الوعي التاريخي لمرحلة النهضة العربية
كتبهاعزالدين القوطالي ، في 4 سبتمبر 2008 الساعة: 09:47 ص

الوعي التاريخي لمرحلة النهضة العربية
وجهة نظر بعثية
الدكتور إلياس فرح
يتعرض الوعي التاريخي لدى بعض المثقفين العرب الى الإهتزاز أحيانا فتنعكس الأزمات القومية على مفهومهم للمرحلة التاريخية ويتساءلون كلما مرت القضية العربية بظرف سلبي : هل هي حقا مرحلة نهضة وإنبعاث أم أنها إمتداد لمرحلة الإنحطاط الطويلة التي عرفها المجتمع العربي بعد سقوط بغداد على يدي الغزاة عام 1258 م .
إن مثل تلك الظاهرة يمكن أن تفهم في ضوء المراحل الإنتقالية في التطور التاريخي حيث يبسط منطق رد الفعل المباشر على النكسات ظله على الذهن العربي فتتقلص دائرة إستيعابه للأحداث ويدفع به الى الإنفعال والى تكوين الأحكام السلبية المتسرعة على المرحلة التاريخية ككل .
إلا أن هذه الظاهرة التي تبدو طبيعية للوهلة الأولى لا يمكن أن تكون سوية لأنها في جميع الأحوال إنما تعبر عن خلل أو نقص في العلاقة بين الوعي وبين النضال من جهة ؛ كما أنها تعبر عن قصور في الفهم وفي التمثل الحي لشريط الحياة التارخية للأمة العربية والمجتمع العربي من جهة أخرى .
فثمة فرق واضح يصل الى حد التناقض أحيانا بين وعي الإنسان للتجارب التي تمر بها الأمة من مواقع التأمل والإستعراض الخارجي وبين وعيه لها من داخلها حيث المعاناة والنضال والمشاركة في صنع الأحداث أو مقاومتها .
وعلى ضوء هذه الحقيقة نستطيع أن نتبين الفرق بين قراءة التاريخ والتراث العربي قراءة تقليدية وبين أن نقرأهما ونحن نعمل على إحيائهما وتجديدهما وبناء صرح حضاري جديد للأمة وعندئذ يكون تفتعلنا مع المراحل التاريخية تفاعلا علميا جدليا فلا نتوقف على الخطوات الجزئية وعلى المنحنيات والمنعطفات لنضيع في متاهاتها بل نتابع حقات السلسلة ونعيشها في داخلنا فتصبح جزءا من وجودنا قبل أن يكون موضوعا للوعي ومادة للمعرفة .
فمرحلة النهضة العربية وهي ذات حدود ومؤشرات موضوعية كما سوف يتبين لنا ليست شيئا مستقلا عن وعي الأمة لذاتها وعن الأفكار والحركات وأشكال النضال المعبرة عنها كما أن وعي النهضة لا يمكن أن يستقل عن روح النهضة أي عن الثقة بالأمة وعن إرادة النضال ضد عوامل الإنحطاط ؛ ثم إننا لا نستطيع أن نفهم مرحلة النهضة بعقلية هي إمتداد للمرحلة السابقة لها كما أننا لن نتمكن من وعيها إذا خرجنا من سياقها التاريخي وقفزنا فوق حلقات السلسلة التاريخية .
إن المراحل التاريخية تتوالد وتتداخل وقانون التطور الجدلي للمجتمع العربي هو الذي يكشف لنا أن المرحلة الممهدة للنهضة العربية قد ولدت داخل مرحلة الإنحطاط نفسها لتكون نقيضا لها وأن هذه المرحلة لا تنفصل عن الشريط التاريخي الطويل الذي تمتد عليه حياة أمتنا العربية .
فنحن لن نستوعب حقيقة النهضة العربية المعاصرة إلا إذا وضعناها ضمن سياقها من المراحل القومية الأخرى منذ خروج أمتنا من مرحلة الجاهلية الى مرحلة الحضارة الى مرحلة الإنحطاط … وإلا إذا تمثلنا هذه المراحل تمثلا حيا فتغدو مرحلة النهضة بمثابة حياتنا ومسرح وجودنا والمبرر التاريخي لهذا الوجود .
وعلى ضوء هذه السلسلة من المراحل تتبين أبعاد الثورة الشاملة التي أحدثها الإسلام في حياة العرب ويبدو القرن الأول الذي إنتهى مع معركة بواتييه عام 732 م حدا زمنيا شهد تعيين الحدود الأرضية للمد العربي الثوري في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا والقرن الثاني كبدء عصر ذهبي للإبداع والعطاء الحضاري العربي والقرن الثالث كبداية لإنكماش بعض الأجزاء العربية عن المركز في وقت كانت فيه الوحدة الثقافية في تراص وإزدهار وصعود والقرن الرابع كبدء تعدد مراكز الدولة العربية وتراخي الوحدة السياسية وإنفصال النهضة الحضارية عن إطارها السياسي والقرن الخامس كمسرح لتتابع آلية التجزئة وبدء الحملات الصليبية والقرن السابع الذي شهد رد فعل الأمة المنتصر على الحملة الصليبية الأخيرة عام 1248 م ولكنه شهد في الوقت نفسه مأساة سقوط بغداد على أيدي الغزو المغولي الجديد عام 1258 م . ومنذ القرن الثامن تبدأ ملامح الإستعمارين البرتغالي والإسباني وفي القرن الذي يليه تبدأ السيطرة العثمانية وبعد قرنين تبدأ حملة نابليون عام 1798 م كطليعة للإستعمار الغربي الذي وجد في القرن التاسع عشر مسرحه الواسع للإنقضاض على الوطن العربي بدءا من المغرب العربي وإنتهاءا بالمشرق العربي في القرن العشرين .
فمرحلة النهضة العربية تأخذ موقعها من هذه السلسلة التاريخية مع بداية ظهور رد فعل الجسم العربي على محاولات القضاء على روحه فبعد ستة قرون من التجزئة والإنكفاء والهامشية التاريخية ومحاولات طمس الهوية القومية العربية والإستعمار ونهب الثروات تبدأ ملامح مرحلة جديدة مع بدء وعي الأمة العربية لأبعاد الضياع العربي .
إن مفهوم الضياع أو الإستيلاب ALIENATION الذي يشكل ركيزة أساسية من عناصر الفكر الإشتراكي الحديث والذي إقتصر على حدود الإستغلال المادي في المجتمعات الأوروبية التي لم تعرف تناقض التجزئة وتناقض الحرية ؛ لم يتوقف عند هذه الحدود في الوطن العربي فطمس الهوية القومية وضياع الهوية الثقافية وإستبدال لغة العرب بلغة الأجنبي المحتل والقضاء على الروح الجامعة لهم روح الرسالة إما بهجرها والإغتراب عنها أو بتفريغها من محتواها القومي الحضاري وإحلال مفهوم شعوبي ورجعي مشبع بالتعصب والإنغلاق محل المعاني الثورية العربية الأصيلة للإسلام وتحويل الصلة الحية بتجربته الإنسانية الحضارية الى ممارسات شكلية فاقدة للجوهر .
وهكذا فإن الضياع في المجتمع العربي قد وصل في مرحلة الإنحطاط الى مستوى الذات أي ضياع الشخصية والهوية ولم يتوقف عند حدود التناقضات الإجتماعية والسياسية الموضوعية أو عند الإفتراق بين لمجتمع وإنطلاقته الحضارية ؛ فالعامل الخارجي قد إنضاف الى العوامل الداخلية وأصبح التخطيط للقضاء على الوجود القومي هو العامل المحرك والخالق والمستغل لتناقضات المجتمع العربي .
وعلى ضوء هذه الأبعاد لمفهوم الضياع القومي الحضاري في مرحلة الإنحطاط نستطيع أن نتبين بالمقابل الأبعاد التي كان لا بد أن تأخذها النهضة العربية الحديثة .
فالإنحطاط في المجتمع العربي الذي وصل الى مستوى ضياع الشخصية والهوية لا يمكن أن يتحول الى نقيض متجاوز له إلاّ بإنبعاث هذه الشخصية من جديد .
فمرحلة النهضة تأخذ إذن معانيها ومدلولاتها من خلال تعيين حدود الضياع في المرحلة السابقة لها وهي لا يمكن أن تفهم فهما مطابقا لواقعها وحقيقتها إلا إذا إنتهى التحليل العلمي للمتناقضات التي نتصدى لمعالجتها الى إكتشاف وتحديد المهمات التاريخية الجديدة .
لذلك كان لمفهوم العلمي للنهضة العربية هو مفهوم الإنبعاث القومي المقترن بمفهوم الثورة الإجتماعية والنهوض الحضاري .
لقد مرت حركة النهضة العربية المعاصرة بمرحلتين رئيسيتين :
-1- المرحلة العفوية : التي إمتدت حتى منتصف القرن العشرين .
-2- مرحلة الثورة العربية ذات الإيديولوجية المتميزة والأداة الثورية والإستراتيجية التي تحدد المهمات والأهداف المرحلية على ضوء المبادئ الأساسية المستمدة من النظرية العلمية الثورية .
إن المرحلة الأولى ( العفوية) التي إستمرت طيلة أكثر من قرن قد كانت مرحلة التفتيش عن الهوية الضائعة إنها قبل كل شيء عملية تلمس لحقيقة الوجود تماما كما يفعل الناهض من نوم عميق مثقل بالكوابيس فهي عملية إستيقاظ وتذكر وشعور تنتهي الى تشكل نواة لوعي جديد ينطلق من إستعادة الشعور بالإستمرارية التاريخية ومن إدراك للهوية ولرابطة الإنتماء القومي وللصلة بالعصر وللأزمة التي تحيط بالوجود القومي ضمن إطار العالم الراهن .
وقد إنطلقت هذه المرحلة من رد الفعل الغريزي المعبر عن إرادة البقاء في الأمة العربية لذلك كانت تعبر عن نفسها في أشكال سلبية من الرفض للآخر فهي رفض للإستعمار وللإحتلال الأجنبي قبل أن تكون تعبيرا عن مفهوم الحرية يكشف عدوانية الوجود الإستعماري جنبا الى جنب مع العوامل الأخرى السياسية والإجتماعية والإقتصادية المعطلة للحرية في المجتمع العربي وهي رفض التجزئة وإدانة الإقليمية قبل أن تحمل معنى التيار الوحدوي وهي رفض لقيم التخلف وللمفاهيم الرجعية قبل أن تحدد مفهومها للتقدم .
فالمرحلة العفوية تتميز بالدرجة الأولى بكونها رد فعل على الظاهرة الإستعمارية في الوطن العربي تلك الظاهرة التي أخذت عدة أشكال ( معاهدات ؛ إنتداب ؛ وصاية ؛ إحتلال عسكري ؛ إستعمار إستيطاني …) والتي عكست الوجه السلبي للحضارة الغربية الأوروبية كما عكست فيما يتعلق بالسيطرة العثمانية وبنسب مختلفة في كل من المشرق والمغرب واقع التخلف والإبتعاد عن الحضارة الحديثة وكانت سببا في عزل المجتمع العربي عن التفاعل الواسع مع روح العصر .
وقد جرى الإنتقال من السيطرة العثمانية الى الإستعمار الغربي حسب خطة إستعمارية أستندت الى إدراك مبكر لما تنطوي عليه حركة النهضة العربية من تهديد لمصير الإمبراطوريات الإستعمارية .
فمنذ عام 1833 جاء تقرير مبعوث مترنيخ الى مصر ( بروكش فون أوستن ) بتاريخ 16/06 /1833 (1) إن موقف الرأي العام العربي يتلخص في أنه لا مفر من إقامة إمبراطورية عربية وأن إنبعاث الروح القومية عند العرب هي أول ما يلاحظه المراقب …
وفي تلك الحقبة ربط ( بالمرستون) وزير الخارجية البريطانية بين خوفه من الوحدة العربية بين سوريا ومصر 1830-1840 أيام محمد علي كمفتاح للنهضة العربية وبين دعوته الصهيونية لإنشاء جسم غريب داخل المجتمع العربي هو الكيان الصهيوني الذي إنتهت الظاهرة الإستعمارية الى زرعه في الجسم العربي لإعاقة النهضة العربية .
وفي عام 1907 جاء تقرير اللجنة الجامعية المشتركة بين جامعتي باريس ولندن التي شكلتها حكومة (نيريمان) من الإختصاصيين في تاريخ الإمبراطوريات مشيرا الى أن : (( الخطر الذي يهدد مستقبل الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية إنما يكمن في المنطقة المطلقة على الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط حيث يقطن شعب تعداده 35 مليون نسمة (آنذاك) ويتمتع بثروات طبيعية وبأسباب القوة والنهضة والوحدة).
لذلك كان للظاهرة الإستعمارية دور متميز ومخطط خاص في الوطن العربي فقد ركزت على خلق تجزئة من نوع جديد في المجتمع العربي لتدفع بالكيانات الإقليمية الى التنابذ والتشرذم وتعميق التجزئة السياسية وخلق عوامل مضادة للوحدة العربية وبيئة إنقسامية إنفصالية تدعم التجزئة السياسية بأنواع من التجزئة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والنفسية .
فالمخطط الإستعماري في الوطن العربي قد تجاوز ما هو مألوف في السياسات الإستعمارية التقليدية لأنه كان يقاوم خطر النهضة العربية عليه وإحتمالات التحرر والوحدة التي تهدد المصالح الضخمة التي كان يعبر عنها . ولذلك كان التحالف الإستعماري الصهيوني وكذلك التحالف مع الطبقات الرجعية التي إستند إليها لمقاومة تيار النهضة داخل المجتمع العربي ؛ فبالإضافة الى سلب الأوطان وإقتسام المصالح وتقسيم الأرض عملت الظاهرة الإستعمارية على خلق مضادات الوحدة المتمثلة بعقلية التجزئة ونفسية التجزئة ومصالح التجزئة وكيانات التجزئة وخلق التناقض بين التراث والمعاصرة عن طريق تشجيع المفاهيم الرجعية للتراث أو خلق الفكر المغترب أي خلق حالة مزدوجة من الإغتراب عن التراث وعن العصر .
هذا فضلا عن سلب الموارد الطبيعية والإقتصادية في الوطن العربي وجعلها أداة لخدمة إقتصاده الإستعماري وفتح الأسواق العربية ووضعها في خدمة المنتوجات الأجنبية وخلق حواجز أمام التبادل الإقتصادي بين البلاد العربية وبينها وبين البلاد الآسياوية والإفريقية والقضاء على ثمار الحركة القومية العربية التي صارعت السلطة العثمانية ووصلت الى مرحلة تسمح لها بأن تحقق الإستقلال (2) .. فوفق هذا التخطيط الإستعماري قامت المؤسسات والتنظيمات المختلفة داخل المجتمع العربي فكان المصنع والمدرسة والجيش وملكية الأرض والتنظيم الإقتصادي وأنظمة التعليم والتشريعات كلها مستوردة ومخططة على أساس تعميق التجزئة وطمس الوعي وقتل الروح الجديدة روح النهضة العربية .
وقد تمثل رد فعل النهضة في المجتمع العربي خلال المرحلة العفوية في تيارين إصلاحيين كبيرين ركز الأول على بعث التراث في حين ركز الثاني على مفهوم النهضة الحديثة بيد أن كلا التيارين بالرغم مما فيهما من أصالة ومن معاناة قد بقيا ضمن إطار المرحلة العفوية هذه فقد بقيا أسيرين للمنظور الحضاري الغربي نفسه سواء في رد الفعل عليه أو تمثله وتبنيه .
فالتيار المتمثل بمدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي وعبد الرحمان الكواكبي بقي يعمل ضمن مفهوم الإصلاح الديني والإصلاح العقائدي كأساس للإصلاح السياسي والإجتماعي وهو مفهوم مستمد من الغرب ومن تجربة الإصلاح الديني فيه .
أما التيار المتمثل بمدرسة بطرس البستاني واليازجي والشميل وأديب إسحاق وسلامة موسى فقد بقي يفكر وينشط ضمن إطار المفاهيم والمصطلحات والمقاييس الغربية ( التحديث والعقلانية والتطوير والعلمانية والعلمية والتنمية … (3) فهي الصفات التي يتصف بها المجتمع الغربي ويعتبرها مقاييس كل تطور وتحضر .
لذلك فإن المرحلة الثانية ( مرحلة الإنبعاث القومي ) قد تميزت بالخروج من إطار المنظور الغربي والإنطلاق من منظور حضاري إنبعاثي جديد وقد تمثل هذا المنظور الحضاري أول الأمر في وعي بدئي لثلاث حقائق أساسية :
-1- إن التدهور الحضاري يثير في الذهن الأوروبي غير ما يثيره في الذهن العربي ؛ ففي حين يأخذ هذا الإنهيار معنى مزدوجا أحدهما ماثل في القديم في صورة روما المتداعية ومصيرها المأساوي الذي بقي عالقا كذكرى فقدت حيويتها وتثيرها في الحاضر فهي لا تشكل دافعا يستحث الغرب للنهوض من جديد ؛ أما المعنى الآخر فماثل في الحاضر نفسه فأنهيار الحضارة الغربية أصبح شبحا يلازم الفكر الغربي منذ أكثر من قرن .
ففي عام 1851 كتب الفرنسي (دور قيلي ) BARBEY D’AURVILLY يقول : (4) – إن فرنسا تنحدر نحو الشيخوخة ..-
كما أن الأحداث المأساوية التي سبقت قيام كومونة باريس عام 1870 هي التي أوحت الى (بول برجي) PAUL BOURGET المعنى السياسي للتدهور الحضاري الغربي (5)وهي التي جعلت الشاعر (بول قرلين) يعتبر الإنهيار كلمة محببة لأنها تشكل مرآة الوضع الحضاري الغربي آنذاك .
وعندما ظهر كتاب ( أزوالد شبنغلر) عام 1922 كانت عبارة تدهور الغرب عنوان فكرته التي أكتشفت من خلال الإنفصال بين الحضارة الغربية المعاصرة وبين ثقافتها .
هذا في حين أن مرحلة الإنحطاط والتدهور الحضاري تثير في الذهن العربي الى جانب معنى الإنقطاع بيم الماضي والحاضر فكرة الخوف من هذا الإنقطاع والحافز الى تجديد الصلة الحية يه الأمر الذي يولد في الذهن العربي وفي النفس العربية دافعا تاريخيا للعمل ضمن منطق إنبعاثي .
ثم إن فكرة الإنقطاع في الصلة بين الماضي والحاضر العربي ليست منعزلة عن فكرة التخلف عن التقدم العصري لذلك فإن أبواب المستقبل مفتوحة أمام الذهن وأمام الإرادة العربية .
والمنظور الحضاري الذي ينطلق منه المجتمع العربي المعاصر هو منظور مستقبلي يتجه الى بناء حضاري جديد .
-2- إن المنظور الحضاري الغربي لا يصلح مدخلا لفهم أبعاد مرحلة الإنحطاط العربية وطبيعة التناقضات القائمة في المجتمع العربي لأن الغرب يتحمل مسؤولية مباشرة في خلق هذه التناقضات وفي الحيلولة دون المجتمع العربي وتخطي مرحلة انحطاط . فهو قد عمل على تثبيت أركان التخلف وسلب الحرية وخلق التجزئة وتعزيزها ومنظوره الحضاري متهم في جانب منه ومسؤول عن التدهور الحضاري في المجتمع العربي .
-3- إن أبعاد الضياع العربي في مرحلة الإنحطاط تستوجب الإنطلاق من نظرة شمولية إنبعاثية من أجل تحقيق النهضة أي من منظور حضاري يستوعب أبعاد النهضة العربية ورسالتها التاريخية .
وكما أن الغرب الإستعماري قد أدرك بصورة مبكرة صورة النهضة العربية كشبح يهدده فراح يزرع في طريقها العقبات كذلك فإن الغرب المدرك لأزمته الحضارية المتمثل في مفكرين أفذاذ ذوي منظور حضاري منطلق حر أمثال ( شبلنغر وتوينبي وغارودي …) قد أدرك بدوره المعنى الحضاري للنهضة العربية المعاصرة .
فشبلنغر الذي نظر الى الحضارة العربية كنموذج فريد لإقتران الحضارة بالرسالة في القديم هو الذي رأى أيضا فيما يتمثل في هذا الشرق من إستعداد لولادة حضارية جديدة ملامح إنبعاث الحضارة الإنسانية المعاصرة .
وأرنولد توينبي الذي درس في الأجزاء الأربعة عشر من حياة الحضارات حوالي عشرين حضارة مختلفة خضع إختيارها لمعايير نقدية دقيقة وإستخلص منها قوانين عامة إنتهت به الى تلمس ولادة جديدة للحضارة في الشرق العربي وأن هذه الولادة قد بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى نتيجة للتحدي المفروض على المنطقة .
وهكذا كان إنضاج المنظور الحضاري لهذه الولادة الجديدة التي نطلق عليها إسم النهضة العربية المعاصرة إيذانا بالإنتقال من المرحلة العفوية الى مرحلة متقدمة هي مرحلة الإنبعاث القومي .
الهوامش :
-1- بالإستناد الى المخطوطات الديبلوماسية النمساوية أنظر د . جوزيف حجار : أوروبا ومصير الشرق العربي . بيروت 1976 ص 85.
-2- د. إبراهيم أبو لغد : لغة الإستعمار وأزمة التطور الحضاري في الوطن العربي . ندوة الكويت نيسان 1974 ص 126.
-3- نفس المصدر : ص 127.
-4- أنظر مقال هنري رولي : عن مجلة التاريخ الديبلوماسي باريس 1977 .
-5- نفس المصدر .
الدكتور إلياس فرح
بحث منشور بمجلة آفاق عربية العدد 6
شباط 1979 صفحة 2-5.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدبيات البعث | السمات:أدبيات البعث
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 4th, 2008 at 4 سبتمبر 2008 9:33 م
تحية قومية تقدمية
أخي أردت ان أسأل سؤالا بريئا
كيف للامة العربية أن تخلد فالأمة العربية سبقتها أطوار عدة قبل أن يوحدها الإسلام و من الحتمي مع تطور الأنسان سترقى إلى رابطة أكثر تطور من الأمة فمن أين هذا الخلود يا أخي عز الدين.
مع تحياتي
سبتمبر 11th, 2008 at 11 سبتمبر 2008 10:49 ص
تحية قومية عربية تقدمية ثورية
أخي العزيز إن الخلود يتعلّق بالرسالة التي تحملها الأمة العربية وليس بالأمة العربية نفسها والخلود يا سيدي هو الإستعداد الدائم الى التجدد والثورة وتجاوز الأوضاع المعيقة وقبول التحدي والولادة الجديدة فالأمة العربية التي أفصحت عن نفسها وعن شعورها بالحياة إفصاحا متعددا متنوعا في تشريع حامورابي وشعر الجاهلية ودين محمد وثقافة عصر المأمون فيها شعور واحد يهزها في مختلف الأزمان ولها هدف واحد بالرغم من فترات الإنقطاع والإنحراف فالأمة الحية تنمو وتتكامل ويكون مستقبلها أمامها لا وراءها فللأمة إذن ودوما رسالة لم يكتمل أداؤها بعد : رسالة الوحدة والحرية والإشتراكية …