الإمبريالية الأمريكية أعلى أشكال الإرهاب
الإمبريالية الأمريكية أعلى أشكال الإرهاب
زبيرسلطان قدوري
* المقدمة
في بداية شهر تشرين الثاني الماضي ظهر استطلاع للرأي أجرته مفوضية الاتحاد الأوربي في خمسة عشر بلداً أوربياً، أثار عاصفة هوجاء في تل أبيب وواشنطن ضد الشعوب الأوربية والاتحاد الأوربي، بسبب إبداء الأكثرية الأوربية لرأي عبرت فيه عن قناعتها حين اُستطلعت عن الدول التي تشكل اليوم تهديداً حقيقياً للسلام العالمي، فقالت الأغلبية: (إن الكيان الصهيوني يحتل المرتبة الأولى بتهديده للسلام العالمي، وإن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المرتبة الثانية)
فانتفضت الإدارة الأمريكية مهددة مع الكيان الصهيوني، ورفعت لوائح الاتهام المكروهة من كثرة تكرارها أي (معاداة السامية) لتلك الشعوب، كما اتهمت بالجهل والتغرير وعمى الألوان، فبدلاً من اتهام العرب والمسلمين بالأكثر تهديداً للسلام، اتهمت الولايات المتحدة وحليفها الكيان الصهيوني. وشنت وسائل الإعلام الصهيوني والغربي المتصهين حملة على المؤسسة الأوربية التي أجرت الاستطلاع، واعتبرتها غير جديرة.
وأمام هذا الإرهاب السياسي والإعلامي أسرعت مفوضية الاتحاد الأوربي بإعلان براءتها الشخصية مما ظهر من رأي للأغلبية، وأنها ليست مع هذا الرأي. وتدافع زعماء الاتحاد بالإعلان أيضاً عن عدم رضاهم وموافقتهم عما أسفر عنه الاستطلاع. وهكذا أمام العصا الإرهابية الأمريكية والصهيونية خنع حكام أوربا، وداسوا على أبسط أشكال الديمقراطية ألا وهو التعبير عن الرأي. وهكذا مارست الولايات المتحدة الإرهاب حتى على أقرب حلفائها وعلى شعوب العالم، في حين لا تزال تتشدق سياسياً وإعلامياً بأنها حامية حقوق الإنسان، وأم الديمقراطية والداعية إلى تطبيقها في العالم.
* المطابخ الصهيونية العسكرية والسياسية هي صانعة إرهاب الحادي عشر من أيلول.
منذ ما يزيد على ربع قرن تقريباً لا يكاد بيان رئاسي للبيت الأبيض أو لوزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين يخلو من الحديث عن الإرهاب وعلى خطره على الدول الديمقراطية في الغرب الأوربي والأمريكي واليابان وغيرها من الدول الرأسمالية بشكل عام، وخطره على الولايات المتحدة بشكل خاص.
ولكن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول كثفت كل سياستها ووسائلها الإعلامية بالحديث عن الإرهاب، فأعلن الرئيس جورج بوش عقب تلك الأحداث بما أسماه (الحرب على الإرهاب)، لتشمل تلك الحرب على كل اليابسة في الكرة الأرضية. فوفق مقولته التي تشكل إرهاباً على النظام الدولي وذلك حين أعلن الرئيس بوش: (من لم يكن معنا فهو ضدنا). ثم حدد أماكن تواجد هذا الإرهاب على الكرة الأرضية ليشمل ما يزيد على تسعين دولة. واختار دولاً أسماها دول (محور الشر) ودولاً (مارقة) وأخرى (داعمة للإرهاب).
وعلى الرغم من بشاعة أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، والتي تدينها كل شرائع وقوانين السماء والأرض، فإن الدراسات والأبحاث العالمية المحايدة والمستقلة أظهرت أن صناعة أحداث الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن، تحتاج إلى قوى دولية كبيرة، تملك أدق الأجهزة وأحدث التقنيات والمقومات العالية لتنفيذها، ولا بد من أن تساندها أجهزة استخباراتية وعناصر لوجستية مؤثرة على الأرض، وذات نفوذ في أجهزة السلطة الأمنية والإدارية والفنية، حتى تتمكن من هذا الاختراق الأمني لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم من حيث امتلاك كل وسائل الأمن والوقاية لمنشآتها المدنية والخدمية، فكيف إذا كان الاختراق لأهم مواقعها الأمنية والعسكرية ألا وهو وزارة الدفاع (البنتاغون) وأهم مواقعها الاقتصادية (برجي التجارة الدولية)؟.
وهذه القدرات البشرية والتقنية والخدمات اللوجستية لا تملكها إلا دول عظمى هي اليوم أقل من أصابع اليد الواحدة في العالم، ممن تتوفر لديها الخبرات والقدرات المطلوبة لإنجاز تلك الأحداث، ومما يسمح لها باختراق حاجز أمني عظيم، يغطي كل أراضي ومدن ومنشآت دولة كالولايات المتحدة.
فلا يمكن لتنظيم كتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن القيام به منفرداً (إن كان حقاً قام به، وإن كنا نشك في ذلك)، دون أن تقدم له تسهيلات واسعة ومن جهات صاحبة نفوذ عال في الداخل، مع تقديم المساعدات الضرورية لتنفيذ حدث كأحداث الحادي عشر من أيلول من قبل أجهزة استخباراتية كبيرة مثل المخابرات المركزية الأمريكية أو الموساد الصهيوني. إضافة إلى تسهيلات إدارية عالية المستوى في السلطة الأمريكية.
إن من يقوم بمثل هذا العمل التخريبي الكبير في دولة تعتبر الأقوى عسكرياً وأمنياً في العالم، لا بد أن يكون المستفيد الرئيسي منه. وهذا ما اتضح للمتابع للأحداث، أنه بعد أشهر قليلة فقط من ذلك الحدث، وجد العالم أن المستفيد الحقيقي من تلك الهجمات كانت هي الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. ومن هنا فإن الأيام ستثبت أن من صنع هذا العمل الإرهابي وخطط له كانت المطابخ الأمريكية والصهيونية الأمنية والعسكرية والسياسية.
* الإرهابي من جنى أرباح الحدث!!!
المستفيد الأول كان من تلك الأحداث الولايات المتحدة، فظهرت استفادتها من خلال فرضها هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على مناطق الثروة والنفط التي تتواجد في العالمين العربي والإسلامي واحتلال العراق وأفغانستان. أما المستفيد الثاني فكان الكيان الصهيوني فوظفها لصالحه في قمع الشعب العربي الفلسطيني وانتفاضته الباسلة، وسكوت العالم عن جرائمه اليومية في نهب الأراضي والقتل العلني وتدمير البيوت والمزارع وتشجيع الاستيطان، وبناء السجن الكبير للشعب الفلسطيني من خلال بناء الجدار العنصري على أراضي الضفة، وتقطيع أوصال المدن والقرى، وتهديد سورية ولبنان.
ومن ظواهر استغلال أحداث الحادي عشر من أيلول لممارسة الإرهاب الصهيوني الأمريكي ما صرح به ديك تشيني نائب رئيس الولايات الأمريكية لوزير الدفاع الصهيوني الأسبق بن أليعزر قائلاً له: (الآن بإمكانكم أن تشنقوا عرفات) حتى أن وزير الدفاع استغرب هذا القول منه فوصفه بأنه كان متطرفاً أكثر من رحبعام زئيفي الذي قتله الفلسطينيون.(1)
وبرزت مشاريع أمريكية صهيونية جديدة بعد الأحداث، تدعو إلى إعادة تقسيم المنطقة العربية، وذلك ضمن برنامج يسمى (بإعادة التأهيل الديمقراطي لدول المنطقة. وهذا ما أعلنه الرئيس الأمريكي في خطابه في تشرين الثاني 2003. وكان قد طرحه من قبل أمام الكونغرس الأمريكي وزير الخارجية كولن باول قبيل شن الحرب على العراق، حين صرح بأن الحرب على العراق، ستؤدي إلى إعادة بناء المنطقة وفق المصالح الأمريكية، وقد قال البعض حينها أن إعادة بناء المنطقة سيكون وفق شروط السلام الإسرائيلية(2)، أي وفق إيقاع المشروع الصهيوني للمنطقة.
* الإرهاب الديمقراطي في أفغانستان
في 7 تشرين الثاني 2001 شنت الولايات المتحدة الحرب على حكومة طالبان في أفغانستان، وشاهد العالم أحداث تلك الحرب المأساوية، وما نتج عنها من مآسٍ وكوارث وويلات ألحقت بالشعب الأفغاني الفقير المسكين. حيث ألقت عليهم الطائرات الأمريكية آلاف الأطنان من القنابل بمختلف الأوزان والأنواع، كان منها ما يزيد على عشرة أطنان. سقطت على أبنية طينية وكهوف ومزارع صغيرة وأسواق مات وقتل آلاف من المدنيين العزل، وقتل المئات من الأسرى في قلعة جانجي قرب مزار الشريف، واعتقل مئات آخرين كأسرى في معتقل غوانتنامو. تم نقلهم مصفدي الأرجل والأيدي، وعوملوا كالحشرات لا كالحيوانات بل وأقل من ذلك.
ومن الصلف والإرهاب الأمريكي رفض الإدارة الأمريكية معاملة هؤلاء الأسرى معاملة إنسانية وفق القانون الدولي للحروب كما تنص اتفاقية جنيف. فقد رفض وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد تطبيق هذه الاتفاقية على هؤلاء الأسرى، وامتنع عن إعطاء الصليب الأحمر الدولي أسماء المعتقلين. كما رفضت الإدارة الأمريكية كل دعوات حقوق الإنسان ومنظمات العفو الدولية بمعاملتهم معاملة إنسانية فقط وفق شعارات الديمقراطية التي تتشدق بها الولايات المتحدة ليل نهار.
حرب من الغريب أنها تمت باسم الحضارة والرقي. ومن المضحك والمبكي معاً، في الوقت الذي كانت الطائرات الأمريكية تلقي بالقنابل التدميرية على الشعب الأفغاني، كانت في الوقت نفسه تقوم بإلقاء أغذية على هذا الشعب الجائع. لتدعي أمام العالم بأنها تقوم بعمل إنساني فتسخر وتستخف بالعقل البشري في كل أنحاء العالم.
ولا يزال الشعب الأفغاني حتى كتابة هذه الدراسة تحت القتل والتدمير، ففي يوم الأحد 7/12/2003 أعلن الناطق باسم القوات الأمريكية في أفغانستان عن قتل عائلة كاملة كان من ضمنها تسعة أطفال بالقصف الجوي على منزلهم بذريعة وجود أسلحة، وتبين أنه لا وجود لها. لقد هدمت الكثير من المنازل فوق رؤوس أصحابها، فدفنت عائلات تحت ركام بيوتها، وكم شهد العالم على شاشات التلفاز كيف تتحول الأعراس الأفغانية في قرى نائية وبسيطة إلى مآتم، حيث تقصف تلك الأعراس بالقنابل والصواريخ، التي تلقيها الطائرات الحربية الأمريكية على رؤوس المحتفلين. وتتم هذه المذابح الإرهابية تحت ذريعة الخطأ أو الاتهام بأن العرس كان إرهاباً موجهاً ضد الولايات المتحدة.
* الإرهاب التلفيقي ضد العرب والمسلمين
وأخطر ما نتج عن أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، هو ما تم طرحه من شعارات من قبل الإدارة الأمريكية والقوى الصهيونية حول ما سمي بالحملة ضد الإرهاب، حيث حصر الإرهاب بالعرب والمسلمين فقط من قبل تلك القوى. وما أطلق عليه من قبل وسائل الإعلام الغربي والصهيوني بالإرهاب الإسلامي، فتم تقنين الإرهاب العالمي الذي تمارسه قوى وتنظيمات وأفراد في كل أنحاء العالم ومن مختلف الأعراق والأجناس والأديان، ليكون في رأي تلك الوسائل المشبوهة فقط عربياً وإسلامياً. وشنت حملات مكثفة من عمليات غسل للذهن العالمي بكل الوسائل الدعائية التلفيقية والكاذبة لإقناع الناس بأن الإرهاب مصدره الإسلام والمسلمين.
* ما هو الإرهاب؟
الإرهاب يعني في اللغة العربية الترويع والتخويف. وفي التعريف السياسي وفق تعريف نعوم تشومسكي: (بأنه استعمال مدروس للعنف ضد المدنيين لإجبار وترهيب السكان المدنيين أو الحكومات من خلال زرع الرعب)(3).
والإرهاب ليس بالأمر الجديد على العالم قد تمت صناعته مع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، بل هو ممارسة قديمة قدم التاريخ نفسه. استخدمته مجموعات وأفراد لأمم سابقة ولاحقة، لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية واجتماعية، ولم تنجُ منه أية أمة من الأمم، ولا أي بلد من بلدان العالم. ومن يتصفح كتب التاريخ سيجد الكثير من جرائم الإرهاب قد حلت في مواقع كثيرة على الأرض، فالاغتيالات السياسية التي حدثت عبر التاريخ وحدها كافية لتكوين المجلدات عنها، هذا إن أراد أي باحث دراستها، فكيف إن بحث في الأشكال الاقتصادية أو الاجتماعية؟.
ولكن لكل حالة من حالات الإرهاب مسبباتها، وجذور لنشأتها، حيث تختلف كل حالة عن الأخرى، من حيث الأهداف والغايات والوسائل. كما تختلف نوعية الإرهاب من حقبة زمنية إلى حقبة أخرى، ومن بيئة إلى بيئة، ومن ظرف زمني إلى ظرف زمني آخر.
* الإرهاب الحديث نشأ مع ظهور الاستعمار الغربي وفرض السيطرة الأمريكية والصهيونية
في العصور الحديثة فإن الإرهاب الحالي نشأ من سبب يكاد أن يكون وحيداً ورئيسياً، ألا وهو الاستعمار الغربي بأشكاله السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، عبر ثلاث قرون من النهب والقهر والاستعباد والترويع لشعوب العالم الثالث عامة والبلدان العربية والإسلامية خاصة. ومن ظاهرة الهيمنة الأمريكية على مقدرات الشعوب، وفرضها لأنظمة استبدادية وفق مصالحها، وحمايتها العسكرية والسياسية لتلك الأنظمة، بالإضافة إلى المساندة الكليّة والمطلقة للمشروع الصهيوني المدمر للأمة العربية والإسلامية. ونشأ أيضاً من الدعم غير المحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، ليمارس الاحتلال والإرهاب والنهب والقتل والتدمير والإذلال ليس فقط للشعب العربي الفلسطيني بل لكافة الشعوب العربية والإسلامية.
يضاف إلى تلك الأسباب أسباب ثانوية، وعلى رأسها الفقر والتخلف، والجوع، والتجهيل، وتدني المستوى المعاشي، والأمية التعليمية والثقافية، وغياب الديمقراطية، وفرض أنظمة قمعية متخلفة مستبدة من قبل القوى الغربية خدمة لمصالحها في دول العالم الثالث، تستمد شرعيتها من تحالف مستغل من الداخل والخارج، المبنى من مصالح القوى الإمبريالية ومصالح الطبقات الطفيلية والعشائرية والفاسدة.
كما أن الصراع والمنافسة على مصادر الطاقة والثروات والأسواق في العالم الثالث بين القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، الذي أدى إلى نهب ثروات الشعوب، والتي كانت ستشكل حالة إنقاذ لتلك الشعوب من الفقر والتخلف، واستخدامها في تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية، تؤدي إلى تغيرات جذرية في نمط المعيشة المتدنية، والارتقاء بها إلى مصاف الأمم المتطورة. هذا النهب لا عقلاني من قبل القوى الإمبريالية للثروة وبالتعاون مع قوى حاكمة مستبدة ومتخلفة، أدى إلى ظهور تنظيمات وجماعات إرهابية، إما رداً على ذلك النهب، أو خدمة لمصالح الناهبين، لتخويف وترويع أية معارضة، أو لقمع أية حركة احتجاج شعبي، وأحياناً خدمة لمصالح قوى تريد جزءاً من الثروة المنهوبة.
* أمريكا مؤسسة الإرهاب في العصر الحديث
لا نريد البحث عن تاريخ الإرهاب منذ أن تشكلت الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا يحتاج إلى كتاب أو مجلد خاص، بل نريد فقط دراسة موجزة لتاريخ الممارسات الإرهابية، التي قادتها الولايات المتحدة في العالم كدولة ضد كل مناوئيها من الدول أو التنظيمات أو الأشخاص المدافعين عن مصالح بلادهم. فسنجد أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المؤسس الرئيسي للإرهاب في العالم.
لقد مارست الولايات المتحدة الإرهاب منذ دخول مؤسسيها إلى أرض القارة الجديدة في نهاية القرن الخامس عشر، وبعد استقلالها مارست كل أشكال الإرهاب المنظم ضد شعوب دول العالم شرقاً وغرباً، مارسته من خلال جيوشها باحتلال أو تدخل، ومن خلال جهازها سيئ الصيت المخابرات المركزية (CIA) في صناعة المؤامرات والانقلابات وتخريب الذمم، ونشر الجواسيس والفساد، وحياكة الاضطرابات ضد الأنظمة الوطنية والمتحررة، كما قامت بتشكيل وتدريب وتمويل وتسليح مجموعات


































