتْ
ويَحملُ عنْكَ هُمومَ الحَياةِ
ويَرْعَى الذي بعدَهُ مَا رَعَيْتْ
عَصيتَ وَصَاتِي التي صُغْتُها
بدمِّي، وللمُخزياتِ مشيْتْ
وكُنْتُ أَظُنُّكَ نعمَ الوريثُ
فكيفَ تَبيعُ الذي مَا اشتريْتْ؟
فبعْتَ جَوادِي الأصيلَ الكريمَ
وأُمًّا، وأُخْتًا، وأَرْضًا، وبَيْتْ
وشعرِي بعْتَ، ونخْلِي بعْتَ
وسيْفِي، ورُمْحِي، وسرْج الكُمَيْتْ
وبعْتَ سريرِي الذي فوقَهُ
وُلدْتَ، وكمْ نمْتَ حتى اسْتَوَيْتْ
للصٍّ بَغِيٍّ، عُتُلٍ، زَنِيمٍ
على قدميه – خَسئْتَ – ارتميْتْ
لِتَلْثَمَ نعْليه في ذِلَّةٍ
































