قراءة في كتاب : طريق الجحيم العراقي - الجزء الثاني
كتبهاعزالدين القوطالي ، في 3 ديسمبر 2008 الساعة: 00:01 ص

طريق الجحيم العراقي..
تجربة مرتزق بريطاني
تأليف: جان جيدس
ترجمة وعرض: بشير البكر
الجزء الثاني
مطاردة الزرقاوي
يروي الكاتب في فصل من فصول الكتاب، تفاصيل عملية بحثه عن زعيم “تنظيم القاعدة” السابق في العراق “ابو مصعب الزرقاوي”. ويبدأ هذا الفصل برواية كابوس شديد الوطأة، حيث يجد نفسه مقيدا في غرفة، والزرقاوي يهم بذبحه، ولكنه يتخلص من الأمر بعد معركة دامية.وفي الحقيقة إن هذا الكابوس لم يأت من فراغ، فبعد أن رصد الامريكيون جائزة مالية تقدر ب25 مليون دولار للاتيان بالزرقاوي حيا أوميتا، سال لعاب المرتزقة العاملين في العراق، وصار كل واحد منهم يحلم بالحصول عليها. ويقول الكاتب ان الجائزة ألهبت خيال المرتزقة، فالذي يقبض عليها يؤمن مستقبلا مريحا، فيللا في الكاريبي ويختاً. ولذا صار جميع المرتزقة معنيين بمطارة هذا الرجل، وأخذوا في تجميع كل ما يتعلق به، من صور وبيانات وتصريحات، وكرس هؤلاء بعض الناس لجمع المعلومات، التي تتقفى اخبار الزرقاوي وخطاه. واصبح في اعتقاد الجميع إن فرصة القاء القبض على الزرقاوي باتت محتملة في يوم من الأيام، إلا إذا حصل ما يعيق ذلك، وتم قتله قبل القبض عليه.ويروي تجربته في هذا المجال، حيث اصابته هو الآخر حمى الزرقاوي، وبدأت حكايته في مطاردة الزرقاوي، بلقاء مع رجل اعمال كردي، كان هو الآخر مشغولا بالقضية، إن “كل العالم يود ان يجد الزرقاوي، وأنا أتساءل كيف يمكن ان يحصل ذلك”.ويعترف رجل الاعمال الكردي ان الامر سوف يكون صعبا بالتأكيد، ولكن هناك شخص يستطيع ان يتدبر الأمر، هو زوج شقيقته، السني والعضو السابق في حزب البعث. وقدم رجل الاعمال الكردي نسيبه على انه يعيش، ويعرف ما يحصل في منطقة “المثلث السني”، وانه يتحرك في اتجاه الشمال الكردي لزيارة زوجته واطفاله، الذين اجلاهم الى هناك بحثا عن الامان، وهو سوف يؤدي هذه الخدمة بسبب حاجته المالية، لأنه يرغب بالهجرة مع عائلته الى السويد او الولايات المتحدة. ويستطيع ان يقوم بهذه المهمة، ويحصل على المعلومات حول الزرقاوي، لأنه عضو سابق في البعث وكان جاسوسا لصدام، ومن ناحية اخرى، هو يساعد الآن الذين يقاتلون الامريكيين في “المثلث” مضطرا الى ذلك، وإلا فإن عائلته سوف تتعرض للأذى.يجري بعد شهر من هذا الحديث ترتيب موعد بين الشخصين، المرتزق البريطاني(جيدس)، والنسيب الذي يدعى زهير. ويتم اللقاء في منطقة معزولة فجرا، ويدور حول توزيع المكافأة وحصة كل طرف منها، فيطالب زهير بالنصف، ولكنه بعد أخذ ورد يعود فيقبل بنسبة 25 في المائة، باعتبار ان دوره لن يتجاوز تقديم المعلومات عن تحركات الزرقاوي، في حين ان الطرف الآخر هو الذي سيقوم بالعمل، وسيظل اسم زهير مغفلا من الذكر. وحين أراد “جيدس” ان يحصل منه على شيء مفيد في هذا اللقاء، لم يعطه شيئا وركب سيارته، وغادر على ان يجري اتصالا حين تتجمع لديه معطيات مفيدة.لكن البريطاني لم يخرج بانطباع مريح عن هذا الشخص، وشك في انه ربما يذهب الآن للقاء اعضاء في “تنظيم القاعدة”، من اجل التفاوض معهم “لاختطافي وبيعي الى الزرقاوي، أو لأحد زملائه”. لكن لم يمض اسبوع حتى اتصل زهير، وطلب ترتيب موعد من اجل مناقشة ضمان امنه الشخصي، والتفاوض حول اقتسام القسم الاكبر من المكافأة. ويقول “جيدس” ولكني قاطعته قائلا” إذا كنت سأراك في المرة القادمة، هي من أجل أن أقتلك”. ويؤكد ان ذلك لم يكن تهديدا بل رسالة، ليفهم منها اني اشك به.ويعترف بأن هذه المحاولة لم تقدمه بوصة واحدة من هدفه في مطاردة الزرقاوي، لذلك تبخرت احلامه بالثروة، ومعه مجموعة من المرتزقة، ولكن الذي لايحاول شيئا، لايكسب شيئا.رغم ان الفشل ينسحب عليه، وعلى بقية المرتزقة فإن هناك من لم يكف عن الحلم بالوصول الى الثروة، ويبتدع وسائل خيالية من اجل ذلك، ومن ذلك ان احدهم اقترح تجريب نظام اتصالات وكشف، من اجل تحديد مكان الزرقاوي. يقوم النظام على زرع شريحة معدنية الكترونية صغيرة، مزودة بنظام تجاوب معلوماتي مع جهاز اتصال، بحيث ترسل هذه الشريحة المعدنية ذبذبات كهربائية تدل على مكان وجودها. وقد اقترح احد المرتزقة البريطانيين زرعها في جسد أحد رجالهم، وارساله في مهمة لتتبع الزرقاوي بحيث يتم اعتقاله، وبالتالي يمكن من خلال ذلك معرفة مكان الزرقاوي. إلا انه تعذر على ما يبدو السير في هذا الاقتراح، خصوصا وانه لم يقم احد بتقديم نفسه ليلعب الدور في رمي نفسه كطعم.ويعلق الكاتب على الخبر الذي اذيع لاحقا، وجاء فيه انه تم توقيف الزرقاوي من طرف الشرطة العراقية، بعد فترة من افلاس كل محاولات المرتزقة للبحث عنه. وقد تم حجزه لليلة كاملة. وفي حين أن العالم كله يعرف صور الزرقاوي وعلامة فقده احد ساقيه خلال القصف الامريكي على مخيمات “القاعدة” في افغانستان، فإن الشرطة العراقية لم تتعرف عليه، وأطلقت في الصباح سراحه.نشرت هذه المعلومة في صيف سنة 2005 بعد توقيف عضو من جهازه، اعترف للقوات الامريكية بذلك. ويقول الكاتب ان الشرطة العراقية حين تمت مراجعتها بالأمر قامت بهز الكتفين، ويعتقد ان المجموعة المناوبة في تلك الليلة، عاشت حالة من تضارب المشاعر بين الحصول على المكافأة، وبين ان تجد افراد عوائلها وقد تمت تصفيتهم، فقررت في نهاية المطاف ان تفرج عن الرجل، بعد أن قدمت له افطارا جيدا.“الخليج” سألت “جيدس” حول معلوماته حول مصرع الزرقاوي، وكيفية وصول الامريكيين الى معرفة مكانه.فقال:الوشاية بسبب المال. واستفسرته “الخليج” إن كان هو شخصيا شارك في العملية، فقال: كنت أتمنى. كما استفسرته حول مدى صدقية الشائعات، التي راجت مؤخرا حول رحيل زعيم “تنظيم القاعدة” أسامة بن لادن. فقال:أرجح انها صحيحة، فالمعلومات تقول انه مريض، ولم يتوفر له سبيل العلاج.
الهول العراقي
ينتقل الكاتب بعد ذلك ليدلي برأيه في تطورات الوضع العراقي منذ الحرب الامريكية البريطانية، واسقاط النظام في سنة ،2003 ويستهل حديثه بجملة سمعها من رجل اعمال كويتي، بعد سقوط النظام مباشرة تقول “من المؤكد ان العراقيين تخلصوا من صدام، وهم الآن احرار لكي يتفاهموا في ما بينهم، وهذا ما سوف يفعلون”. وإذ يوافقه الكاتب الرأي، يقول انا لست مؤرخا، ولا اريد أن اصبح محللا سياسيا. أنا جندي، وكجندي لدي مقاربة براغماتية كليا لما يمكن أن يسفر عنه الوضع. ولذا سأحاول أن اخبركم رأي جندي على الارض، حول الانفجار المسلح القائم في العراق اليوم.وقبل كل شيء يحدد درجة للعنف الحالي في العراق، ويقول انه يفوق بمائة مرة سوءا العنف الذي شهدته ايرلندا الشمالية، خلال الحرب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت. ويبدو له بأنه التطهير العرقي الاكثر هولا مما شهدته يوغسلافيا السابقة. ويقول في يوغسلافيا لم نكن في غالبية الوقت جزءا من اهداف الحرب، لذا فإن تفكيرنا يختلف حين يتوجه الرصاص نحونا. ويجب الاعتراف ايضا بأن العراق كان يقوده النظام السابق نحو الفوضى، لذا لم يكن سوف يغير في الأمر كثيرا، سواء ان نظام صدام تمت اطاحته من طرف ثورة داخلية، او بواسطة تحالف دولي، لأن جذر الفوضى كان قد انزرع في تراب هذا البلد، ولو ان الولايات المتحدة لم تسارع نحو اطاحة النظام، فإن البلد كان سوف ينفجر لأسباب عرقية وطائفية وقبلية.
ويتوصل الكاتب الى استنتاج بوجود تواز معبر بين يوغسلافيا السابقة والعراق. ويعود الى فترة الماريشال تيتو، ويعتبر ان وجوده كان المانع من العودة لكيانات العرقية، وأن سلطته هي التي ابقت على البلد موحدا، لكن هذه الوحدة لم تعش لأسابيع قليلة بعد رحيل الماريشال، وبدأت المشاكل مع تشييع جنازته، حيث طرحت الخلافات العرقية والقبلية والدينية، وظهرت الى السطح، وتطورت الى عدة سنوات من الحرب الأهلية. ويقول ان هناك مقدمات داخلية كثيرة قادت الى انفجار العراق، ومهدت لحرب سنة ،2003 منها تفرد حزب البعث بالسطة، ممارسات صدام الدموية، اعلان الحرب على ايران، احتلال الكويت، ضرب الاكراد بالأسلحة الكيماوية.أما في ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل وطرحها كسبب للحرب من طرف الامريكيين، وثبات خلو العراق منها بعد ذلك، فالكاتب يستند الى معلومات استخباراتية عراقية تقول، ان هذه الاسلحة كانت موجودة، لكنه تم نقلها الى سوريا قبل الاجتياح مباشرة. وفي رأيه ان ذلك سجل نهاية للانفصال بين جناحي البعث في البلدين (!!).ويحاول الكاتب ان يتحدث عن انطلاق اعمال المقاومة العراقية، لكنه لايقدم جديدا عما تم نشره حتى الآن، ويقول انها بدأت بالبعث سنة ،2003 وكان يقودها عزت الدوري، ثم حصل تحالف مع “تنظيم القاعدة”، الذي اعلن عن نفسه من خلال تفجير السفارة الاردنية، ومقر الامم المتحدة.
ويلخص الوضع الحالي اليوم بأنه، باستثناء الشمال حيث يسيطر الاكراد ويسود هدوء نسبي، والمنطقة الخضراء في وسط بغداد حيث مقر الحكومة والبرلمان ومقر القيادة الامريكية، فإن العراق صار كله منطقة حمراء، مع بعض الاختلافات بين الجنوب والغرب مثلا. ويقول انه لم يعد بوسع القوات الامريكية، او بقية قوات التحالف، الدخول او الاقتراب من مدن مثل الرمادي والفلوجة والموصل وتل عفر وتكريت، أي المدن القريبة من الحدود السورية. ويشير الى انه بعيدا عن بعض “الجيوب الجحيمية”، فإنه ليس هناك منطقة من هذه المناطق يمكن اعتبارها آمنة بالنسبة للامريكيين، وحتى الطريق الذي يؤدي الى المنطقة الخضراء، ومطار بغداد الدولي هو على درجة عالية من الخطورة، ويعج بنوعين من العمليات: العبوات المزروعة التي تفجر عن بعد، والسيارات المفخخة. وهناك ضواحٍ في بغداد مثل الدورة والاعظمية والغزالية تشكل اراضي للأعمال المسلحة، كما ان بعض المناطق التي يسيطر عليها البعث مثل الاميرية، تحولت الى مناطق لتجنيد المقاتلين ضد الامريكيين.ويروي الكاتب ان العمليات الانتحارية ادت لوحدها الى مصرع عشرات آلاف العراقيين، ومقارنة بذلك فإن قوات التحالف تعرضت لخسائر أقل.
حكايات الرعب على الطريق إلى الفلوجة والنجف يفرد الكتاب حيزاً واسعاً للفوضى العارمة التي دخل فيها العراق، منذ أن اتخذ الأمريكيون قرار حل الدولة العراقية، ويظهر الكاتب، صعوبة الوضع في ظل الفلتان الامني الذي دفع ثمنه الجميع، بمن فيهم الأمريكيون انفسهم.ويحفل الكتاب بالكثير من المشاهدات والحكايات، بعضها عاشه الكاتب، والبعض الآخر اصدقاؤه، وهي تلتقي عند نقطة أساسية هي حالة الفلتان التي يجتازها العراق، وهذه هي الرسالة الفعلية للحلقة الثالثة من الكتاب، نظراً لما يمكن ان يتركه هذا الوضع الشاذ والخطير الذي يعيشه البلد، بغض النظر عن المستفيد منه اليوم، من آثار سلبية على هذا البلد، ومستقبل التعايش بين سكانه، ونظرتهم إلى العالم الخارجي.
ويروي سلسلة من الحوادث التي يخلص منها إلى ضرورة وضع دليل، وقواعد لتحرك الأجانب في هذا البلد، وكيفية التصرف في كل لحظة، وهو ما قاده لانشاء مؤسسة خاصة في لندن، لتدريب الصحافيين على العمل، في بيئة محفوفة بالمخاطر.يحتل خطف وكراهية الاجانب والعمليات الانتحارية حيزا واسعا، من رصد الكاتب لأجواء الفوضى السائدة، من دون أن يسلط الضوء جديا على معاناة المواطن العراقي العادي، الذي وجد نفسه فجأة وسط هذه المعمعة، التي لم يستعد لها، ولم يكن ينتظرها بعد سنوات الحروب والحصار الطويلة.يروي الكاتب واحدة من قصص الخطف، التي عاشها فريق تلفزيوني بريطاني على طريق الفلوجة، وبرفقته ضابط سابق من الوحدات البريطانية الخاصة “جو”. ويتكون الفريق من ثلاثة صحافيين وسائق اردني، أقلهم من عمان في سيارة رباعية الدفع في اتجاه بغداد.وفي اللحظة التي كانوا فيها يغادرون طريق الجحيم كما يسميه الكاتب، قرب الفلوجة شاهدوا عن بعد “بيك آب” تويوتا ابيض، يتجه بسرعة شديدة نحوهم، ولم يشفع لهم انهم كانوا يسيرون بسرعة 120 كلم في الساعة.وقد ادرك “جو” بحسه العسكري ان المسألة لن تمر بسلام، وماهي إلا دقائق معدودة حتى كانت التويوتا تشهر السلاح في وجوههم. كان على متنها اربعة مسلحين، اثنان من الامام واثنان من الخلف، احدهم مسلح بقاذف للقنابل.لقد كانوا في رحلة صيد “لاصحاب العيون الزرق”، وهاهم يقعون على اربعة منهم، وقد شكلوا صيدا ثمينا لأن الفريق الصحافي قرر ان يتنقل من دون ادنى سلاح، لقد رفضوا حمل حتى مسدس، هذا في الوقت الذي كان فيه ركاب التويوتا مسلحين حتى النواجذ.ويقول الكاتب إن المسؤول الاساسي عن الفريق هو مراسل حربي، لكنه رجل قصير النظر إلى حد كبير، لأنه قبل شروط القناة التلفزيونية التي ارسلته، وألحت عليه بقوة لكي لايسمح بحمل السلاح.ولم يعجب هذا الأمر المرافق “جو”، ولكنه اضطر لقبول الأمر الواقع، الذي يحمل مغريات مالية كبيرة. ويقول إن القاعدة هنا هي: “لا سلاح = المزيد من المال”.وهذا مبدأ ومفتاح عمل بالنسبة للمرتزقة. ويشير إلى ان القناة التلفزيونية كانت مستعدة لدفع تكلفة كبيرة، تصل إلى ثلاثة اضعاف الاسعار العادية في غالب الاحيان، شريطة عدم حمل السلاح. ويبدو الأمر مبرراً بالنسبة للمرتزقة الحصول على التكلفة العالية، لأنها الضمانة الوحيدة للمغامرة بالحياة. ويشرح المسألة من زاوية أخرى، فالجهات الخاطفة تتصرف على النحو التالي، حين تختطف فريقاً صحافياً أو رجال أعمال، تتخلص من المرافق أولاً، وهي هنا تعاقبه لأنه جاء كمرتزق إلى البلد، ومن جهة أخرى تجرد بقية الفريق من اية امكانية للدفاع عن النفس. ومن ثم تتخلص من السائق حين تنتهي مهمته في ايصال الفريق إلى المكان المناسب. وبعد ذلك تحتفظ بالفريق كرهائن، فهو الورقة الرابحة هنا سياسياً ومالياً، لذا تفضل الشركات ومحطات التلفزة ورجال الاعمال، عدم وجود سلاح لأن السلاح يعرض أرواح فريقها لاحتمالات الخطر.في هذا الجو ركزت المجموعة الخاطفة على “جو”، وشرعت في التخلص منه حين عرفت انه هو المرافق والدليل، وبعد أن تأكدت من عدم وجود سلاح بحوزة الفريق. وبالفعل تمت معاملة “جو” على نحو خاص، وهو أدرك ان ذلك سوف يؤدي إلى اعدامه بعد لحظات، لذا صار يحاول كعسكري سابق يتحين لحظة الخلاص، وهو يعرف انها لابد وان تكون موجودة في مكان، وفي لحظة محددة، ولكن عليه أن يلتقطها، وإلا فإنه سوف ينتهي. وهو يعرف ان القاعدة في الوحدات الخاصة هي: “في حالة الأسر يجب اتخاذ المبادرة حين تبدو ممكنة”، وقد لاحت فعلاً حين اقترب منه احد افراد المجموعة الخاطفة، فعاجله “جو” على الفور بضربة، لكن الآخر اطلق النار فأصابه في ذراعه. ولم يمنع ذلك “جو” من مواصلة الهجوم، وتخليص الخاطف من سلاحه، واطلاق النار عليه. وهنا تغيرت المعطيات، فانتقل إلى الهجوم، وتمكن من تفريق شمل المجموعة الخاطفة، فاضطروا امام مقاومته إلى التراجع بعيداً، مما سمح للسائق الأردني والصحافيين من التقاط انفاسهم فلحقوا بمرافقهم، وقرروا الهرب، والرصاص يلعلع قرب آذانهم.
وفي الوقت الذي كان “جو” يلعن اللحظة، التي قبل فيها التحرك من دون سلاح، كان الفريق الصحافي غير مكترث كثيراً بما حدث. فالصحافيون لايشاركون على ما يبدو في مواجهة من هذا القبيل، ويعتبرون ان مهمة تخليصهم من الكمين منوطة بالمرافق، الذي يتوجب عليه أن يتصرف بمفرده. وقد صار “جو” يرفض منذ ذلك الوقت أي عقد لايسمح له بحمل السلاح، فقد اعطاه هذا الحادث درساً حقيقياً.يقول الكاتب ان سيارة التويوتا لم تتركهم بسلام، بل عاودت الهجوم والمطاردة واطلاق النار، واصابت سيارتهم بعدة طلقات، وفي هذه المحنة ولدت معجزة. فقد خطر للسائق الاردني أن يوجه للخاطفين بعض الآيات القرآنية، من خلال مكبر الصوت الموجود على السيارة، والذي هو جزء من نظام “جي إم إس” الخاص بالسيارات، واحدى مزاياه الخاصة بالشرطة، وهي استخدام الميكروفون. وقد استخدمه السائق في هذا الاتجاه، وكان له تأثيره لأن المجموعة ما إن استمعت إلى صوت القرآن، حتى توقفت عن المطاردة وعادت ادراجها.ويهدف الكاتب من ايراد هذه الحادثة التي دارت في “بابل الحديثة” على حد تعبيره، التدليل مرة أخرى على خطورة طريق الفلوجة بغداد من جهة، وبضرورة وضع ارشادات اساسية لكل من يقوم بالسفر إلى العراق للقيام بأعمال من هذا القبيل من جهة ثانية.
لعبة الروليت الروسية
إن أولى الخلاصات والعبر، التي يجب أن تكون ماثلة للعيان هي ان الوضع في العراق، صار يجمع نزاعات اخرى، ولم يعد مقتصرا على طابع النزاع المحلي. وهو أمر يؤدي إلى تشوش الرؤية، والبعض يسمي ذلك ب”ضباب الحرب”.ولكن الكاتب يفضل الحديث عن “احتمالات السوء”. والفكرة الاساسية التي يجب ألا تفارق المسافر إلى هناك هي، يجب عدم ترك النفس عرضة للمفاجأة، التي يخفيها طريق الحرب. وكل نزاع يفقد قوامه الاساسي، وهو يعبر عن نفسه أحياناً من خلال دورات عنف مكثفة، ووحده الحظ الذي يسمح بتجاوزه سليماً معافى. ويضيف، انه مقدر بين الحين والآخر، حصول أشياء غريبة وطريفة، مثل القصص الواردة في الانجيل (المعجزات)، ومثال ذلك حكاية نجاة الفريق بفضل بث آيات قرآنية. ولكن الاكثر أهمية في ذلك هو، انهم كفريق لم يفقد الأمل في النجاة، ولذا استغلوا أول فرصة لاحت لهم من أجل الهرب “من هو الذي يعرف ما الذي سوف يحصل، حين تدخل إلى كازينو الحرب، حيث ان اللعبة الوحيدة المطروحة على الطاولة هي الروليت الروسية، وإذا كنت لاتحب هذه اللعبة لا تضع قدميك هنا، لأنه ليس بوسع أحد أن يضمن لك الخروج سالماً، إلا إذا أراد الكذب عليك”.ويقول لست بحاجة للقراءة في كتاب تعليمي، من أجل تعلم الدروس في العراق، وأحدها يمكن استنباطه من هذه المغامرة. وهو بسيط جداً: كلما اسرعت في اتخاذ المبادرة، كلما كان لديك الحظ في البقاء على قيد الحياة”. ويواصل السرد، كان “جو” يعرف ان هامش المناورة امامه ضيق جداً، ولم يكن امامه سوى بضع ثوان لكي يقيم الفرق، وإلا فإنه كان سوف يعدم فوق احدى الهضاب الرملية. وقد كان يعرف ذلك. وكان يعرف أيضاً انه عليه ان يتحرك من دون تردد، وبلا هوادة.والدرس الآخر، هو انه في وسعك ان تأخذ وقتاً طويلاً أو قصيراً حتى تتحرك، ولكن عليك ان تعلم ان عداد الوقت الخاص بك بدأ، من اللحظة التي وقعت فيها في الخطف. والدرس الرابع هنا، هو في اللحظة التي يبدأ احتجازك فيها يأخذ في الاستمرارية ويطول، فإن كل شيء يصلح كوسيلة للنجاة، حتى رباط الحذاء يمكنه ان يستخدم في شنق الحارس. وعلى المرء ألا يفقد القدرة على الالتفاتة في الوقت المناسب، لقد تحرك “جو” حين بدأ هرمون “الادرينالين” يروي عروقه، وتولد لديه اصرار لا راد له، وقد نجا بمساعدة الآيات القرآنية، التي انطلقت من ميكروفون السائق. وينصح الكاتب: “حين تتاح لكم الفرصة استغلوها”.
والدرس الآخر هو المهم جداً، وهو ان الوضع الذي وجد فيه “جو” يؤكد ضرورة وأهمية معرفة ثقافة الوسط، الذي يتواجد فيه الانسان. ويقول الكاتب، لقد تعلمت بعض الاشارات العربية حين كنت في الوحدات الخاصة البريطانية، لكني قررت أن أعمق معرفتي بالاسلام على ضوء تنوع الاجتهادات في العراق. ولكن الدرس الأهم في نظر الكاتب هو ضرورة اقامة صلات مع الوسط المحيط، وهذا أمر يخفف من حدة مشاعر العداء، ويخلق نوعاً من الطمأنينة، وتتحول العلاقة من عداوة إلى حوار. وحتى إذا كان اهل البلد لايقبلون وجودك بينهم، فهم في هذه الحالة لن يلجأوا إلى الخطف أو القتل من اجل تبليغ الرسالة. فالعلاقة التي سوف تنشأ يمكن ان تسمح بأن يبلغوك موقفهم بوضوح وصراحة. ويلح الكاتب على هذه النقطة، ويقول انه يتوجب على الاجانب اقامة صلات جيدة مع العراقيين حتى الخاطفين منهم، لأن ذلك يمكن أن يجعل ظروف الاختطاف وشروطه أقل وطأة، وقد يحولها من حكم بالاعدام إلى مساومة على الحياة. وإذا تصرف المخطوف على نحو مختلف، يمكنه ان يكسب ود الخاطفين، ويكفي ان يحصل استلطاف من قبل احد الخاطفين، حتى يتحول ذلك إلى سور حماية غير مرئي. ويتحدث هنا عن ظاهرة “اعراض استوكهولم” التي ينشأ بموجبها نوع من التعاطف بين المخطوف والخاطف، ويقدم العديد على الامثلة والحوادث التي نجت بفضلها أرواح بشرية من الموت. ويروي في هذا الاطار تجربة السائق الأمريكي توم هاميلل، الذي استطاع ان يكسب الجولة لصالحه نظراً لحسن تصرفه. وهو يصفه بالرجل المهيب.كان توم يعمل سائق شاحنة في شركة “هاليبورتون” الأمريكية، أي انه مصنف في عداد المرتزقة المدنيين. وقد تم اختطافه قرب تكريت من طرف مجموعة عراقية مسلحة في ابريل/نيسان سنة ،2004 عشية الهجوم على الفلوجة الذي تم بذريعة، اعدام اربعة مرتزقة من شركة “بلاك ووتر”، وهم ضباط سابقون في قوة “دلتا فورس”.لقد تم خطف أربعة اشخاص آخرين برفقة توم قرب تكريت، سرعان ما وجدت جثثهم في البرية، أما هو فلأنه على قدر كبير من الحنكة والتدبير، فقد تم نقله بعد وقت قصير إلى مزرعة بعيدة عن المكان بنحو 60 كلم. وبقي هناك حوالي الشهر، حيث سحرت شخصيته الخاطفين. ولأنه قادر على التدبير، ويجيد العديد من المهن، فقد تمكن من تركيب نظام لتنقية المياه استفادت منه العائلة بالكامل، وقد شكروه على ذلك، واعترفوا له بالجميل. واستغل توم هذا التعاطف ليطلب من خاطفيه تخفيف اجراءات الاحتجاز، والسماح له بالتجول داخل المزرعة، واقنعهم بأنه لن يقوم بالهرب، فهو لا يستطيع ذلك، وأنهم سوف يلحقون به في الصحراء. وهكذا اصبح بوسعه التنقل أكثر، والتزم فعلاً بوعده بعدم الهرب، رغم انه ارسل اكثر من اشارة للطائرات الحوامة العابرة، لكنها لم تلتقطها. ولكن توم وجد ضالة نادرة، وهي انه اكتشف ان خطوط نقل البترول تمر من هناك. وقال انها لابد وأن تكون محروسة على نحو جيد. وبالفعل ما هي إلا أيام حتى عثرت عليه دورية حراسة أمريكية لهذه الخطوط، وكان ذلك مخرجاً رائعاً لتوم الذي لم يكن يحمل سلاحاً، غير هذا السلاح المتواضع وهو شخصيته وجانبه الانساني، الذي يتمتع بحب الحياة.ويستخلص الكاتب من ذلك، انه أمر مهم بالنسبة لكل من يريد ان يقصد العراق وافغانستان بهدف العمل، أن يتبع تدريباً خاصاً، وعلى هذا الاساس اقام مدرسته في لندن، لتدريب الصحافيين على العمل في بيئة معادية ومحفوفة بالمخاطر، وقد خرّج نحو 400 صحافي. ويقول ان التدريب يسمح للشخص المعني بالتعرف إلى الوضع الفعلي على الارض وحقيقته، وهناك موضوع آخر يجب أن يتعلمه هؤلاء، وهو مساعدة الزملاء، وتقديم كافة المفاتيح الممكنة لمساعدتهم للبقاء على قيد الحياة، ويعود للحديث عن ظاهرة حمل السلاح خلال مرافقة الصحافيين ورجال الاعمال، ويقول انها مسألة جيدة، ولكنها تعتمد على الشخص. وسيكون من السوء حمل السلاح من دون إجادة استخدامه.
الطريق جنوباً
يقول الكاتب اسجل هذه الملاحظات، وغالبية الصحافيين الذين يزورون العراق يقومون بريبورتاجات مجتزأة، وهم لايعرفون ابعد من المسافة بين “المنطقة الخضراء” والمطار، ولم يجربوا الذهاب نحو الجنوب مثلاً. وهنا تبدو التجربة مختلفة بالنسبة له وللفرق الصحافية، التي رافقها على طريق الفلوجة. وهنا لا توجد عمليات خطف لكون حساسية الوضع مختلفة، لكن هناك نظرة غير مريحة اتجاه الاجنبي. ويتحدث عن تجربة حرجة عاشها مع فريقه في النجف.ويروي انه ذهب إلى مدينة النجف في أغسطس/آب سنة ،2003 مع فريق تلفزيوني بريطاني من أجل التصوير في ساحة مسجد الامام علي. لقد كانت الحرارة بالنسبة له عالية اكثر من المعتاد، مع ان المدينة تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات. وهي تبعد حوالي 160 كلم عن بغداد. ويجد الكاتب المناسبة هنا لقول كلمة حق عن العراقيين من خلال السائق (الحمداني) الذي رافقهم في هذه الرحلة. “كان الحمداني رجلاً دمثاً وحاراً…كان دائما يأخذني بين ذراعيه، وهو يردد انت مثل ولدي، وحين تكون معي انت عراقي”. ويضيف “لم يكن هذا الرجل يكذب، مثله مثل غالبية العراقيين، لديه قلب كبير طافح بالمشاعر الانسانية، وحين كنا نصادف مشهداً دامياً كان يبدو عليه عميق التأثر والأسى، ويهز رأسه وهو يتمتم: اذن هذه هي الديموقراطية التي وعدونا بها؟”.
كان ذلك اليوم حاراً حتى بالنسبة للحمداني نفسه، وكان فريق التلفزيون الانجليزي يريد التصوير في ساحة مسجد الامام علي، وانجاز ريبورتاج حول “المجلس الاعلى للثورة الاسلامية” الموجود في صورة رئيسية في هذه المنطقة، والذي تتبع ميليشيا “بدر”، وفي المدينة ذاتها هناك “جيش المهدي”.
ويضيف “حين اقول ان الحرارة في النجف كانت استثنائية في ذلك اليوم، فأنا لا أتحدث عن حرارة الطقس فقط، فحين عبرنا المدينة مررنا بجانب مقبرة كبيرة، تقوم فوق مساحة عدة هكتارات”. ويحدثه الحمداني عن تلك المقبرة الكبيرة على انها مقبرة شيعية، واسمها “مدينة الموتى”. وهي تبدو كبيرة لأن طموح الشيعة أن يدفنوا هناك بجوار قبر الامام علي، لذا هم يدفنون موتاهم هنا، ولذا هي تبدو اكبر مقبرة في الكون. ويصف الكاتب مسجد الامام علي، الذي بدا له في الافق شامخاً، يضيء في السماء في انفجار ضوء ذهبي، ملايين من حزم الاشعة الذهبية التي تنعكس من على قبته.ركنوا السيارة على مسافة 800 متر تقريباً، وساروا على الاقدام، وكانت الحوانيت الصغيرة مغلقة، بسبب مناوشات حصلت في اكثر من مكان داخل المدينة في ذلك الصباح، وقد وصل بعضها إلى قرب المسجد. ومنها ان رجلاً فقيراً تمت الوشاية به، على اساس انه جاسوس لفئة عراقية أخرى، فتم ضربه حتى الموت. ويسترسل في وصف وقائع ذلك اليوم”، كان الناس في حالة خوف، لذا قررنا ان نترك السلاح في السيارة، وان نذهب فقط كفريق تصوير. وقد كانت ميلشيات بدر وجيش المهدي في هذا الوقت، لم تدخل في خصومة جدية، ولم تعلن عنها منظمات مسلحة، وكان دورها يقتصر على حماية النظام، والعمل من اجل الصالح العام”. ويقول تركنا السلاح في السيارة لأنه بعد عدة ايام من النقاش مع آية الله محمد باقر الحكيم، سمح لنا بالتصوير في منطقة المسجد، وكنا بمعنى من المعاني ضيوفه. واصلنا التقدم، وقد بدأنا نلفت انتباه الناس بسبب ملابس المصور، الذي طلبنا منه ان يرتدي ملابس ملونة، لكي يتوافق مع الفكرة الشائعة عن رجال السينما، وسرنا عملاً بالمثل الذي يقول “إذا لم تستطع مواجهة الذات ضع قبعة تثير السخرية”.ويقول “ما ان بدأنا نقترب من المسجد حتى صرنا ننخرط في زحمة الحشود البشرية، التي هي رجالية حصرياً. وهنا صارت العيون تتجه نحونا شيئاً فشيئاً، وكان الكثير منها محملاً بنظرات عدوانية، ومليئاً بالاستغراب لرؤية فريق تلفزيوني غربي في هذه الساعة، وفي هذا المكان. لكن ذلك لم يمنع من مواصلة التصوير حتى حرم المسجد، حين حضر ممثل آية الله للقائنا، وهو يحمل لنا موافقة خطية مكتوبة للتصوير في هذا المكان المقدس. وقد حملت المذكرة الموافقة على الدخول والتصوير في الساحة الداخلية، الكائنة مقابل الاعمدة حيث يرقد ضريح الامام علي. وقد كانت هذه الساحة محتشدة لأننا وصلنا في لحظة الصلاة. ولكن ما هي إلا لحظات حتى شعرنا بأن الجو قد بدأ يتكهرب واننا لسنا محل ترحيب، فبرغم الموافقة الخطية، بدأت تحيط بنا دوائر من المصلين المحتشدين، وأخذت تسمعنا كلاماً قاسياً. وفي هذا الوقت كانت مهمتنا قد شارفت على النهاية، فقررت أن ننسحب قبل ان يتطور الموقف على نحو سيىء، لكن المصور أصر على أن يصعد إلى مسافة طابقين في البناء المجاور، لكي يتمكن من تصوير المصلين من زاوية عالية. هي لقطة فنية جميلة، ولكني شعرت أنها زائدة عن الحاجة بسبب ما صار الموقف يأخذه من اتجاه تصاعدي. ومع ذلك استطعنا ان نستخدم الموافقة للصعود إلى المبنى المجاور”.
ويضيف “حين تمت العملية، وبدأنا الخروج وجدنا امامنا سداً من الرجال الغاضبين، الذين تم تحريضهم من طرف رجال الدين، فقد كنا بالنسبة لهم كفاراً، ونمثل في نظرهم قوة الاضطهاد. ومهما يكن من أمر فليس امامنا سوى 800 متر، علينا ان نقطعها، ومن بعدها نصبح في أمان، لكن هؤلاء الرجال لم يترددوا في حصارنا وشتمنا، وبعضهم ممن يتحدث الانجليزية قال “ليس مسموحاً لكم ان تكونوا هنا، عودوا إلى بلادكم”، وقام آخر بسؤالنا سؤالاً تكلف الاجابة عنه تمزيقنا ارباً: هل انتم أمريكيون؟. ظللنا نردد بدون توقف: لانحن انجليز، نحن بريطانيون. وكان جواب البعض نحن نحب البريطانيين، لكن ذلك لم يفتح امامنا طريق الخروج. وخوفاً من أن يتطور المشهد اكثر ويأخذ اتجاهاً آخر، طلبنا من نجل الحمداني ان يلتحق بوالده ويطلب منه تحضير السيارة في اتجاه الانطلاق، فلقد كانت الامتار الخمسين الأخيرة متوترة فعلاً، وقد قطعناها على اصداء اناشيد وهتافات ضد التحالف.. صحيح ان معرفتي بالعربية ضعيفة، لكنني التقطت الرسالة، فقد كان يتردد اسما بلير وبوش طوال الوقت، وفي شكل منتظم. إن هذا النوع من الهتافات يذكي المشاعر، ويدفع الجموع إلى القيام بردود افعال غير محسوبة احياناً. ولذا طلبت من الفريق ان نحث الخطى. وحين وصلنا السيارة ارتمى الصحافيون في داخلها، وبدوري قفزت واغلقت الباب من خلفي. في هذه اللحظة بالذات سمعت اربعة انفجارات متتالية، أثارت كمية كبيرة من الغبار، وأدت إلى تطاير الشظايا والحجارة حتى الطريق العام بقربنا. لقد وقعت غير بعيد عن المكان، الذي كنا نقوم بالتصوير فيه بجانب المسجد”.ويواصل نقل وقائع هذه اللحظات الصعبة “طلبت من الحمداني ان ينطلق بسرعة. فقال انه لايستطيع لأن الطريق كانت مغلقة امامه. وبالفعل لقد قامت سيارتا رانج روفر سوداء، على متنهما عدد كبير من المسلحين الذين يرتدون ألبسة سوداء علامة “جيش المهدي”.بقينا على هذا الحال فترة من الزمن ونحن نحس اننا قد لا نخرج احياء، من هذا الطريق المسدود حتى وجد الحمداني منفذاً جانبياً، فانطلق كالصاروخ”.ويختتم رواية هذه الرحلة بالحديث عن الانفجار، الذي حصل بعد يومين “تحت الشرفة التي أصر مصورنا ان يصور الصلاة من مكان مرتفع، فأخذ معه آية الله الحكيم و142 آخرين إلى مدينة الموتى”. ويضيف: أما من طرفنا فقد خرجنا احياء، لكن الحمداني ظل يردد “هل هذه هي الديموقراطية الجديدة التي وعدونا بها؟”.هناك حكايات كثيرة ما بين دفتي الكتاب هي غاية في التشويق، وهو يعد شهادة على درجة كبيرة من الأهمية، عن وضع العراق اليوم، تأتي من طرف عسكري بريطاني سابق، ذهب إلى هناك ليعمل كمرتزق، لكن المأساة الكبيرة التي ألمت بالشعب العراقي، دفعته لكتابة هذه الشهادة. وحين سألته في باريس، لماذا قرر ان يدلي بهذه الشهادة، قال لكي يعرف العالم إن العراقيين يعيشون جحيما لايطاق، ولا أحد يريد أن يلتفت إليهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتاب وتعليق | السمات:كتاب وتعليق
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























