فلسفة الحركة القومية العربية : الأصالة والتحجّر
كتبهاعزالدين القوطالي ، في 3 ديسمبر 2008 الساعة: 11:33 ص

فلسفة الحركة القومية العربية
الأصالة والتحجّر
الدكتور منيف الرزاز
طريق العالم الثالث طريق متميّز
في بحث فلسفة العالم الثالث والوطن العربي جزء من هذا العالم لا بد لنا بادئ ذي بدء أن نحاول الإجابة على سؤالين يطرحان نفسيهما بإستمرار عند بحث هذا الموضوع . أولهما : هل ثمة فلسفة خاصة بالعالم الثالث ؟ وثانيهما: هل هذه الفلسفة إذا كانت موجودة تستمد أصولها من التراث أم تستمد هذه الأصول من الفكر المعاصر؟؟
ولعلّ هذين السؤالين لا يطرحان نفسيهما بقدر ما يطرحهما مفكرون لا يبصرون غير ما يريدون هم أن يبصروا ؛ يستسهلون الطريق الى مواقفهم المسبقة فلا يجهدون أنفسهم في تبين مواقع أقدامهم ويستريحون الى أن يسلكوا طرقا عبدها غيرهم في أمكنة وأزمنة وظروف غير مكانهم وزمانهم وظرفهم . يستوي في ذلك ما يمكن أن نسميه المجدد التقليدي والرجعي التقليدي . فالأول لا يريد أن يرى في تراثه ما يغنيه وما يؤكد ذاته وإنما يرى في هذا التراث عبء التقليد ولا يرى في حاضره ما يميزه فيحاول أن يلغي كل مميزات واقعه الحقيقي من أجل أن يجرده تجريدا كليا يمكنه من أن يجعل هذا الواقع المجرد منطبقا على واقع آخر مختلف عنه في المكان والزمان والظرف الموضوعي . أما الثاني فقد إستراح الى تراث غني يتشبث به رافضا كل رافد من روافد التجديد الحضاري المعاصر ورافضا بالتالي كل ما أغنى هذا التراث في عصره وجعل منه ذلك التراث الغني المجيد وهو الإنفتاح الذهني والعقلي على تراث العالم كله وفكر العالم كله وفلسفة العالم كله وعلم العالم كله ؛ فهو ليس ضد الإنفتاح الجديد فحسب بل ضد الإنفتاح مبدأ ومنهجا ومع الإنغلاق والتقوقع مبدأ ومنهجا .
والواقع أن هذين السؤالين لا يجوز أن يطرحا نفسيهما بجد ؛ فما نسميه بالعالم الثالث لم يكن ليسمى بهذا الإسم أصلا لو لم يكن يتميز بميزات خاصة به تتلخص بأنه عالم متخلف وبأنه عالم كان تحت وطأة الإستعمار وناضل ضده وما يزال يكافح آخر مراحله .
هل هذه الميزات تجعله في وضع خاص وظرف خاص وتناقض خاص وصراع خاص أم أن هذه الخصائص خصائص عابرة غير ذات قيمة وأن في الإمكان حذفها من تاريخ العالم الثالث وحقيقة مشكلاته ويظلّ مع ذلك ما هو ؟؟؟ ذلك هو التساؤل الذي يحدد الجواب السليم والصادق لهذه المشكلة ؛ والجواب على هذا التساؤل واضح وهو ليس واضحا في حساب المنطق الأرسطي فحسب وإنما يصبح أكثر وضوحا في حساب المنطق التاريخي الديالكتيكي . فتاريخ الشرق كله خلال القرون الماضية هو تاريخ صراعه مع الإستعمار متضمنا في ذلك الصراع صراعه مع نفسه ضد التخلف الذي يطيل عمر الإستعمار وهو ما يزال يخوض هذين الصراعين بقوة وشدة ضد أعتى قوى التاريخ وأغنى قوى العالم أفيبقى منه ومن تاريخه بل ومن ذاته شيء إذا نحن نزعنا عنه هاتين الخاصيتين اللتين طبعتا تاريخه الحديث وما تزالان تطبعان تاريخه المعاصر وأهم قضاياه التي يعيشها ؟؟؟
ثمة طبعا من ينكر أو من كان بالأحرى ينكر حقيقة وجود العالم الثالث والغريب أن العالم الرأسمالي والعالم الإشتراكي كليهما قد إلتقيا في هذا الإنكار في مرحلة من مراحل التاريخ القريب بعيد الحرب العالمية الثانية . فالعالم الرأسمالي ألحقه بنفسه مطلقا على العالمين إسم العالم الحرّ وكان ذلك من حقه يوم كانت الأنظمة المسيطرة في هذا العالم أنظمة بورجوازية تابعة بطبيعتها للعالم الرأسمالي ويوم كان إستقلالها السياسي غير مغن لها عن تبعيتها لعالم النظام الرأسمالي . أما العالم الإشتراكي فكان على الأقل أبعد نظرا حين كان يرى أن طبيعة القوى الفاعلة في مجتمعات هذا العالم الثالث المتصاعدة من مستوى النضال السياسي الإستقلالي المحض الى مستوى النضال التحرري الإقتصادي والإجتماعي هي التي تعطيه طابعه الحقيقي الأصيل لا الأنظمة المسيطرة عليه لفترة ما . لذلك فهو عالم حائر عالم ما زال يعيش في ظل أنظمة بورجوازية تابعة ولكنه ما يفتأ يفتش عن طريقه الى أن يكون عالما إشتراكيا .
ولعلنا لا ننكر شيئا من حقائق هذا التحليل ولكننا ننكر وبشدة أن يلغي نضاله من أجل الإشتراكية حقيقة وجوده الذاتي وحقيقة تميزه التاريخي ؛ ونؤكد كما سنبين في الفصول التالية ولا سيما في الجزء الثاني أن نضاله هذا لا يسير في نفس الخط الذي سارت فيه نضالات أمم أخرى للوصول الى نفس الهدف ؛ وإنما هو منطلق في خط ذاتي مختلف ولكن غير متناقض عن خطوط أخرى سارت فيها أمم أخرى في ظروف أخرى لتحقيق المجتمع الإشتراكي ؛ إن وحدة الهدف من حيث الوصول للإشتراكية لا تعني إلغاء التمايز الأصيل والعميق بين منطلقات العالمين الإشتراكي والثالث فالعالم الثالث وحده هو الذي رزح تحت نير الإستعمار وناضل ضده ؛ والعالم الثالث وحده هو الذي إرتبط بقاء تخلفه ببقاء الإستعمار ؛ ذلك هو ما يطبع تاريخه وما يطبع بالتالي فكره وعقيدته وفلسفته .
ومن هنا يبدو لنا بوضوح أننا إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع واقعنا فإنه لا بد لنا أن ننطلق من تاريخنا ومن مشكلاتنا ومن معاناتنا التي لا يشارك العالم الثالث فيها في العالم كله مشارك . لنستخلص فكرنا وعقيدتنا وفلسفتنا من أجل أن تكون دليل عملنا ومنهج نضالنا في الحاضر والمستقبل ولن نستخلص هذا الفكر والعقيدة والفلسفة إستخلاصا منطقيا أرسطيا بل إستخلاصا تاريخيا لأن هذا الإستخلاص التاريخي هو الوحيد الذي يعتد به في أي حكم تاريخي وبالتالي في أي فكر سياسي .
حتمية الإرتباط بالفكر الحديث :
فإذا إنتهينا من ذلك كان علينا أن نؤكد حقيقة أخرى لا بدّ من التوكيد عليها تلك هي أننا حين نقول بحتمية أن يكون للعالم الثالث فكره وعقيدته وفلسفته فنحن لا نقول البتة أن على هذا العالم أن يغض الطرف عن كل ما أتت به الفلسفات السياسية في الغرب أو في الشرق وأن يبدأ من ألف باء الفكر . على العكس من ذلك فإن كل فلسفة طامحة الى النفاذ الى أعماق المشاكل التي نعيشها لا يمكن أن تدير ظهرها للتراث الضخم من الفكر الإنساني الذي خلفته لنا الإنسانية لا سيما في القرنين الأخيرين إلاّ إذا أرادت أن تدير ظهرها لكل ما خلفه الإنسان من تراث في كل الميادين منذ بدء الحضارة الإنسانية حتى اليوم .
إن الذي يدير ظهره للتراث الإنساني بدعوى أنه مستورد أو بدعوى أنه لا يمت الى مشاكلنا بصلة أو بدعوى أن لنا من تراثنا ما يكفينا فمثله كمثل الذي لا يريد أن يعترف بالأبجدية التي إخترعها الفينيقيون وبكل ما تبعها من علوم ومعارف ليبدأ علمه الإنساني من الصفر . نحن لسنا في حل فقط من أن نسترشف من هذا المعين الضخم الثر من التراث الإنساني بل إن ذلك لمن واجبنا الذي لا ترخص فيه .
وعلى رغم أن هذا الأمر لا يجوز أن يمارى فيه فإن ثمة حقيقتين أخريين تدفعاننا الى الإغتراف من الفكر الحديث أولى هاتين الحقيقتين أن مشاكلنا الأساسية حين نضعها في محورها التاريخي إنما هي نتائج وردود فعل لوضع سياسي وإقتصادي وإجتماعي قائم في عالم غير العالم الثالث هو العالم الغربي الرأسمالي وبالتالي فإن ما نسميه مشاكل خاصة بالعالم الثالث ليست في حقيقتها نابعة من تطوره الذاتي المحض بقدر ما هي نتائج علاقات إستعمارية طويلة مع دول الغرب المتقدمة . والحركات القومية والإشتراكية التي نشهدها في العالم الثالث إنما هي ردود فعل لهذا الإستعمار الذي تعرض له كما أنها ردود فعل لوضع التخلف المرتبط مع الإستعمار والمعتمد عليه في بقائه أو تطوره أو الوعي عليه أو الصراع معه أو الإنتصار عليه فالحركات القومية في العالم الثالث لم تنشأ من تطور ذاتي منعزل وإنما ولدت نتيجة صراع الشعوب مع الإستعمار وكانت من أجل ذلك وحيثما وجدت في هذا العالم مناهضة للإستعمار ولم يكن الإستعمار مجرد عملية غزو ونهب وسلب وإستيلاء أعمى كما كانت غزوات المغول في بعض تاريخهم بل كان إفرازا لحضارة معينة ونظام إجتماعي وإقتصادي معين معبر عنها جميعا بفكر وفلسفة معينة لا مندوحة من فهمها والتبصر بها من أجل فهم مشاكلنا ومعالجتها .
إن فهمنا السليم لمشاكل العالم الثالث بحكم كونها ردا على تحدي الإستعمار الذي هو وجه الحضارة الغربية المطل على الشرق وبحكم كونها نقضا لما وراء الإستعمار من فكر تسلطي ونظام إستغلالي لا بد أن يكون مرتبطا بخصائص هذا التحدي حتى في نقضه له . وهذا الإرتباط التاريخي حتمي سواء مع ذلك الفكر المنسجم مع مفاهيم الإستعمار والمعبر عنه والمبرر له أو مع ذلك الفكر الغربي أيضا المعارض الناقد له النابع في نفس الوقت من قلب تلك الحضارة الغربية ردا على تناقضاتها وعقدها وأزماتها وإنعدام عقلانيتها في داخل مجتمعاتها ذاتها . نحن مضطرون حتما ونحن نخوض معركة نضالنا ضد الإستعمار قديمه وجديده الى أن نتفهم فكر الإستعمار تفهما عميقا كما يتمثل في الفكر الليبرالي البورجوازي والى أن نتفهم تفهما أعمق ذلك الفكر الإشتراكي الذي نشأ ردا على تناقضات المجتمع في داخل المجتمع الليبرالي الإشتراكي الصناعي المتقدم ذاته .
وفي الواقع فإن كون الحركات القومية إنعكاسا مناقضا لخصائص العالم الإستعماري البورجوازي يجعلها مرتبطة بذلك العالم وفكره وفلسفته إرتباطا لا فكاك منه . مثلما كانت الحركات الإشتراكية في الغرب ؛ والفكر الإشتراكي بالتالي إنعكاسا مناقضا لخصائص العالم الصناعي البورجوازي ؛ فكانت بذلك جزءا من ذلك العالم وفكره وفلسفته على رغم بل بسبب تناقضها معه . ومن هنا فإن كتاب ماركس في رأس المال كما كان أهم ما كتب في الإشتراكية فقد كان في نفس الوقت أهم ما كتب في نقد الرأسمالية .
إن صلة الحركات القومية في المستعمرات بالفكر الرأسمالي كمثل صلة الحركات الإشتراكية في الغرب بهذا الفكر ؛ تلك هي صورة الرد عليه في وجهه الخارجي وهذه هي صورة الرد عليه في وجهه الداخلي .
تلك هي الحقيقة الأولى ؛ أما الحقيقة الثانية التي تدفعنا دفعا الى الإغتراف من منابع الفكر الحديث فهي أن عالم اليوم بحكم طبيعته الكونية الناشئة عن يسر المواصلات والإعلام يكاد يكون عالما واحدا وأن مشاكله وإن إختلفت أصولها وفروعها مشاكل متقاربة مشاكل إنسان العصر الحديث . والفكر السياسي الغربي سواء منه ما مثل الفكر البورجوازي الليبرالي وما مثل الفكر الإشتراكي لم يقصر بحثه على ميادين وضعه الخاص به وإنما طرح أفكارا كلية وفلسفات عامة مثله في ذلك مثل رسطو وأفلاطون ؛ تصل الى معنى الإنسان ومعنى الوجود الإنساني بشكل مطلق متصل بالإنسان أينما كان وتحت كل الظروف . فجان جاك روسو وهيغل وماركس لم يكونوا يبحثون في الإنسان الأوروبي بالذات وفي عصر معين بالذات وإن كانوا بطبيعة الحال وطبيعة علاقة الفكر بالوضع الإجتماعي الذي يلد فيه متأثرين بالضرورة الحتمية بالمشاكل المباشرة التي واجهتهم وملتصقين بها أشد الإلتصاق . وإنما بحثوا في الإنسان وفي العلاقات الإنسانية وفي المؤسسات الإنسانية وهذه وإن إختلفت تفاصيلها وأختلفت ظروف الإنسان ومشاكله وتغيرت من عصر الى عصر ومن ظرف تاريخي الى ظرف تاريخي تبقى في أساسها قائمة وتبقى أسئلتها مطروحة وتبقى أجوبتها قيد الأخذ والعطاء .
فحرية الإنسان تلك التي جعلها روسو أساس مشاكل الإنسان قاطبة مشكلة كونية بدأت منذ بدأ المجتمع الإنساني ولم تنته حتى اليوم . مشكلة لا تنحصر بالإنسان الذي إستعبدته الكنيسة ولا في الإنسان الذي إستعبده الحكم المطلق ولا في الإنسان الذي قيدته إمتيازات النظام الإقطاعي ؛ وهو الإنسان الذي ركز على مشاكله روسو وإنما هي مشكلة الإنسان المستعبد المقيد أينما كان وكيفما كانت طريقة إستعباده . وعلى رغم أن تطور الديمقراطية والرأسمالية بعد روسو قد طرح المشكلة في ألوان جديدة مشكلة الإنسان كما يستعبده رأس المال ومشكلة الإنسان كما تستعبده الآلة ومشكلة الإنسان كما يستعبده الإستعمار وعلى رغم أن حلول روسو لمشكلة الحرية في عهده لم تتطرق الى شيء من هذا كله فإن أي حل لهذه المشكلات لا يمكن أن يتناسى ما قدمه فكر روسو في أساس المشكلة ولا يمكن أن يقفز عنها ولا بد أن يطلع عليها وأن يستمد منها ولو في مجال النقد والنقض .
وعلى رغم أن فكر هيغل الذي إنطلق في رسم التاريخ في صورة تجعله سلسلة متصلة من التناقضات ومن الإنتصارات على التناقضات وفي صورة تجعله نزوعا دائما نحو تحقيق المطلق في إندماج كلي بين الذات والموضوع ؛ على رغم أن هذا الفكر قد يقصر عن أن يكون جوابا شافيا ووافيا لمشكلات إنسان العصر وعلى رغم أن فكره قد تأثر تأثرا كبيرا بأحداث التاريخ في عصره وما طرحته هذه الأحداث من شكلات وتساؤلات فإن أساسه الفكري ظل أساسا كونيا ومنطقه تجاوز عصره وأحداث عصره وبقي معينا ثرا لكل فكر إنساني بما في ذلك الفكر الناقد والناقض له .
وحين عالج ماركس مشكلة الإنسان الإجتماعي ومشكلة الصراع الطبقي ومشكلة التناقض الرأسمالي ألم يكن في الواقع متأثرا أكبر التأثر بالتناقضات التي ولدها تقدم النظام الصناعي الرأسمالي في عصره ؟ وبالرغم من ذلك فإن معالجته للموضوع لم تكن ضيقة الحدود ولا محصورة كلها في مكان معين وزمان معين بل تعدت ذلك لتتصل بالإنسان في ماضيه السحيق وبالإنسان في مستقبله البعيد . ولا شكّ في أن التطورات التي حصلت بعد عهد ماركس سواء في ميدان الصناعة نفسها أو في ميدان علاقات الإنتاج أو في ظهور العالم الثالث عنصرا مهما من عناصر التاريخ أو في تحقيق الإشتراكية في ثلثي الكرة الأرضية ؛ قد جعلت بعض إستنتاجاته وبعض توقعاته تبدو غير متناسقة مع معطيات اليوم . ولعله من أجل ذلك نتجت فلسفات لينينية وماوية وتروتسكية وفانونية . ومع ذلك بقي فكر ماركس مشعلا منيرا لكل فكر إشتراكي في العالم المتقدم وفي العالم المتخلف على السواء وبقي منبعا ثرا لكل دراسة تاريخية أو إجتماعية أو سياسية ومصدرا أساسيا من مصادر الفكر الحديث .
الرجعية المنغلقة :
نحن إذن في حاجة للإغتراف من هذه الينابيع الفكرية وأمثالها في الإنطلاق نحو فكر سياسي سليم يعالج مشاكل العالم الثالث ويحاول أن يجد لها حلا ؛ ولعلنا لم نكن في حاجة الى أن نمعن في هذا القول لولا أن بعض من يأخذون الأمور أخذا ديماغوجيا ما يفتأون يطرحون ؛ ولاسيما حين ترتفع موجات الشدّ الرجعي وتنحسر موجات المد التقدمي ؛ شعارات سخيفة يحاربون بها كل فكر تقدمي منفتح على أفكار الدنيا وماضيها وحاضرها يغترف من كل منبع فيه غذاء وعطاء وغناء ؛ مدعين أن في تراثنا ما يكفينا وأننا لا يجوز لنا أن نستورد أفكارا غريبة وإيديولوجيات أجنبية زاعمين بذلك أنهم يدافعون عن تراثنا القومي والديني وما هم بطبيعة الحال من حملة التراث الحقيقي ولا المدركين لحقيقة رسالته .
فهم أولا يعارضون إستيراد الفكر التقدمي الثوري فحسب ثمّ لا يجدون غضاضة في إستيراد السيارة والراديو ومكيفات الهواء وكل منتوجات الفكر والعلم الغربيين للترفيه عن أنفسهم أحسن ترفيه ؛ ولا يجدون غضاضة في فتح ابواب لإستيراد النفوذ الإستعماري أو الفكر البورجوازي أو أساليب الإستغلال الرأسمالية الحديثة فالفكر الحرام عندهم هو الفكر الذي يهدد مصالحهم وإمتيازاتهم ولكن الفكر الذي يزيد في رفاههم وأرباحهم وإستغلالهم وسلطانهم فهو الفكر الحلال الذي لا ريب ولا شبهة فيه .
وهم ثانيا يعرفون أن الحضارة الإسلامية قد إنفتحت في الماضي على حضارات العالم المعروفة آنذاك كلها بل ويفتخرون بذلك وقد عبت من مصادر الفكر الأصيلة ما أتاح لها عصرها أن تعبّ في إقبال شره لا مثيل له من اليونان والرومان ومن الهند والصين ؛ وإن هذا الإنفتاح الذي أقبلت عليه الحضارة الإسلامية لم يدن من شأنها وإنما دفعها لتكون في زمانها أعظم حضارات العالم قاطبة وحضارة البحر الأبيض المتوسط الوحيدة .
على أن هؤلاء ثالثا ليسوا مدافعين عن التراث الحضاري الإسلامي في حقيقته أيام مجده وعنفوانه بقدر ما هم مدافعون عن عصور الإنحطاط والتقليد فيه . فالفكر الإسلامي لم يكن فكر الأشاعرة فحسب وإنما كان كذلك فكر السنة والشيعة والخوارج والقرامطة وفكر المعتزلة والمرجئة والجبرية والقدرية والصوفية وفكر الكندي والفارابي وإبن سينا وابن رشد وابن عربي وابن خلدون ؛ ولو شئنا أن نطبق على كل هؤلاء مقاييس متحجري اليوم لما طلع منهم إلا مطعون في إيمانه وفي عقيدته أو مستورد لأفكاره .
والواقع أننا لسنا في حاجة للرد على هؤلاء المتنطعين الذين يؤلمهم التقدم ويؤذي مصالحهم الإنفتاح على الفكر العالمي التقدمي والذين يريدون البقاء في قواقعهم لا يرومون عنها بديلا خشية أن تتأذى مصالحهم وأن تتفتح عيون الناس على إستغلالهم وإمتيازاتهم . وهم مهما إختبأوا وراء شعارات التراث فالتراث نفسه بريء منهم لأن تراثنا لم يكن يوم مجده في إنغلاقهم ولا كان حليفا للجهل والكذب والإصطناع والإستغلال البشع . وكأن الله سبحانه كان يصفهم ويصف أمثالهم حين أنزل الآية الكريمة : (( ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا وقال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )) .
أبناء الماضي وأبناء المستقبل :
على أن مثل هؤلاء في التحجر العقلي كمثل أولائك الذين يرمون التراث وراءهم ظهريا بدعوى أن التراث عبء يعوق تقدمنا وإنطلاقنا وأنه قيد يقيد سعينا الى الإنفتاح الفكري وأنه تقليد يقف عقبة أمام التجديد . وهم بذلك كله لا يقصدون في الحقيقة الى نكران تراثهم بقدر ما يقصدون الى نكران ذاتهم وهويتهم وإنتمائهم وبقدر ما يقصدون الى الإنسلاخ لا عن ماضيهم فحسب بل عن وجودهم كله وعن قوميتهم وعن معارك أمتهم وعن نضال جماهيرهم .
فتراثنا هو نحن هو وجودنا وجوهرنا به نحن شيء ما في هذا العالم بدونه نحن أصفار ؛ ونحن لم نبدأ وجودنا في هذه لدنيا من فراغ ولم نطرأ على الدنيا في آخر الزمان ؛ إن إلتصاق تراثنا بنا كمثل إلتصاق طفولتنا بشبابنا وبرجولتنا وقد نحاول الهرب من طفولتنا أو نحاول أن ننسلخ عنها وعن ذكرياتها وقد ننقدها أو نحبها ونحنّ إليها وقد نذكرها بوعي وقد لا نذكرها إلاّ في اللاّوعي . ولكنها فينا دائما تصنع شخصيتنا وتطبع سلوكنا وتصرفاتنا وتقود خطانا حتى حين نثور عليها وحتى حين نغضب منها وحتى حين نود لو ننسلخ منها وعنها .
نحن آباء مستقبلنا نصنعه بأيدينا ولكننا أبناء ماضينا وتراثنا في حضن أمتنا وفي حكايات جدّتنا وفي أغاني حارتنا وفي قصص الكبار منا وفي عادات مجتمعنا في أعراسنا ومآتمنا وفي أفراحنا وأحزاننا في أساطيرنا وصور بطولاتنا في ملابسنا ومأكلنا ومشربنا وفي لهونا وجدنا وعبثنا ورصانتنا نحن نعيش تراثنا ونعيش ماضينا .
وهذا التراث نعتزّ به نحن العرب لأنه تراث عظيم كما يعتز الهنود بتراثهم والصينيون بتراثهم بل كما يعتز الأفارقة بتراثهم الزنجي الفطري البدائي ؛ نعتزّ به لا لمجرد الإعتزاز والإعتداد والتفاخر ولكن لأن وجوده تأكيد لوجودنا ودافع من دوافع الإيمان والثقة والنضال والبذل .
مضاف الى ذلك أن تراثنا هذا كان كما كان شعبنا موضع هجوم وتحقير وتشويه وإستهزاء من الإستعماريين والمستعمرين وكان الرد على الإستعمار يقتضي منا أن نتسلح بهذا التراث وأن نكشف غناه وكنوزه وأن نقيمه وأن نعيد تقييمه ؛ كان موقع تحدّ وكان لا بد من الرد على التحدّي إلاّ إذا كنا في الأصل من أنصار الإستخذاء للتحدي .
لا سيما وأن التراث ليس تقليدا كما أن الإتصال بالفكر الجديد ليس تنكرا للذات ؛ التراث ليس مكانا للركون إليه والإكتفاء به وإنما هو منطلق الى آفاق الفكر في العالم كله ننطلق منه لا إليه وعنه لا عليه نقيّمه ننقده نفرق بين غثه وسمينه ونميز بين زبده وبين ما ينفع الناس فيه مثلما نقيم وننقد أنفسنا ذاتيا . ولكن لا نعمل على تهديمه ولا على تجريحهه كما لا نحمله في نفس الوقت ما لا طاقة له به تماما ؛ تماما كما ننفتح على الفكر الجديد ونتصل بالحضارات ننهل منها لا نقلدها تقليدا ببغاويا فهي نفسها ظاهرة تاريخية فيها من الزبد الذي يذهب جفاءا وفيها ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ؛ ولكن لنستفيد منها ولنغني أنفسنا وعقولنا وتجربتنا بها .
ليس من تناقض بين الأصالة والتجدد كما لا تناقض بين الخصوصية والعمومية وبين القومية والإنسانية العالمية فالتراث موضوع تاريخي والتجدد عملية تاريخية كل مكمل للآخر ومغن له والأصالة ليست التقليد كما ن التجدد ليس الإستعارة .
يقول الأستاذ ميشيل عفلق في كتابه – في سبيل البعث – (( ما المشكلة النظرية التي تقوم في أذهان البعض على الإختلاف بين الإستمساك بالماضي والتحرر منه فهي ثروة لها وقوة ؛ هو الزمن الذي تحققت فيه روحها والمستقبل الذي يناضل التقدميون في سبيل بلوغه ليس إلا ذلك المستقبل الذي تستطيع فيه الروح العربية أن تتحقق من جديد . ولكن بينما يحسب البعض أن هذا السير نحو تحقق الروح العربية يجب أن يكون رجوعا وهبوطا أي إيغالا في الجمود والشكليات يرى التقدميون أنه يجب أن يكون سيرا حرا صاعدا … وبينما يعتبر الأولون الماضي منحة وهبة تكافأ بها العبودية والجمود يرى الآخرون في الماضي إستحقاقا لا يبرره إلا النضال الصاعد والمواهب المنطلقة فالروح لا ترجع ولا تهبط ولكننا نحن الذين نتقدم نحوها ونرتقي إليها لنلتقي بها …)) .
ثمّ أستمع الى ماو تسي تونغ كيف يفخر ويعتز بتراث أمته (( منذ أقدم الأزمنة عاش شعبنا الصيني وعمل وتكاثر على هذه البقعة الواسعة من الأرض ولقد تطور شعبنا الصيني كغيره من شعوب العالم العظيمة فمر أولا خلال عشرات الآلاف من السنين في مجتمع بدائي متساو لا طبقي ولا شيوعي ولقد مضت خمسة آلاف سنة على إنهيار المجتمع الشيوعي البدائي والإنتقال الى المجتمع الطبقي فمجتمع الرقيق أولا ثم مجتمع الإقطاع ؛ في تاريخ الحضارة الصينية لا سيما حضارة الهان كانت الزراعة والحرف في أعلى مستوياتها وظهر عدد كبير من كبار المفكرين والعلماء والمخترعين ورجال الدولة والقواد العظام وتركوا ذخيرة ضخمة من الأعمال والكتابات الكلاسيكية ؛ لقد إخترع الصينيون البوصلة قبل ثلاثة آلاف عام وإخترعوا فن صناعة الورق قبل 1700 عام وطباعة الصفائح قبل 1200 عام وطباعة الأحرف قبل 800 عام وأستعمل البارود في الصين قبل أن يستعمل في أوروبا . فالصين إذن التي يمتد تاريخها المكتوب الى خمسة آلاف سنة هي من أقدم البلاد المتمدنة في العالم ؛ إن الشعب الصيني ليس معروفا في العالم كله بجلده ومثابرته فحسب وإنما هو شعب محب للحرية غني بالتقاليد الثورية ؛ فتاريخ الهان مثلا يبين أن الشعب الصيني لا يمكن أن يخضع لقوى الظلام وأنه في كل الأحوال كان قادرا على أن ينتصر على مثل هذه القوى أو أن يبدلها بالوسائل الثورية ؛ في تاريخ الصين الممتد الى آلاف السنين ظهر العديد من الأبطال القوميين والقادة الثوريين كما خلقت الصين عددا كبيرا من مخططي الحرب ورجال الدولة والأدباء والمفكرين فالشعب الصيني إذن هو شعب ذو تراث ثوري رائع وميراث تاريخي عظيم )) .
ثمّ أنظر كيف يستفيد ماو تسي تونغ من تراثه الصيني من أجل دفع حاضره الى مستقبله : (( كان الناس يقولون في الماضي إن الذي يقرأ مذكرة تشوكو عن غزوته الحربية ويتمالك دموعه فهو ليس موظفا مخلصا . والذي يقرأ عريضة لي مي الى الإمبراطور ويتمالك دموعه فهو بالتأكيد ليس مواليا ؛ واليوم يجب أن نقول نحن إن الذي يرى ويسمع كيف إتحدت جيوش الصين متناسية عداواتها القديمة ومساندة بعضها بعضا ثم لا يتأثر بذلك فهو بالتأكيد ليس وطنيا …)) .
أرأيتم الى المناضلين الثوريين الحقيقيين كيف يستندون الى تراثهم ؟؟ ذلك أنه منهم وأنهم منه . وإن تراثهم دافع لا مانع لهم الى التجديد والإنطلاق والثورة مع الإحتفاظ بالأصالة ومع الإحتفاظ بالذات وبالهوية .
الأصالة في الإنفتاح :
لن يكون العالم الثالث في فكره وفي فلسفته منغلقا على تراثه كما لن يكون متعصبا له تعصبا أعمى ؛ ولن يكون العالم الثالث منغلقا عن الإتصال بالفكر الحديث كما لن يكون مستسلما له إستسلاما أعمى .
العالم الثالث له قضاياه الخاصة به وبوضعه وبمشاكله التي يحيا من خلالها ويأتي على رأس هذه القضايا الإستعمار والتخلف ؛ ولكن قضايا العالم الثالث أيضا قضايا عامة من حيث أنها تتعلق بثلثي سكان العالم ومن حيث أن حل مشاكل الإستعمار والتخلف لا بد أن ينعكس على ما يجري في كل أنحاء العالم ومن حيث أن هذه المشاكل نفسها وإن إختلفت نوعيا عن مشاكل العالم الأخرى هي جزء من صراع الإنسان الطويل نحو الحرية الحقيقية الأصيلة وحلقة من سلسلة لها ما قبلها وما بعدها .
ثم إن هذا العالم يعيش في عالم أكبر متصل بعضه ببعض أشد الإتصال ؛ قسمة الفكر فيه الى فكر بورجوازي وفكر إشتراكي قسمة لا تحتمل صفة الإطلاق لأن بين الفكرين علاقة ديالكتيكية تاريخية . وقسمة العالم الى عالم مستعمر وعالم مستعمر (بكسر العين) أيضا قسمة يربط ما بين قسميها علاقة ديالكتيكية تاريخية ؛ حركة أي قسم من هذه الأقسام لها فعلها ورد فعلها في القسم المضاد .
من هنا فإن فكر العالم الثالث لا يمكن أن ينغلق لا عن تراثه هو ولا عن تراث الإنسانية ولا عن الفكر الحديث وإنما ينفتح عليها إنفتاحا كاملا يعب منها ويمتص ويغني ذاته ليبدع فكره هو وليسهم بعطائه هو وليشارك في الفكر العالمي في أصالة وفي خلق جديد .
ولكن ما الذي يأخذ وما الذي يدع من كل ينابيع الفكر المعروفة أمامه والمتاحة له ؟؟ ذلك لن يقرره إختياره المجرد؛ إنه لن يجلس في برج عاجي منفصل عن قضاياه يقرر أنه سيأخذ هذا وسيدع ذاك ؛ إن ظروفه التاريخية نفسها هي التي تفرض عليه ماذا يأخذ وماذا يدع وماذا يبدع ؛ إن تاريخ الفلسفة كما يقول ماركس ليس تاريخ فكر محض إنه تاريخ الظروف الإجتماعية التي يعكسها هذا الفكر وفلسفة العالم الثالث لن تكون إلا إنعكاسا للظروف التاريخية التي يعيشها هذا العالم …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدبيات البعث | السمات:أدبيات البعث
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 5th, 2008 at 5 ديسمبر 2008 9:37 ص
عيد مبارك وكل عام وأنتم بالف خير أستاذ عز الدين القوطالي.
ديسمبر 19th, 2008 at 19 ديسمبر 2008 11:42 م
بارك الله في جهودك ويشرفني ان اتواصل معك وارجو ان تجمعنا الايام في بغداد محررة لننشد نشيد البعث العظيم تعبيرا عن هذة الامة الحية التي نعيشها ضمن جسد البعث العظيم
وليخسأ الخاسؤون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته