الأمة العربية موجود في كلّ مكان يحمل فيه أفرادها الســـــــــــلاح

 


القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق

الجيل العربي الجديد في فكر البعث العربي الإشتراكي

كتبهاعزالدين القوطالي ، في 20 أغسطس 2008 الساعة: 11:52 ص

 

bb2

 

 

الجيل العربي الجديد

في فكر البعث العربي الإشتراكي

 

الرفيق الدكتور عزالدين ذياب

 

 

بداية من عقدي الأربعينات والخمسينات من هذا القرن أخذ الفكر القومي يثري بالمفاهيم والأطروحات التي تجعل شخصيته المنهجية قوية وقادرة على تحليل الواقع العربي وتفسيره. وكان للأستاذ عفلق دور لا يستهان به في هذا المجال، حيث أسس مدرسة لها مقاييسها وأدواتها ومنطقها في الفكر القومي.

 

ولم تتوقف عملية تجديد مفاهيم الفكر القومي، وإنما استمرت باستمرار المزيد من معرفة الحياة العربية. وكلما طرحت مسألة من المسائل القومية أو الاجتماعية بادر الكتاب والمفكرون العرب إلى دراستها وتحليلها والتنقيب فيها. وهذا إن دل على شيء فانه يدل على حيوية الفكر القومي وحضوره المعرفي، يضاف إلى ذلك أن أهل الاختصاص العرب يعاودون بين آونة وأخرى طرح قضية المفاهيم، لأنها لم تشبع نهمهم المعرفي، ولم تقنعهم بالتفسيرات والتأويلات التي تمخضت عنها.

وقد كان مفهوم النخبة من بين المفاهيم الخلافية التي استأثرت بالاهتمام. منذ أوائل عقد الستينات، حيث تفاوتت آراء المفكرين العرب حول هذا المفهوم – مفهوم النخبة، وشكل ذلك التفاوت حوله مساهمة في معالجة الوضع العربي الراهن، وتحديد ماهية دور الجماهير العربية في الثورة والتغيير.

وهذا المفهوم، إذ يعيد الفكر العربي عامة، والفكر الاجتماعي خاصة النظر فيه فلأنه مفهوم إشكالي في الدرجة الأولى، ولأنه حتى هذه اللحظة لم يشبع نهم الباحثين والمنظرين في استجلاء الدور أو الوظائف التي تشغلها النخب العربية في معركة الحضارة التي يخوضها الوطن العربي، ولم يهدهم إلى ما يقرن بالنخب العربية من سلبيات وقصور في الإمكانات كما لم يشخص المسؤوليات الملقاة على عاتقهم. وأخيرا وليس بآخر، لم يوصلهم إلى بر الأمان بشأن الأزمة التي تعيشها النخب العربية في الوقت الحاضر والحلول المطروحة لتجاوز الأزمة، هذا إذا قبلنا الحديث عن منطق الأزمة.

واستمرت المفاهيم السجالية الخلافية تتكاثر في الأدب السياسي العربي تحت وطأة استيعاب إشكالية الإنسان العربي في الوقت الراهن مثل الطليعة. النخبة القدوة. الأخوة. الإنسان العضوي. الكتلة التاريخية. الجيل العربي الجديد.

وثمة حماسة حزبية عقائدية لهذه المفاهيم، الأمر الذي جعل أدبيات حزب ما يضفي على المفاهيم المنتقاة من قبله معاني مغايرة لمثيلاتها في الأحزاب الأخرى.

ونزعم أن في هذا الاختلاف أمرا آخر غائبا وحاضرا في الوقت نفسه ونقصد به التباين الثقافي بين المنظرين والمفكرين المنتمين إلى هذه الأحزاب بحكم قوة عمليات التخلي والاكتساب التي تقوم فيها الثقافة داخل الفكر السياسي والاجتماعي والعصبية التي تقوي نزعة الانقسام.

وبقي الاختلاف مستمرا إلى أن تحول إلى معركة فكرية الأمر الذي دفع الكثير من المدارس الفكرية تتمترس وراء منظومة من المفاهيم وبعضها وجد ضالته في المفاهيم الثلاثة التالية: النخبة، الجيل العربي الجديد ’ الإنسان العضوي وكتلته التاريخية.

الجيل العربي الجديد بوصفه بديلا للنخبة:

في البداية لابد من الاعتراف إن مفهوم الجيل العربي الجديد هو من ابتكار الفكر القومي وعلى وجه التحديد مدرسة البعث العربي الاشتراكي، ويعود الفضل في صياغته وتنظيره للأستاذ ميشيل عفلق وقد جاء من جملة ما جاء به ردا على مفهوم النخبة الذي التقت في صياغته مدارس علم الاجتماع الوضعي، ومفهوم الطليعة الثورية الذي صاغه الفكر الماركسي، وكلاهما يعود في جذوره ومضامينه إلى الفكر الأوروبي.

يقنعني مفهوم الجيل العربي الجديد بشكل أو بآخر بنفسه وقدرته على استيعاب الكثير من الأحداث والوقائع البنائية التي تتم في الحياة العربية وتفسيرها تفسيرا ينسجم مع طموحات العرب في النهضة، ومزاولة أمتهم دورها الحضاري ويدهشني في خصائصه المختارة له والمراهنات التي تتم على دوره إلى الحد الذي نوافق على انه كلمة السر في معركة الحضارة العربية إذا أخذ حقه في الحياة العربية.

وانسجاما مع قناعتنا قمنا بتنحية مؤقتة فيها نزعة عقائدية للمفاهيم سالفة الذكر عدا مفهوم النخبة والجيل العربي الجديد من اجل المقارنة والمفاضلة.

التعريف اللغوي والاجتماعي لمفهوم النخبة ودور الجيل العربي الجديد.

يساعدنا التعريف الذي سنقدمه للمفهومين السابقين في أجراء المفاضلة بينهما وترجيح أحدهما على الآخر ومن ثم اعتماده في الدراسات المهمومة بمستقبل الوطن العربي في مستوييه الوطني والقومي.

يقول ابن منظور في كتابه (لسان العرب) النخبة. نخب. انتخب. الشيء اختاره ونخبة القوم ونخبتهم خيارهم. ج 26 – ص4373 دار- المعارف القاهرة.

أما الجيل فهو كل صنف من الناس. الترك جيل، والصين جيل، والعرب جيل، والجمع أجيال.. ولكل أمة لغة ولكل قوم يختصـون بلـغة ج9 - ص739.

وبناء على ما تقدم فان النخبة العربية مجموعة محددة من المثقفين العرب يمتازون بوعي مسكون بتطلعات فئوية، والتنوع المتفوق في المعرفة الثقافية والسياسية والكياسة في اللفظ.

وتحتل مكانا مرموقا في السلم الاجتماعي وفي صناعة القرار. وهي من أصول اجتماعية مختلفة وان كانت الشريحة الاجتماعية المتوسطة والغنية هي الغالبة وتربط بين أفراد النخبة عوامل اجتماعية عدة غاية في التعقيد يختلط فيها الهدف العام بالخاص. أما الجيل العربي الجديد فهو الأمة كما رأينا في التعريف. إذ هو خلطة متنوعة من أبناء الشعب،وهو فلتة الأمة نحو المستقبل لأن فيه الفرصة التاريخية ومنه تنطلق المبادرة التاريخية، وهو بشكل أو بآخر اللحظة الخلاقة التي تكرر نفسها في حياة الأمة بقوة التناسل وبقوة العروبة والإسلام الذي تشكل علاقتهما العضوية دليلا ومرشدا للجيل الجديد في مهامه.

 

والجيل العربي الجديد في هذه الحالة ليس جيل الشباب فقط،وإنما الإنسان العربي الذي آمن بالوحدة العربية سواء الاندماجية أو الفيدرالية أو ذات المستويات الوطنية المتعددة على نمط السوق العربية المشتركة واختار استكمال التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي طريقا للعدل الاجتماعي وممارسة الشعب العربي دوره الحضاري المتمثل في الإسلام رسالة إنسانية له اليوم وفي المستقبل.

ونحسب أن تلك الخصائص كفيلة بانحيازنا إلى مفهوم الجيل العربي الجديد لأنه أكثر قدرة على ممارسة الوظائف البنائية التي تحتاجها عملية التطور والتقدم. كما أنه أكثر استجابة لاحتياجات الأمة العربية في معركة المصير العربي لأنه بشكل أو آخر الأمة وفكرتها في حين أن مفهوم النخبة فوقي وفئوي ويخص شرائح اجتماعية يعطيها أكثر من حجمها وقدراتها.

مبررات الانتقال من مفهوم النخبة إلى مفهوم الجيل العربي الجديد

تتحرك مبررات الانتقال من يقينها بمسوغات عدة أبرزها أن الأمة تلتقي في الجيل العربي الجديد بكافة قواها الحية وتياراتها الفكرية المؤمنة بالحقيقة التاريخية للأمة العربية وبكثرة تجلياتها بدءا من مواجهة الأحباش على مشارف مكة، ومرورا بظهور الإسلام وانتهاء بكل ما يجري على الساحة العربية من استجابات قومية للأحداث والمعارك التي تقع هنا وهناك من أنحاء الوطن العربي وتقدر الأسباب إياها المهام القومية التي يستطيع الجيل العربي الجديد أن يفعلها إذا وصل إلى زمنه النفسي وقام بربط الفكرة بالممارسة وأعاد للدولة الوطنية حقها وحجمها في فكره بعد أن امتلكت مجموعة من الصفات والوظائف التي يصعب تجاهلها أو الاستخفاف بوزنها في الحياة العربية وقدرتها على اجتذاب فئات اجتماعية عريضة إلى جانبها. وإذا تمكن هذا الجيل أن يعكس صورة الأمة في تصرفاته وسلوكه الاجتماعي وطموحاته وعمله اليومي وفي تطبيق المساءلة على نفسه، وباختصار أن يكون فكرة الأمة في حياتها الجديدة أي في حال وحدتها وعدلها الاجتماعي وتحررها من كل ما يضير نهضتها.

بهذا المعنى لا يغيره تكون مبرراتنا منحازة حكما إلى مفهوم الجيل العربي الجديد بقوة مستقبل الأمة العربية المسكون فيه.

غير أن هذا التحيز لا يناقض منهج التحليل كما نزعم لأنه أقترن بالعديد من المعطيات والآمال والآلام والأهداف المشروعة التي لا تخلو منها ولا يستقيم لأي شعب من الشعوب أمر بدونها ومع ذلك فإنه لا يغيب عن تلك الأواصر ما في الجيل العربي الجديد من لحظات ضعف محلية وقطرية ونزعة للانقسام تشكل في نهاية التحليل منطق الصعوبة أمام الإنسان العربي وهو يمارس دوره في معركة المصير العربي.

ثم نسأل والسؤال فيه صفة المنهج أليست الإحصائيات التي أتت بها واحدة من الدراسات عن اتجاهات الوحدة العربية والتي تقول أن نسبة 78.5% تؤكد بأن الوطن العربي يؤلف أمة عربية، واحدة وحوالي 53 % منه ينظرون إلى الحدود السياسية من منظار قومي ومعادلة عربية ترى أن الوحدة العربية مقسمة في الوقت الحالي بحدود قطرية اصطناعية ونسأل الآن من زاوية أخرى عن وجود الجيل العربي الجديد فنراه في الممارسات البناءة الموجودة داخل الحياة العربية والتي تظهر عند الطفل الذي يتعلم لغته العربية ويدرس تاريخه ويحفظ أناشيده الوطنية والقومية، والعامل الذي يجسدها في معمله وهو ينجز عمله بإتقان. وكذلك الفنان الذي يرسم لوحة للحياة العربية، والموسيقار الذي يلحن الأغاني القومية. والجندي الذي يسهر على حدود وطنه، وهؤلاء جميعا عندما ناصروا مصر والجزائر ويناصرون الآن الشعب العربي الفلسطيني ويمدون يد العون للشعوب المضطهدة في كل مكان من العالم. ويقفون بقوة العروبة إلى جانب العراق الذي يشكل موقفه من الحلف الأطلسي أعلى إشكالي التحرر من الاستعمار.

والجدير بالقول في هذا السياق أن الجيل العربي لم يوجد من فراغ، وإنما في مدرسة عربية تنمى كل ما فيه من إمكانات، وطاقات. وتنشط مواهبه وتشكل عقله النقدي، وتقوي فيه حب العروبة من خلال المعادلة التي تقول أن الوطنية هي العروبة وأن العروبة هي الوطنية وتعزز في وعيه وسلوكه القيم الإسلامية السامية، انطلاقا من أن الإسلام روح جسده الأمة العربية. وتسلحه بالقدرة على التحليل والتأويل والمساءلة والإيمان بالرأي والرأي الآخر، وممارسته بين زملائـه وأقرانه. وتقوي فيه اعتزازه بكرامته وحقه في القول والدفاع عن حقوقه والقيام بواجبه على أحسن وجه. وتؤسس في جهازه النفسي القدرة على المحاكمات وإعطاء الزمن قيمته ومعانيه الاقتصادية والاجتماعية، كما أنه بحاجة إلى أسرة متماسكة تحكمها القيم العربية الإسلامية لا يؤرقها حقها في العيش السليم والقول الحق والنقد البناء. والى حياة اجتماعية وسياسية خالية من الهيمنة والاستبداد ونظيفة من إجراءات الوصاية والمنع والعزل والتغييب.

إذا. فإن مفهوم الجيل العربي الجديد أقدر على استيعاب حاجات الأمة والتوافق مع حالها للنهوض به ونقله إلى الأمام، وبهذه الحالة يتحول الجيل العربي الجديد إلى قوة فعالة في قلب المشروع الحضاري العربي، ويصبح قضية كبرى من قضايا معركة النهضة.

ورب قائل يقول إن مفهوم الجيل العربي الجديد لا يزال فكرة لم توجد فكيف نستبدله بمفهوم النخبة المتواجدة على الأرض العربية، ونكرر أن الجيل العربي الجديد موجود على الساحة العربية في أكثر من موقع ومكان وله تعابيره وترانيمه في الحياة العربية وفي المقاومة والممانعة التي أفشلت وتفشل المخططات المعادية للمستقبل العربي وذلك في النهاية هو الفرق أو الخلاف بين مفهوم خلاق ومفهوم تقليدي.

وفي أكثر من مقال وحديث. وعلى طول أكثر من عقد يمضي الأستاذ في تعميق مفهوم الجيل العربي الجديد والمراهنة عليه في الوصول إلى حياة عربية جديدة قوامها الوحدة العربية والحرية والاشتراكية. وهو عندما صاغ مفهوم الجيل العربي الجديد كان في ذهنه أو وعيه صورة دقيقة لحال الأمة وحاجاتها إلى جيل عربي جديد يماثل ويشابه الجيل العربي الجديد الذي كونه الإسلام على صورة محمد (صلعم)، يوم كان محمد كل العرب. ويوم كانت الحياة العربية ترتقي بجهاد هذا الجيل (2) في حالة رقي الأمة وقوتها تخف مسؤولية الفرد، إذ يكون قادرا على نفعها عاجزا عن الأضرار بها. ولا يكون ثمة تناقض أو اختلاف كبير بين نفعه لها وانتفاعه منها، بل تنسجم المنفعتان في أكثر الأحيان وبتحقيق الفرد شخصيته تتحقق شخصية أمته، وبقيامه بعمله الخاص يخدم الحياة العامة.

ذلك أن الأمة في هذه الحالة تسيطر على مصيرها وظروفها إلى حد كبير، فحياتها إيجابية واقعية،وهي تصعد وكأنها من قوة اندفاعاتها، والفرد محمول على تيارها في هذا الصعود يخدمها بلا عناء ولا تكلف. 

ولكن في أحوال أخرى يكون للأمة صورة أخرى غير الصورة السابقة. أنها الصورة أو الحالة المعاكسة. ودور الفرد في الحالتين مختلف بالتأكيد. وهذا ما يريد الأستاذ إظهاره من خلال المفارقة بين وضع الأمة المتقدم ووضعها المتخلف (3). أما في حالة التأخر والضعف فتتضخم مسؤولية الفرد، إذ يرى كل حركة من حركاته قادرة على الأضرار بأمته، في حين تصبح خدمتها شاقة متعذرة، فاهتمامه بحياته الخاصة لا يكون إهمالا للخدمة العامة فحسب بل في أكثر الأحيان موجها ضدها. ولا يعود الفرد خلية في جسم الأمة، إذا تغذى غذاها في الوقت نفسه، بل خصما لهذا الجسم لا يقوى إلا من ضعفه ولا يسمن إلا من جوعه. وإذا أراد أن يدخل الحياة العامة رأى بعد حين أنه على الرغم من رغبته في الخدمة، منقاد بمنطق قاهر خفي لأن يسخرها لنفسه ومصلحته، ويعيش منها وعليها، بعد أن كان ينوي تسخير نفسه وعيشه لنفعها ولخدمتها، ويتضح له أن مساهمته في العمل العام بغية إيصاله إلى هدف مشترك واحد للأمة، لن تؤدي عندما تضاف إلى مساهمة الآخرين، إلا إلى وصول بعض الأفراد إلى أهداف خاصة مختلفة، أي أبعاد الأمة عن هدفها المطلوب.

ذلك أن الأمة في هذه الحالة مسيرة منفعلة، خاضعة لسلسلة من العوامل والظروف البعيدة والقريبة، الداخلية والخارجية. فبين ظروف الأمة ومصلحتها، بين قدرتها وإرادتها تضارب وتناقض. أي أن عملها عكس نفعها وواقعها نقيض حقيقتها. وإنما تقدر ما لا تريد وتريد ما لا تقدر عليه فحياتها سلبية.

وبعد أن يضع اللمسات الأخيرة عن حال الأمة المتخلفة. يحاول توصيفه معلما معلما وسمة سمة، ثم يصل منها إلى النتيجة التالية: (4) إن حالة كهذه تجرف وتشل وتقنط العدد الأكبر ولكنها قد تخلق أفرادا قلائل وحيدين يصمدون ويعاكسون سيرها، فعندما يتخلى العدد الأكبر عن مسئوليته يظهر هنا وهناك الفرد الذي يتحمل كل المسؤولية، أي مسؤولية الكل، وهذه خطوة أولى ومربية لأولئك الأفراد يجب إن يعقبها تعارفهم وتوحيد جهودهم،حتى يكونوا القوة التي تحدث في نفوس الآخرين الثقة والاطمئنان إلى أن كل جهد ينصب في هذه القوة مثمر، وأنها القوة الوحيدة التي تثمر فيها الجهود. فالعمل ليس عاديا آنيا، بل تاريخيا، وليس سياسية، بل رسالة لأنه مكلف بتصحيح انحراف عصور عديدة ماضية، وتهيئة انبعاث للأمة يؤتي أكله في عصور عديدة مقبلة، وليس ينجح فيه جهد إفرادي وأسلوب سطحي وأعداد مرتجل، فلا بد إذن من جيل بكامله مهيأ لأن يبدع في النضال ويستمر فيه إلى نهايته.

ونسأل، ثم نتساءل من هم الأفراد القلائل ؟ إنهم الجيل العربي الجديد الذي يقصدهم في حال الأمة العربية. وهم يتعارفون على بعضهم بعضا من خلال النضال والجهاد، ومن خلال الإيمان بالعقيدة القومية والولاء لها. ثم ينشطون لاستقطاب أقرانهم من أبناء، الأمة، من أجل المستقبل العربي. وفي هذه الحالة السلوكية والنفسية والعقائدية والولاء للوطن والأمة يصبح العمل بالنسبة للجيل العربي الجديد (5) ليس آنيا بل تاريخيا. وليس سياسة، بل رسالة لأنه مكلف بتصحيح انحراف عصور عديدة ماضية.

وعلى ضوء ما تقدم نسأل هل الجيل العربي الجديد موجود على الساحة العربية، يمارس مهامه ودوره أم أنه في طور التكوين؟ ويجيب الأستاذ (6) ((أننا إذ نذكر الجيل العربي الجديد نعني به جيلا لم يتحقق بعد،وان تكن له في واقعنا ممكنات)) لكن فكرة الجيل العربي الجديد التي تشكل شرط وجوده، موجودة في معنى العروبة والإسلام، وموجودة في العلاقة العضوية القائمة بينهما. وعلى هذا الأساس يؤكد الأستاذ على أهمية الفكرة بقوله: ومن العبث أن ننتظر ظهور هذا الجيل إذا لم تظهر فكرته.

إذا الفكرة والجيل كلاهما يشكل سببا للآخر كما هو الشأن بين الحضارة والفكرة وهي حالة ضرورية له فإذا لم تكن لن يكون. وظني أن ربطه بين الجيل وفكرته، هو في مستوى آخر ربط الفكرة بالممارسة. وهذه الرابطة هي أيضا من شروط الجيل العربي الجديد وتشكله وحضوره، بل هي معيار جدته، فإذا غابت الفكرة، ضد الجهد والعمل. والعمل بدون فكرة سيكون عرضة للخراب والفشل. وفي هذا السياق ينوه إلى مسألة هامة وهي تميزه وفرزه بين الجيل العربي وجيل الشباب ولا يفهم من الجيل الجديد انه جيل الشباب إذا ليس الشباب،فكرة بل هو شرط لنموها (7) وقد يكون من الشباب من هم أشد من الشيوخ عداوة ومناقضة للجيل الجديد لذلك لن تتحقق الفكرة العربية الجديدة إلا في نوع معين من الشباب. وإهمال هذا الفرق أدى إلى فشل كل محاولات البعث التي قامت منذ سنين وما تزال لأنها اكتفت من الشباب برابطة السن وبرابطة أخرى لا تقل عنها خداعا: الثقافة الاصطلاحية. فالجيل الجديد يشترط أيضا وجود فهم معين للثقافة ونوع معين من المثقفين.

إن الوهم الذي ينسب إلى السن الشابة قوة خارقة في حد ذاتها هو نفسه الذي ينتظر انتهاء الجيل القديم وموت آخر ممثل له. في حين أن هذا الجيل ليس مجرد أجسام مسنة، بل هو روح وتقاليد قادرة أن تتجسد في الأجيال الشابة الى ما شاء الله.

وما يجلب الانتباه بهذا التمييز أن له غاية منها وهي التي يجسدها في الآتي: إن كل إصلاح لا يتناول الفكرة الأساسية لحياة الأمة سطحي فاشل وبالتالي ضار ومن خلال هذا التشخيص يقرر ظاهرة فكرية وسلوكية قائمة في شخصيتنا الاجتماعية، المتمثلة في اهتمام الإنسان العربي الحالي بـ الأخلاق وإخفاقه في تحويل هذا الاهتمام إلى ممارسة عملية في داخل الحياة العربية. وبعد ذلك يوضح رؤيته لجانب مهم من شخصية الجيل العربي الجديد والتي يراها بالآتي: إذا فنحن لا نطلب جيلا مؤمنا جيلا مخلصا جريئا صورا وطنيا فعالا فقط. بل نطلب جيلا جديدا أي أن يكون له موقف حيوي جديد. ولكن الموقف الحيوي، كما سنلاحظ، ليس لفظة بدون مضمون، إنه عبارة عن موقف فكري يمكن تحديده وتوصيفه بناء على العوامل التالية:

1 - هضة إلا من الداخل، من داخل الانحطاط، تنبعث منه لتنفيه، وتستكشف اتجاهه لتعكسه، والجيل الجديد سيخرج من الواقع الفاسـد ولكنه سيكون نقيضه، سيكون منه، وينفصل عنه. وهو نتيجة للألم، ولا يشعر بألم الفساد إلا من عاش فيه لا منه.

2 - ولكن الفساد لا يؤلم دوما ولا يؤلم أيا كان: فالألم فد يخلق ويوضح ويرهف ويجسم ويملأ بالمعنى ويعطي اتجاها. فلا بد من ألم شديد فيه معنى وله اتجاه.

3 - إن معنى الألم واتجاهه متوافقان على نوع الأحكام التي يصدرها الجيل الجديد. وحياة هذا الجيل متوقفة على حكمه، لذلك وجب أن يكون حكمه حيا. من صفات الجيل المنحط أنه يحكم على الحاضر حكم مؤرخ، انه مفسر لا مؤثر، يحول الأسباب إلى أعذار وقد يحول الأعذار إلى مبادئ فلسفية وقواعد أخلاقية. ليس من ضرر في أن يكون حكمنا اليوم على الجاهلية حكما تفسيريا فنستكشف فيها فضائل ونجد لعيوبها أعذارا، ولكن الإسلام حكم عليها حكما حيا وهكذا أدى مهمته. فالذين يحكمون على الجيل القديم هذا الحكم التفسيري هم منه وان كانوا شبابا يافعين، لا بل هم دونه لأن القصور الذي اضطر إليه الجيل القديم اضطرارا تعمده جيل الشباب تعمدا. وبما أن التحقيق هو دون المثال دوما، فالجيل الذي يتخذ من النتائج التي وصل إليها الجيل السابق مثلا وغايات سيكون حتما دونه في الخلق والعمل معا.

فالغيرة على الجيل الجديد أي على المستقبل تفرض أسلوبا معينا في وضع المسائل وعرضها ومعالجتها لان ثمة فرقا كبيرا بين وضع المسألة بشكل يوصل إلى أيجاد أعذار ومسوغات أو فضائل وحسنات الجيل القديم، وبين وضعها بشكل يوصل إلى تكوين عقيدة ومثل ومفاهيم تمكن الجيل الجديد من القيام بمهمته التاريخية.

4 - ولا يكون حكم الجيل الجديد حيا إلا إذا كان له في فكره ونفسه مجتمع مثالي يستمد منه قيمه ويسأله الحكم على تفكيره وعملة. فالمجتمع الواقعي يهدد الشباب بأكبر الخطر إذ هو من جهة يرشحهم لمهام الأبطال، ومن جهة أخرى يرضى منهم بأبسط الأعمال. فلا بد من الترفع والتغاضي عن المقاييس الواقعية ومن استلهام مقاييس المهمة التاريخية، أي المقاييس الخالدة. فالخلود ليس سير الحاضر إلى المستقبل بل نقل المستقبل إلى الحاضر. وان أبطال العروبة في الماضي المجيد لم يخلدوا لأنهم قاموا بالأعمال العظيمة بل قاموا بالأعمال العظيمة لأنهم كانوا في حياتهم يعيشون في نطاق الخلود.

5 - كل ما تقدم يوصل إلى هذه النتيجة: إن الجيل الجديد لن يكون إلا بانفصاله عن الجيل القديم لا في الزمن الاصطلاحي، بل في الزمن النفسي والجوهر، أي في أصل الفكرة ونظام تكونها وصلتها العضوية بمعتنقيها. هكذا نعتبر أصغر تلميذ قابل لان تتجسد فيه الفكرة العربية الجديدة أثمن وانفع لأمته من أكبر سياسي حافل العمر بالحوادث والتجارب والخدمات. عند ظهور الإسلام كانت قيمة المسلم في كونه مسلما لأن فكرة الإسلام كانت كفيلة برفعه إلى مستواها، وكان فساد المشرك في كونه مشركا بصرف النظر عن مواهبه وفضائله،لان فكرة الشرك كفيلة بخفضه إلى دركها وبتهديم هذه الفضائل وتبديد تلك المواهب. ذلك هو الفرق بين فكرة خلاقة وفكرة عقيمة.

الانفصال هو النظرة الصحيحة إلى الاتحاد الصحيح، لأن الاتحاد لا يكون في الكم بل في الجوهر والدم، وإذا كان الاتحاد الكمي في حالة سلامة الجوهر قوة، فانه يعني الضعف والفوضى عندما يكون الجوهر مفقودا أو مشوبا. ففي حالة الأزمات الخطيرة التي تتناول جوهر الحياة ينشأ بين الكم والكيف تناقض وتضاد ويتميز العنصر الصالح بخلوه من العناصر الأخرى، وبخوفه ونفوره منها وتخويفه وتنفيره لها، أكثر من تميزه بجمعها واجتذابها. في وقت من الأوقات، وقبل البعثة، كانت الأمة العربية مجرد فكرة ومثال لا يقابلها في عالم الواقع شيء ولا يحققها شخص حي. لذلك كانت قوية لأنها رفضت أن تتساهل وتقبل بواقع لا يلائمها وانتظرت حتى أبدعت واقعا من فكرها ودمها وأحشائها.

والسؤال الذي نطرحه على الأستاذ من خلال تبشيره بالجيل العربي الجديد، وتوصيف سماته، وتعيين شروط ظهوره، هل ظهر الجيل العربي الجديد قبل هذه المرة في التاريخ العربي، أي الحياة العربية؟

ويجيبنا على هذا السؤال في أكثر من مكان من مؤلفاته، وخاصة في حديثه عن التراث وأهميته في الحياة العربية، لأن التراث عنده المرجع والتجربة والشاهد الحي. وهذه واحدة من إجاباته (8) وفي وقت آخر عند البعثة كانت الآمة رجلا واحدا، وكان هذا الواحد كافيا ليمثلها في ذلك الحين، والى ألوف السنين .

ويظل عنده الفيصل في وجود الجيل العربي الجديد وحضوره في الساحة العربية الإيمان بالنفس والعروبة (9) ويؤمن بأمته الخالدة وبقدرتها أن تغلب انحطاطها، لأنه يؤمن بنفسه، مادام هو قد خرج منها، فهي قادرة أن تخرج من نفسها، وما دام هو قد ارتفع فوقها، فهي قادرة أن ترتفع فوق نفسها. ومادام هو قد انفصل عنها وهي تستطيع بعمله وتأثيره أن تنفصل عن نفسها المنحطة الفاسدة لتعود الى ذاتها الأصيلة لتعود الأمة العربية الخالدة ولكن كل ذلك يشترط أن يكون ثمة جيل عربي جديد.

ونلاحظ في المقطع السابق من كلام الأستاذ، أن هناك، الإنسان العربي وأمته، وأن بينهما سلسلة جدلية من التعامل أي في حال الانتقال من الإنسان الى أمته، ومن أمته الى الإنسان العربي نجد أن كل واحد منهما يمثل أو يشكل شرطا للآخر. فإذا خرج منها، فهي قادرة أن تخرج منه. ومادام هو قد ارتفع فوقها فهي قادرة أن ترتفع فوقه وهلم جرا الى أن يكون ثمة جيل عربي جديد، وهذا التشارط الجدلي بين الإنسان وأمته من أجل أن تعود الأمة العربية الخالدة، فيه من العلمية والمنهجية في رؤية للحلول العملية للحياة العربية، ما لم يره أحد من قبله. وهذه ميزة تحسب لمشروعه الفكري أدت إلى وجود مدرسة في الفكر القومي، هي مدرسة: البعث.

ثم يضفي شفافية على أطروحة الجيل العربي الجديد، ويحددها بقوله انه: (البعثيي لأن البعثي (10 ) هو الجيل العربي الجديد. كما تعرفون. البعثي يذهب إلى جموع الجماهير من أبناء شعبنا لا يذهب إليهم ليعلمهم، وإنما ليشاركهم.. لا يذهب إليهم ليلقي درسا نظريا ثم يرجع، وإنما ليقرن الفكر بالعمل وبالممارسة.

وهنا من حقنا أن نستنتج لنقر الحقائق من أن لا بعثي دون أن يقرن فكره بالعمل والممارسة، لأن البعثي هو العربي الجديد. العربي الصالح، العربي المستقيم الفكر والخلق، الذي فهم بالتجربة والخبرة والتفكير الحر المستقل قضايا أمته الرئيسة.

وهو أيضا بعثي لأنه (11) يعني أولا قد رفض رفضا تاما نهائيا الأفكار المناقضة والمخالفة للفكرة القومية، أي انه عرف واقتنع بأن العربي في مفهوم البعث لا يمكن أن يكون شيوعيا أمميا، وان العربي لا يمكن أن يكون إقليميا، أو طائفيا، أو أن يعمل بوحي غير وحي العروبة نفسها، لكن انتماءه للبعث العربي يعني فوق ذلك انه رفض كل تلك الأفكار والاجتهادات، كما رفض كل الحركات التي تتجسد فيها .

والبعثي أيضا عند الأستاذ هو الذي يملك القدرة على إعادة النظر دوما في سيرنا ونهجنا وتفكيرنا حتى يكون تفكيرنا ناضجا أصيلا، وحتى لا تضفي عليه السطحية والتقليد لكي لا يؤدي بنا الغرور إلى ما أودي بالكثيرين .

وفي هذا المقام يتجلى النقد ونقد الذات بأزهى صورة. و إعادة النظر تشكل صلب النقد الذاتي ورافعته. وكيف لا وانك ترى الآية الكريمة تقول ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) - سورة الرعد - الآية 10، تتلألأ هنا وهناك في كتاباته من نقطة البداية، وحتى البعث والتراث. أي من عهد البطولة إلى الإيمان إلى المعركة وآفاق المستقبل. ثم أليست الدعوة إلى تغيير النفس هي الخطوة الأولى في الانقلاب والحياة الانقلابية؟

الهوامش :

1- - ميشيل عفلق – في سبيل البعث – ج 1 – ص 63

2- - المرجع السابق – ص 64

3- - المرجع السابق – ص 164

4- - المرجع السابق – ص 64

5- - المرجع السابق - نفس المعطيات

6- - المرجع السابق - ص 165

7- - المرجع السابق – ص 166- 167

8- - المرجع السابق – ج 1 – ص 167

9- - المرجع السابق – ج 3 ص 17- 18

10- - المرجع السابق – ج 1 ص 52

11- - المرجع السابق – ص 53

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدبيات البعث | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا *** أن نبتدي بالأذي من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا***خضر مرابعنا حمر مواضينا



إن أمام التحالف الذي يجمع الغرب المسيحي واليهودية الصهيونية والشيوعية الإلحادية والعنصرية الفارسية المتسترة بالإسلام تنكشف الهوية الحقيقية العميقة للمعركة التي يخوضها عراق البعث والتي نقلت النهضة العربية من مواقع الدفاع الى مواقع الهجوم

القائد المؤسس

أحمد ميشيل عفلق