الأمة العربية موجود في كلّ مكان يحمل فيه أفرادها الســـــــــــلاح

 


القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق

قراءة في كتاب : طريق الجحيم العراقي - الجزء الأول

كتبهاعزالدين القوطالي ، في 3 ديسمبر 2008 الساعة: 00:11 ص

 

162kit

 

 

طريق الجحيم العراقي..

تجربة مرتزق بريطاني     

 

 

تأليف: جان جيدس   

ترجمة وعرض: بشير البكر

 

الجزء الأول

 

 

ذهب جان جيدس الى العراق سنة 2003 ليعمل كمرتزق، مسلحا بخبرته كعضو سابق في القوات الجوية الخاصة البريطانية (مظلي) المكلفة بمكافحة الإرهاب، بعد أن خاض عدة حروب كعسكري نظامي وكمرتزق، في اماكن مختلفة من العالم، من ايرلندا الشمالية حتى البوسنة. في هذا الكتاب (طريق الجحيم العراقي)، الذي صدر بالانجليزية والفرنسية (الطبعة الفرنسية عن دار موفي بلانيت)، قام بتسجيل تجربته كأحد أفراد جيش المرتزقة في العراق، الذي بلغ تعداده خمسين ألفا، حيث ينضوي في إطار شركات أمنية خاصة بلغ تعدادها مؤخرا 180 شركة، تأتي على رأسها شركة قريبة من أوساط الادارة الأمريكية. يطل الكتاب في صورة تفصيلية على الوضع الأمني، وانطلاق أعمال المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي، ولكنه يتعرض أيضاً الى الاقتتال الأهلي، الذي سقط من جرائه اضعاف ما ألحقت المقاومة بقوات الاحتلال الاجنبية.

يشكل هذا الكتاب شهادة على عراق اليوم، الذي أنهكته سنوات الاحتلال، ويعكس على نحو خاص انحطاط السلوكيات الأمريكية تجاه الشعب العراقي، ويحفل بالكثير من التفاصيل المثيرة التي رشحته للتحول الى مسلسل تلفزيوني. يبدأ الكتاب بمشهد إثارة على الطريقة الأمريكية، ينقل فيه “جيدس” واحدة من عمليات المطاردة، التي تعرض لها مع فريق صحافي بريطاني، كان يرافقه من عمان الى بغداد. ويصف لحظات الرعب التي عاشوها على طريق الرمادي  الفلوجة، جراء ملاحقة ما يصفهم ب”قطاع الطرق”، الذين تخصصوا في سلب الاجانب وخصوصا الصحافيين ورجال الأعمال. ولكنه في الحقيقة، يتبين من خلال فصول لاحقة في الكتاب، وفي لقاء تم معه في باريس قدم خلاله الكتاب في السابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، في “نادي الصحافة الأجنبية”، انه يستخدم هذا التعبير لوصف المقاومين العراقيين.

                    جيوش المرتزقة تدفقت إلى العراق بعد الحرب مباشرة

يخصص “جيدس” قسما خاصا بطريق الفلوجة، والمخاطر التي مثلها بالنسبة للقوات الأمريكية، ويعود الى تحليل واقعة تصفية أربعة أمريكيين على هذا الطريق وإحراق جثثهم، وهو الذي دفع القيادة العسكرية الأمريكية، الى اتخاذ قرار شن الهجوم الشهير على الفلوجة. ويكشف ان الأمريكيين الأربعة، هم من المرتزقة الذين يعملون مع شركة “بلاك ووتر” للأمن الخاص، لكنهم عسكريون قدامى من قوة التدخل السريع الشهيرة “دلتا فورس”. وقد نفى الأمريكيون في حينه أن يكونوا من المرتزقة، وقالوا إنهم عبارة عن رجال اعمال. يلمح في زحام السير سيارة “بي إم دبليو” (شبح) من السلسلة السابعة، على متنها خمسة مسلحين، وهي تحاول أن تشق لنفسها طريقا بالقوة. وما هي إلا دقائق حتى تصبح هذه السيارة بمحاذاة سيارتهم الرباعية الدفع، وتظهر الأسلحة الرشاشة والملامح القاسية، رغم ان أولئك الرجال يلفون رؤوسهم ووجوهم بكوفيات، ينظرون بصرامة وتحد وغضب. نظرة رعب وحقد. يدرك “جيدس” بحسه الغريزي وتجربته كعسكري سابق ماذا سيحدث بعد دقائق، لأن السيارة الأخرى تبدأ بالاقتراب والسير خلفهم، ثم تضبط حركة سرعتها على سرعتهم. ومثله لاحظ السائق الأردني احمد، لذا بدأ العرق يتصبب منه. يقول “جيدس” عن نفسه إنه بعد أن ترك الخدمة العسكرية صار يؤجر خدماته، وهو في العراق يعمل كمرتزق، وهذه واحدة من الرحلات التي يقوم بها وهي تشمل مرافقة فريق صحافي تلفزيوني بريطاني، من عمان الى بغداد. وفي لقاء سريع ل”الخليج” معه في باريس اعتبر ان هذه المهنة(مرتزق) مشروعة، طالما أن قانون البلد الذي ينتمي إليه المرتزق يجيزها. هي مهمة ليست بالسهلة بل صعبة جدا في جميع المقاييس، من الناحية الجغرافية الطريق قاحلة ووعرة، لكن الخطر الاساسي فيها هو الجانب الأمني، حيث لاسلطة إلا نقاط جمارك أردنية عراقية  أمريكية على الحدود، وما عدا ذلك من الحدود الى بغداد على كل شخص أن يتدبر نفسه. ويقول في الكتاب، أشعر أن هؤلاء الصحافيين امانة عندي، لذلك اقوم بتفقد كل شيء من الماء في السيارة الى الوقود والدواليب… الخ. “وإن كنت بقيت حيا حتى الآن، فلأني أثابر على القيام بهذا العمل من دون انقطاع”. ويوضح انه يشرح للصحافيين كيفية التصرف إزاء كل حالة من الحالات، من حادث السير العادي الى كمين. “أقول انتبهوا لن تكون هناك استراحة على الطريق”. لقد انتهت مسألة التوقف على الطريق العام للاستراحة، منذ ان توقف فريق من قناة ال”سي إن إن” لتناول القهوة، فتم التعليم عليهم من طرف مجموعة من المسلحين الذين طاردوهم على الفور، وقد قتل السائق وهرب الفريق بأعجوبة. ويشرح حالة ومعاناة السائقين الأردنيين، الذين يعملون على هذا الطريق بالانطلاق من حالة السائق الذي يرافقه في هذه الرحلة، أحمد رب العائلة الفقير. ويقول عنه “هو إما فقير جدا أو شجاع جدا، وأعتقد أنه الاثنان معا”، هو يقوم بهذه المغامرة، ويعرف أنه لو وقع في يد قطاع الطرق فإنه لن ينجو، إنهم يقتلون السائقين الأردنيين، لأنهم من دون ثمن في سوق الخطف، ويعتبرونهم يتعاونون مع الاحتلال.

وينقل بعض تفاصيل عملية المطاردة، التي تتم على الطريق بين الرمادي والفلوجة الذي “تنشط عليه عصابات منظمة تصطاد الاغنياء العراقيين، والسياح الكويتين، والصحافيين الاجانب”. ويقول، إن هذا الطريق اصبح يعتبر الأخطر في العالم، ويطلق عليه “طريق الجحيم”. وهو يستخدم مصطلح طريق بالإنجليزية والفرنسية بمعنى انه ممر اجباري نحو الجحيم، لا يستطيع أحد ان يتوقف في منتصفه أو ينعطف يسارا أو يمينا، إن من يسلكه مجبر على الذهاب نحو محطة النهاية. ويضيف تبعتنا سيارة “البي إم دبليو”، وصارت تسير على وتيرة سرعتنا، وهو ما يسميه العسكريون “اشارة حرب”. ولكني لم أكن بحاجة لإشارة حرب لكي أفهم ما يحصل، وقد توقعت أننا سوف نواجه هذا الموقف منذ شاهدت هذه السيارة تشق طريقها في زحمة السير. وبعد مطارة تحاول السيارة “الشبح” إجبارهم على التوقف، من خلال إطلاق رشقات نارية عدة أمام سيارتهم، ومن ثم تحاول أن تدفعهم الى جانب الطريق. وهنا يقوم “جيدس” بممارسة مهمته الحرجة، وهي استخدام السلاح للدفاع عن الفريق الذي يرافقه، فيقوم بحركة تذكر بالأفلام الأمريكية أيضاً، حيث يوجه رشقة من رشاشه للسيارة المطاردة تؤدي الى إعطاب محركها، الذي يبدأ الدخان بالتصاعد منه. بعد كيلومترات عدة يصل الموكب الى الفلوجة، فيحيي فريقه بالقول، اهلا بكم في الفلوجة. لكنه لايسمع ردا، فقد كانت الوجوه ممتقعة، ولم ينبس اعضاء الفريق بكلمة حتى وصلوا الى بغداد.

يشرح “جيدس” نقطة تتعلق بهؤلاء المرتزقة الذين يعملون على خط الأردن، وهي مسألة السلاح الذي يمنع حمله على الأراضي الأردنية من جهة، ولا يمكنهم العمل من دونه على الأراضي العراقية من جهة ثانية. وبالتالي كان لا بد من البحث عن آلية لحفظه في منطقة على الحدود. وهو يقول كان بعض المرتزقة يقومون بدفنه في مناطق معينة، لكن ذلك ليس سليما من الناحية الأمنية، وهو معرض للسرقة أو للتفخيخ من قبل “الأعداء”. ولكون هذه الطريقة محفوفة بالمخاطر فإنه توصل بجهد شخصي للتفاهم مع نقطة الحدود الأمريكية، التي قبلت الاحتفاظ بالسلاح، الذي يجري استرداده وفق إيصالات رسمية لدى كل رحلة عودة للعراق. وكانت هذه مناسبة للتعاون مع الأمريكيين وتبادل المعلومات معهم، حول مخاطر الطريق وانتشار قطاع الطرق، ولكن الأمريكيين لايعلمون بما يحصل على الطريق حتى بغداد، وكانوا “يودون الاستماع الى معلوماتنا لأن معلومة قد تنقذ حياة إنسان”. وفي كل مرة يتسلم سلاحه المكون من: كلاشينكوف من أحدث طراز، والى جانبه ستة مخازن ذخيرة، كل مخزن مزود ب30 طلقة. مسدس غلوك ومعه اربعة مخازن ذخيرة، وكل مخزن مزود ب12 طلقة. قنبلتان يدويتان عاديتان، وقنبلة فوسفورية.

ويتطرق الى موقف الصحافيين الذين يقومون بنقلهم من عمان الى بغداد، ويقولون انهم على العموم يعارضون وجود السلاح على متن حافلة الرحلة، ويفضلوننا من دون سلاح. ورغم ان مهمة هذا الشخص هي حمايتهم من “قطاع الطرق”، فإنهم لا يرون الخطورة نفسها، وغالبا ماكانوا يتساءلون، وماذا سيحدث لو أن “قطاع الطرق” تعرضوا لنا؟ هم لن يقتلونا في كل الاحوال، بينما استخدام السلاح، قد يؤدي الى هكذا نتيجة. ويقول اننا كنا نمضي وقتا في الجدل حول هذه النقطة، وكنت أقول لهم دائما إن الزرقاوي زعيم “تنظيم القاعدة” في العراق، لا يفرق بين الخط التحريري لهذه القناة اوتلك، بل تهمه الصحافة فقط.

وعلى عكس الصحافيين البريطانيين، يتفهم الصحافيون الأمريكيون طبيعة المنطقة، ويطالبون بوجود قوة نارية كافية للرد على “قطاع الطرق”، ويلحون على تسليح القوافل جيدا لكي تستطيع الدفاع عن نفسها، الى حين وصول النجدات. ويقول اننا قد نأخذ عليهم مبالغتم، لكنه لا يمكن التجول في العراق من دون سلاح. وفي فصل معنون ب”حدث مفاجئ” يروي “جيدس” بداية رحلته الى العراق، ودخوله الى هناك لأول مرة عن طريق الكويت برفقة 34 شخصا كلهم من المرتزقة، وكلهم من قدامى القوات الخاصة البريطانية. ويقول “نحن شكلنا طليعة الجيش الخاص الذي سيأتي لاحقا، نحن المرتزقة الأوائل الذين دخلنا العراق من بعد حرب. كنا نعتقد انها كانت حاسمة… بعد بضعة أيام من وقف إطلاق النار، وجدنا انفسنا نسافر على متن قافلة من سبع سيارات عادية من دون أية حماية أو سلاح. ولم نكن بحاجة الى السلاح لأننا لم نكن نحس بالخطر”.ويروي بعض الانطباعات الاولى، التي تولدت لديه وهو يلتقي العراقيين وجها لوجه في الايام الاولى لنهاية الحرب، فوجدهم تحت صدمة القصف، وآثار الحصار بادية في نظراتهم الفارغة. وتولدت لديه قناعة بأنه اذا كان سيحصل شيء في المستقبل، فسوف يأتي من الجيش القديم مثل الحرس الجمهوري أو من فدائيي صدام، فهذان تمت تربيتهما على اساس عقائدي، ليكون المنتسبون جاهزين للتضحية بالنفس. والانطباع الصارخ اكثر من غيره هو أن الناس كانوا منشغلين بحل مشاكلهم الحياتية، ولم تكن الديمقراطية أولوية بالنسبة لهم. ويوضح طابع المهمة التي ذهب من أجلها “لقد تم تجنيدنا كمرتزقة من طرف مؤسسة أمنية مهمة من أجل رسم لوحة للموقف في العراق”. وهذا يعني انه كان علينا أن نتفرق داخل البلد من أجل معاينة وضعية وحالة المنشآت الاستراتيجية: حقول البترول، مداخل المدن مثل بغداد. وعلينا أن نقدم وجهة نظرنا حول مدى الاستقرار، واحتمالات التهديد لجيش المهندسين، ورجال الأعمال الذين سيقومون قريبا بالتجوال في العراق، ضمن إطار عقود إعادة الإعمار المرصود لها مليارات عدة من الدولارات من قبل الولايات المتحدة. ويشير الى انهم لم يكونوا الوحيدين، بل كانت هناك فرق أخرى: فريق من مؤسسة بلاك ووتر الأمريكية، وصل في الفترة نفسها التي وصلنا فيها، وهذه واحدة من أهم المؤسسات العسكرية الأمنية الخاصة في العالم، وهي مملوكة من طرف شركة “هاليبورتون” للخدمات النفطية التي كان يديرها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني (1995-2000)، وكانوا قد وقعوا عدة عقود لحماية المسؤولين الرسميين الأمريكيين التابعين الى وزارة الخارجية في العراق وافغانستان، الأمر الذي يمنحها حق التواجد والعمل، حيث يوجد الجيش الأمريكي في العالم. ويشرح انه ومجموعته وصلوا وأياديهم فارغة، فسكنوا في بيوت خشبية في باحة احد قصور عدي. ويروي قصة حصولهم على السلاح مجانا، من المستودعات العسكرية العراقية، التي استولت عليها القوات الأمريكية في المطار، الذي حوله الأمريكيون الى قلعة يتواجد فيه 12 الف جندي. ويصفه بأنه اصبح مخيما عسكريا أمريكيا من الطراز الرفيع، تتوافر فيه كل اسباب الراحة والرفاهية للجنود، من الاسرة المريحة والماء الساخن والمراقص الليلية والسوق الحرة ومركز تسوق كبير. ويقول إن مخازن السلاح التي خلفها العراقيون كانت في حالة جيدة، تتكدس فيها شتى أنواع الاسلحة الحديثة، وقد فتحها لهم الأمريكيون ليأخذوا منها ما يحتاجون، فملأوا حمولة عربات عدة من الرشاشات والمسدسات والقنابل وقاذفات القنابل… إلخ. ويلاحظ بعد اسبوعين من وصولهم، بداية خسائر القوات الأمريكية على المستوى البشري. ويقول إن هذه الخسائر تنامت بسرعة وتجاوزت بسرعة شديدة القتيل في الأسبوع الواحد. ويحكم من خلال تجربته في ايرلندا الشمالية والبلقان، بأن السوء لن يتأخر في الوصول. وشيئا فشيئا صارت تحصل حوادث في شوارع بغداد. ويصف سلوك الجنود الأمريكيين بالغريب، فهم كان لديهم الحق في التجول بثياب عسكرية على نحو جزئي، لكن تراهم وهم يلتقطون الصور أمام تماثيل صدام المحطمة أو في قصوره القديمة، تحت النظرات الفارغة لشعب مايزال تحت صدمة القصف. ويستشهد بالاستقبال العدائي الذي لقيه الألمان حين نزلوا الشانزليزيه عندما احتلوا باريس. ويؤكد ان المؤشرات الخطيرة بدأت تبرز، ومن ذلك أن جنديا أمريكيا قتل بطلقة في الرأس، امسك به عراقي ووضع المسدس في رأسه واطلق النار.. ويقول انجزنا المهمة التي قدمنا من أجلها خلال ستة اسابيع، ولكن المؤسسة التي اوفدتنا فقدت العقد لصالح مؤسسة أمريكية لأسباب سياسة، فانتقل الفريق الى ملكية مؤسسة اخرى، وبسرعة تمت اعادته الى الكويت. ويصف المجموعة الجديدة التي حلت مكانهم بأنهم عبارة عن عسكريين أمريكيين في الاربعينات، يبدون في حال مزرية على الصعيد المهني، وقد صاروا خارج الجاهزية منذ زمن طويل، ولم يقابل الواحد منهم جنديا منذ عدة سنوات. كانت غالبيتهم تعمل كحرس للمراقص والبارات. بعد نهاية هذه المهمة عاد الى العراق ليرافق فريقا تلفزيونيا بريطانيا، ويقول انه عمل على هذا النحو لمدة سنة ونصف السنة، وسمح له ذلك بالتنقل في كافة ارجاء العراق. وخرج بانطباع اساسي، وهو ان جميع العراقيين الذين قابلهم يريدون ان يعيشوا حياة عادية، لكنه توصل الى قناعة بأن العاصفة التي سوف تضرب العراق لن تتأخر، وانها سوف تكون عنيفة جدا، ولكن مالم نكن نتوقع حجمه هو الاعداد الكبيرة من المرتزقة التي بدأت تغزو العراق. وبرر في لقاء مع “الخليج” تدفق المرتزقة بأنه من أجل كسب المال، وقال ان المرتزق العادي يتلقى في اليوم مرتبا يصل حتى 300 جنيه استرليني، في حين يكلف الجندي العادي حوالي 400 جنيه استرليني، لذلك فضلت الولايات المتحدة الاستعانة بالمرتزقة. ويشرح ان مخاوف الحرب العالمية الثانية، ومن ثم الحرب الباردة لم تتركا مكانا لنشوء جيوش من المرتزقة، لكن التحديات الجديدة، ولدت هذه المهنة في بريطانيا وجنوب إفريقيا، وقد انشأت أول شركة لتقديم خدمات في هذا الاتجاه من طرف عضو سابق في الفرقة البريطانية الخاصة “جيم جونسون”. وكان زبائنه في البداية من شخصيات سياسية وتجارية دولية، وكان العمل يقتصر على توفير الحماية وتدريب الحراسات الخاصة. لقد حرض على تنشيط هذه المهنة التنافس بين الشركات الخاصة، وسرعان ما انتقل عمل هذه الشركات من الحماية والمهمات الأمنية الخاصة، إلى المشاركة في النزاعات والحروب مثل انغولا وزائير. ويقول إن ذلك فتح عيون الأمريكيين الذين بدأوا في تأسيس شركات أمن خاصة، وكانت اهمها “كي بي إر” المملوكة من طرف “هليبورتون” منذ سنة ،1962 ولكنها نوعت نشاطها منذ سنة ،1980 وقد تطور هذا السوق من خلال اقامة علاقات بأجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). ويرى ان فقدان ملايين من الجنود ورجال الأمن عملهم بعد سقوط جدار برلين، أسهم في تشكيل هذه الشركات التي وصل عددها الى حوالي 900 شركة، وتصل موازناتها الى مليارات الدولارات. وتوجد ثلاثة انواع من الشركات: الاولى، هي التي تقدم جنودا للحرب. والثانية، التي تقدم جنرالات قدامى كمستشارين للشؤون العسكرية والسياسية للدول. والثالثة، الشركات العسكرية المتخصصة باللوجستيك، والتي تقدم كل ما يلزم حتى آخر خط في جبهة القتال، من المعدات العسكرية حتى الطعام، وصيانة الطائرات الحوامة والمقاتلة.

ويكشف انه في سنة 2005 وصل عدد المرتزقة في العراق الى 30 ألفاً، يعملون كجنود قطاع خاص، وهناك مثلهم يعملون في مهن اخرى مثل الطبخ والسياقة والذين لقي العديد منهم مصرعهم، وقد سقط حوالي مائة سائق في انفجار شاحناتهم أو في كمائن نصبها لهم “قطاع الطرق”. وتعتمد شبكات اللوجستيك على تشغيل مواطني البلدان الفقيرة، مثل الفلبين والباكستان وتركيا بسبب رخص اليد العاملة. وفي المقابل تقدم هذه الشركات خبراء ميكانيكيين قادرين على صيانة الدبابات والطائرات، كما تقوم بتأجير الطائرات من دون طيار، التي تقدم خدمات تجسسية وتصور المناطق التي تحلق فوقها. ويقول إن سجن “ابوغريب” كان يدار من قبل شركة أمنية خاصة، ومن عناصرها من خضع للتحقيق بسبب استخدام التعذيب والمعاملة السيئة للسجناء خلال التحقيق. ومع ذلك استحسن البعض عدم توقيف مرتزقة في هذه المسألة، التي يتحمل مسؤوليتها الجنود النظاميون. ويؤكد ان اللاعبين الاساسيين في هذا السوق هي الشركات الأمريكية الكبرى ( كي بي إر، بلاك ووتر، دين كورب)، وهي قادرة على تقديم عاملين على خطوط الجبهات الامامية والخلفية، وذلك لأن الجيش الأمريكي هو الزبون الأهم في العالم. وخلال حرب الخليج الثانية قامت شركات اللوجستيك بتحصيل مبالغ مالية كبيرة، نظرا لتوظيفها ما يعادل واحداً في المائة من القوة العسكرية الأمريكية. ولكن ذلك لايعني الكثير بالمقارنة مع ما يحصلون عليه اليوم، وهو ثلث موازنة الجيش الأمريكي في العراق والبالغة 30 مليار دولار سنويا، حيث يشغلون 10 في المائة من القوة العسكرية الأمريكية، أي مرتزق واحد لكل عشرة جنود. وتعد “كي بي إر” الاكثر اهمية من بين شركات اللوجستيك في العراق، وهي تشغل نحو 50 الف مرتزق في البلد، بعضهم مسلح ومقاتل، لكن الاغلبية في مجال الخدمات كالطبخ والسياقة والميكانيك والتموين. ولدى هذه الشركة عقد مع “البنتاجون” يصل الى 11،84 (احد عشر) مليار دولار. وحسب رأي “جيدس” فإنه لم يبق في هذه الحالة مكان للشركات البريطانية مثل “ايريني”، التي تتولى نقل وتوزيع العملة العراقية على البنوك، وتقوم بتأمين الحماية لحقول النفط. وقد وصل عدد العاملين في الشركات الأمنية البريطانية في العراق لسنة 2005 حوالي 14 ألف شخصا، بعقود يبلغ مجموعها 100 مليون دولار. وحسب رأيه هي على قدر كبير من الفعالية، ويضرب مثالا على ذلك شركة “جلوبال استراتيجي” التي قامت في سبتمبر/ أيلول 2005 بإيقاف مطار بغداد عن العمل، لأن الحكومة العراقية تأخرت عن الدفع لمدة سبعة اشهر، مقابل ضمان هذه الشركة لأمن المطار. ويقول ان البرلمان العراقي اضطر للتصويت على قانون، يجيز لشركات اللوجستيك هذه حمل السلاح، وذلك ضمن اتجاه لإعطاء مشروعية اكبر لها. ويترجم الوزن الفعلي لها، من خلال حجم الخدمات التي تقدمها للولايات المتحدة، لكنها سمحت في نفس الوقت للمرتزقة بعد عدة قرون بالخروج من الظل. ويركز على نقطة مهمة تتعلق ببنية القوة المقاتلة بين هؤلاء المرتزقة، فغالبيتهم من البيض والعنصريين، الذين يتمتعون بكراهية لاتقدر للأجناس الأخرى، وهم فخورون جدا بلون بشرتهم، وغالبيتهم يتحدرون من جنوب إفريقيا، وسبق لهم ان شاركوا في حروب القارة الإفريقية ضد السود. ويقول وهو الذي يعود اصله الى جنوب إفريقيا(مواليد زيمبابوي)، اني لا افضل العمل اطلاقا مع المتحدرين من جنوب إفريقيا، لأن غالبية من يمارسون هذه المهنة من بين هؤلاء، هم من أنصار التمييز العنصري القدامى، وكانوا في اجهزة الشرطة والأمن والمنظمات المختصة بتصفية المعارضة السوداء جسديا. ويؤكد بأن جنوب إفريقيا هي المصدر الاساسي للمرتزقة، وقد وصل الأمر أن سلطات جنوب إفريقيا هددت في 2005 بمصادرة طائرة كل مواطن، يقوم بعمليات عسكرية في العراق.وكان البرلمان قد صوت سنة 1998 على قانون يمنع مواطني البلد التدخل في النزاعات الداخلية في البلدان الأخرى، وتمت مراجعة هذا القانون سنة 2004 على ضوء العدد الكبير لمواطني هذا البلد الذين يعملون كمرتزقة في العراق.ويشير الى أن قدامى القوات البريطانية الخاصة تدخلوا نسبيا في العراق، وهم يقومون اليوم بإدارة العمليات من بغداد اكثر من مرافقة القوافل يوميا، ولكن يحدث ان يغادروا مكاتبهم احيانا لتقديم الاسناد في حالات الخطر.ويتطرق الى نقطة مهمة اخرى، ويقول لقد أصبحت أنا وزميلي “جي بي” عملة نادرة في العراق، حيث نمتلك ثلاث سنوات من الخبرة الميدانية، والممارسة الخالية من العيوب والأخطاء. ويؤكد هنا بأن ليس كل المرتزقة في العراق هم جنود قدامى، بل هناك ممن لم يعرفوا الحرب. وكل ما في الأمر هو انهم لبّوا نداء شركات الخدمات الأمنية، التي تبحث عن موظفين للعمل ضمن شروط خاصة، وعادة ما يقوم هؤلاء بنفخ ملفات ترشيحهم التي لا تخضع عادة للتدقيق. ويقول إن هناك في العراق اليوم جيش من المرتزقة، وصل تعداده في الصيف الماضي الى 50 ألفا. إنه جيش احتلال جديد، يفوق مرات عدة القوات البريطانية التي يبلغ تعدادها 8500 جندي. وهو جيش من الرجال والنساء، اللاتي تكسب بعضهن في اليوم الواحد حتى حدود 800 يورو، من خلال تقديم خدمات لرجال الاعمال، أو القيام بأعمال هندسية أو علمية أو انسانية. يشكل هؤلاء أكبر جيش من المرتزقة منذ قرن: منذ الحملة البريطانية على الهند حين اطلق النداء للمرتزقة من أجل اطاحة المهراجات، ومنذ قام الملك جورج باستئجار جنود ألمان لمواجهة جورج واشنطن، ومنذ أن صار يطلق لقب مرتزق، أو كلب الحرب، ولكنهم ليسوا اكثر من متعاقدين مع شركات اللوجستيك، مصطلح جديد سليم من الناحية السياسية، جاء ليغني قاموس الحرب. هم جاؤوا من كل مكان، امريكا، بريطانيا، استراليا، كندا، نيوزيلندا، جبال الهيملايا، ومن سيرلانكا، الاخصائيون في محاربة نمور التاميل. ليس لهؤلاء ايديولوجيا ولا ولاء جماعي، انهم يتشاركون في التعطش للمغامرة والمال. وبعض هؤلاء يدفع له الثمن غاليا، لكن بعضهم سقط في المواجهات. وهناك تقديرات تفيد بأنه سقط منهم حتى الآن حوالي ،368 لكن لا توجد إحصاءات ثابتة، لأن الشركات لاتصرح بالأرقام، والدول لا تعلن عنهم، لأنهم لم يسقطوا من أجل خدمة العلم. 

             الأمريكيون في العراق يعتقدون أنهم يخوضون حرباً صليبية ضد المسلمين

 اذا كان الاكتشاف الاساسي في الحلقة الأولى، هو ان جيوش المرتزقة التي تعمل في اطار شركات الامن الخاص تتكون في غالبيتها من العنصريين، وخصوصا امن وشرطة وجيش نظام جنوب افريقيا خلال فترة “الابارتهيد”، فإن الاكتشاف الثاني هو الكراهية غير المحدودة للأمريكيين، من طرف شركائهم في احتلال العراق. ويعود ذلك في المقام الأول الى انتفاخ الشخصية الامريكية، وتوترها المستمر، وعدم قدرتها على التواصل، أو اقامتها اي اعتبار للآخر، العراقي وغير العراقي. ويكشف الكتاب جانبا مهماً، وهو ان غالبية اعمال المقاومة غير مدروسة، وجاءت كردود افعال من طرف مواطنين عراقيين، انجرحت كرامتهم جراء الممارسات الامريكية، التي تتسم بالفظاظة والعنصرية والاستهتار والفوقية.

وينتقد الكاتب بشدة، ويسلط الضوء في اكثر من فصل من فصول الكتاب على هذه التصرفات، التي لاتحترم على العموم اهل البلد. وينطلق من تحليل عام للشخصية الامريكية، التي تتسم على العموم بالبساطة والطيبة، ويطغى عليها الحس العملي في الحياة، إلا ان العسكري الامريكي يفقد القدرة الاتصال والتعامل مع ادوات اخرى ليست امريكية الصنع، او لم يسبق له ان تدرب عليها. وهو بمجرد مايخرج من الولايات المتحدة ينطوي على نفسه ويتحول الى كائن متعال ومتعجرف. ولكي يبرز هذه الصفات السيئة فإنه يقيم مقارنة بين الامريكي والبريطاني. ويشير الى ان بعض الشركات الامنية البريطانية، تعمل الى جانب القوات الامريكية بموجب عقود عمل. ولأن الامريكيين يفضلون التحرك دائما على نحو علني ومكشوف، فإن عناصر هذه الشركات مضطرون لمجاراتهم وبالتالي تصبح مكشوفة ايضا. وهذا يؤدي الى نوع من الاستعراض، ويقود الى اتباع اساليب الهجوم، في حين ان المهمة هي في جوهرها دفاعية، مما يقدم خدمة مجانية للعدو، هذا “تكتيك غبي”. ويقول إن الامريكيين يصرون في كل مرة، على اعادة تمثيل مشهد القافلة العسكرية الامريكية، وهجوم الهنود الحمر عليها. فهي بدلا من ان يتسم تحركها بالمرونة والتنكر والسر، تسير على نحو استعراضي بكل عدتها نحو منتصف الوادي المحاط بالتلال، وتنتظر هجوم الهنود الحمر عليها، وبذلك تستخدم طاقة نارية كبيرة من اجل ربح المعركة. ويعلق على استخدام الامريكيين للطائرة المروحية، فيقول انها تذرع الجو مثل الباص، من دون أي مبرر فعلي، وهي غير نافعة على الاطلاق، وغالبا ما تحولت الى هدف سهل لمجموعات المقاومة العراقية، حين تقترب من الارض. ويروي حادثة اسقاط واحدة منها في سنة ،2003 وهي تابعة لشركة بلاك ووتر الامريكية للخدمات الامنية، وجرى اسقاطها بواسطة صاروخ “ستينغر” المحمول على الكتف اطلقه “الجيش الاسلامي في العراق.

ويقول ان هذه الطائرة لم تكن ترافق احدا، بل كانت تقل فريقا من الضباط الامريكيين بين بغداد وكركوك، وتحطمت في مكان صحراوي، وقتل جميع من عليها باستثناء واحد بلغاري من طاقم القيادة. كان على متنها ستة ضباط امريكيين، وعنصرا حماية من المرتزقة من اصل فيجي، وثلاثة طيارين بلغار. لم يتمكن عنصر الطاقم الناجي ان يهرب بل بقي في مكانه، وحين شاهد افراد “الجيش الاسلامي”، حاول الهرب لكنهم عاجلوه برشقة نارية في ظهره اردته قتيلا.ويقول ان هناك نقطة مهمة هنا، وهي ان العملية تم تصويرها من طرف “الجيش الاسلامي” بكامل تفاصيلها، بدءا من لحظة اطلاق الصاروخ، حتى قتل العنصر الثالث من الطاقم. وهذا يعني ان هؤلاء يمتلكون صواريخ “ستينغر” وكاميرات تصوير، وان العملية لم تكن مصادفة، بل هي مدروسة ومخطط لها، ولاشك ان عناصر “الجيش الاسلامي” تزودوا بمعلومات من داخل القاعدة الجوية، التي انطلقت منها الطائرة حول خط سيرها، إذ لايعقل ان تتواجد مصادفة مجموعة من المقاتلين في الصحراء، ومعها صاروخ “ستينغر”، بهدف اصطياد طائرة. ويحمل الكاتب المسؤولية لعناصر الامن المرتزقة، الذين كان يتوجب عليهم أخذ الاحتياطات الكافية من أجل الحيلولة دون الوقوع في هذا الفخ، فالمسألة يجب ان تدرس على نحو مختلف، من خلال معرفة مدى امان طريق التحليق.

فظاظة امريكية

ويذهب الكتاب من هنا لكي يحلل اساليب عمل الامريكيين في العراق، ويأخذ الهجوم الكبير الذي تم على الفلوجة كمثال. ومن المعروف ان الامريكيين اتخذوا من تصفية اربعة عسكريين مرتزقة كذريعة لشن الهجوم. ويقول قبل كل شيء لم يكن الاربعة من رجال الاعمال كما روجت الدعاية الامريكية، بل هم ضباط سابقون في “دلتا فورس” القوة الامريكية الخاصة، وجاؤوا للعراق للعمل كمرتزقة. وبالتالي هم عسكريون محترفون وينتمون الى واحدة من الفرق العسكرية الاكثر تدريبا واحترافا في العالم. ومن هنا فإنهم لم يقعوا في الكمين بمحض المصادفة، بل هذا يدل على ان المقاومة رصدتهم جيدا، وتلقت معلومات كافية عن شخصياتهم وخط سيرهم، الذي كان يوحي بطمأنينة كبيرة. ثم إن الطريقة التي جرى التعامل فيها مع جثثهم التي احرقت، يدل على ان هناك معلومات كافية حول شخصياتهم، وطابع مهمتهم.

ويصل الكاتب من ذلك الى ان الهجوم على الفلوجة كان مخططا ومدروسا من قبل، وينتظر التنفيذ فقط، وجاءت هذه العملية لتشكل الذريعة والغطاء. وقد اعتبر الامريكيون مصرع الاربعة افضل مناسبة لبدء الهجوم.

وانطلاقا من هذه النتائج، ينتقد طريقة الامريكيين في العمل. ويقول ان ادارة الامريكيين للموقف لا تناسبني، فأنا لست ممن يخاف من معركة مدروسة ومحضرة بعناية، لكني اتجنب استفزاز العدو، ولا أحرضه لكي يطلق النار علي. وانا على ثقة بأن عددا كبيرا من الامريكيين يكرهون العراقيين، ليس فقط “قطاع الطرق”(المقاومون)، بل جميع العراقيين من دون استثناء. ويقول ان هذا ليس استنتاجا شخصيا، بل هو محصلة نقاشات مع عسكريين امريكيين رسميين وغير رسميين ممن يعملون كمرتزقة. الكاثوليك منهم والانجيليون يعتبرون انهم جاؤوا الى هنا، لخوض حرب صليبية جديدة والقضاء على “عصابات المسلمين”. ويضيف، ان الامريكيين لاتأخذهم رأفة بالعراقيين، حتى لو دفعوهم نحو الجنون والخوف، فهم يقيمون الحواجز في الطرقات من اجل اعطاء الافضلية لمرور قوافلهم.إن المسألة لاتتوقف عند نصب الحواجز في الطرقات وممارسة الفظاظة، بل إن الامريكيين اعتادوا على معاقبة جميع العراقيين، الذين يستقلون سياراتهم، وعادة ما يتعمدون ضرب السيارة من الخلف او من الاطراف، وهذا امر معتاد وواضح وحقيقي في بغداد، حيث لايترددون بإطلاق النار على اية سيارة تحت بند اثارة الشبهة. وهنا يبرر الكاتب لهم هذا السلوك، وينسبه الى الخوف من السيارات التي يقودها انتحاريون، ولكنهم في كل الأحوال ولّدوا العداء لدى جميع العراقيين، الذين لايطمحون لاأثر من حياة عادية هادئة، وهم غير منشغلين بالجهاد على الاطلاق.فإذا كانت القاعدة هي كذلك، فهو هنا يستثني بعض الحالات من العسكريين، الذين يعملون على كسب القلوب والعقول من خلال تعاملهم اليومي، وهم يحاولون الانتباه اكثر قدر ممكن، ألا يستفزوا المواطنين العراقيين العاديين. ويستغرب هذه السلوكيات من الامريكيين الذين لديهم قوات محترفة جدا، وتعد الافضل في العالم من حيث التدريب، ومع ذلك ذلك يتصرفون على نحو فظ وقاس مع السكان. أما المرتزقة من الامريكيين الذين لاشغل لديهم، سوى سحب واقع الافلام الامريكية على تعاملهم اليومي، فإنهم يرون ان افضل وسيلة للحصول على احترام السكان، هي في ابتزازهم وتخويفهم. وحتى نجله الذي يعمل معه في نفس الميدان في العراق، لايحمل اي احترام للامريكيين، ويقول لطالما سمعته يردد عدة مرات “أكره هؤلاء الامريكيين التافهين، اكثر من كراهيتي لقطاع الطرق…”.ويتساءل الكاتب، بأي نوع من الاهانة يمكن أن يشعر العراقي الذي يحس بالاحتقار في بلده؟. ويقول ان العراقيين شعب جذاب ومتفتح، ولكنه على درجة عالية من الاعتزاز بالنفس، ويعيشون في بلد حيث السلاح صار متداولا وفي متناول الجميع. وأنا على ثقة بأن قسما كبيرا منهم لاعلاقة لهم بأعمال المقاومة المنظمة، وليسوا اعضاء في أية خلية عسكرية، أو شبكة من شبكات المقاومة، بل تم دفعهم نحو النهاية. انهم لم يعودوا يطيقون رؤية سياراتهم تضرب من قبل الاجنبي، ولم يترددوا عن التعبير عن غضبهم بواسطة السلاح.ويؤكد الكاتب على انه كان شاهدا، على ممارسات غير مقبولة من طرف بعض المرتزقة الامريكيين، الذين لاتنصب ممارساتهم الفظة على العراقيين فقط، بل تطال الجميع. ويروي سلسلة من الحوادث التي حصلت معه ومع بعض اصدقائه من البريطانيين، الذين يعملون في الشركات الأمنية الخاصة، وذلك لكي يدلل على ان الامريكيين يعملون من دون ضوابط، وخطط عمل ويحكم سلوكهم الفوضى والعدوانية والاستهتار. وحسب رأيه أن قسما كبيرا من العراقيين تحول ضدهم، بسبب ممارساتهم غير اللائقة على جميع المستويات. وروى حادثة حصلت معه، ففي احدى المرات بدأت سيارته تتعثر في السير، على احد الطرقات العامة فأخذ جانب الطريق لينظر في الأمر، لكن بعد عدة دقائق جاءت آلية عسكرية مصفحة لتكنسها خارج جانب الطريق. ويقول في مرة ثانية ان آلية امريكية اخرى قامت باقتلاع الجناح الايسر من سيارتي، ومرة أخرى وجدت نفسي في حفرة بسبب سيارة مصفحة يقودها مرتزق بريطاني.ويروي ان صديقه الجندي السابق في القوة الخاصة البريطانية “بنغو”، كان يقوم بمرافقة “زبون” الى ضاحية من ضواحي بغداد، ولكي يعرّف عن نفسه قام بوضع العلم البريطاني على سيارته. لكن بعد لحظات بدأ طابور من الآليات العسكرية الامريكية بإطلاق النار عليه بدون سبب محدد، وقد اخترقت السيارة اكثر من 12 رصاصة، لكنها لم تصب أحدا من الركاب أو خزان الوقود، ولهذا توقفت السيارة ونزل جميع الركاب بمن فيهم “الزبون”، وتقدم نحوهم ضابط امريكي تبدو عليه علامات الرعب. وحين بدأوا يقتربون سارت المجموعة نحو القافلة الامريكية رافعة الايدي، كإشارة على انها لاتحمل سلاحا. ويقول بنغو”كنت في هذه اللحظة خائفا من التبول على نفسي، لقد كانوا مجانين الى حد اني اعتقدت بأنهم سوف يمطروننا رشقة ثانية من الرصاص. ولحسن الحظ انهم في النهاية توقفوا حين شاهدوا عيوننا الزرق. كنت مرعوبا تقدمت نحوهم وانا اشتمهم، وصرخت بهم ألا تستطيعون تمييز العلم البريطاني حين تشاهدونه؟”. هل تعلم بماذا أجاب مسؤول الدورية، الذي كان يسترخي في السيارة المصفحة “انا آسف، كنت ظننته العلم العراقي”. ويقول كنت مضطرا لأن اشرح لهذا الدمية ما هو العلم العراقي، الذي يتوجب انه يعرفه لأنه قاتل تحته مع الحلفاء العراقيين، في حين ان الذين يطلقون النار على الامريكيين لايرفعون العلم العراقي، ولكني كنت كمن يتحدث إلى جدار.ويعلق الكاتب على الحادثة التي تعرض لها صديقه، ويعتبر ان سبب نجاته يعود إلى كونه عسكريا محترفا، فهو مثله انتمى في السابق الى سلاح الوحدات الخاصة البريطانية، وقد نجا من ارتكاب حماقة كانت من الممكن ان تكلفه حياته، فقد تصرف برباطة جأش وبرودة دم، إلا ان الحادث قد هزه كثيرا. هو يحب الولايات المتحدة، ولكنه صار يعترف بأن الامريكيين في بعض الاحيان اكثر خطورة من “قطاع الطرق” العراقيين.

التمويه

يتوقف الكتاب أمام الفروق بين التحرك علانية والتحرك المموه. فالكثير من المرتزقة البريطانيين ودول الكومنولث يتحركون ضمن شعور كبير بالتمويه، إن المبدأ هو التنكر وإخفاء الهوية الى اكبر قدر ممكن، لذا يحاولون اتباع وسائل تمويه تقربهم من حركة العراقيين، وخصوصا على صعيد السيارات. والأمر المثالي، هو ان تبدو السيارة مستنزفة جدا، ولكن المحرك والقطع الأساسية جيدة، وقادرة على مواجهة حالات صعبة مثل المطاردة.  ولذا يلجأ غالبية الزملاء الى تزيين السيارة ببعض الرموز التي تقربها من الطابع المحلي، مثل تعليق مسبحة دينية، أوآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأمثال اسلامية. ولايعني ذلك التمويه الكامل، بل تجنب كل انواع المواجهات الممكنة. يجب على المرء أن يذوب داخل الديكور العام، وحتى لو تم التعليم عليه في هذه الحالة، فإنهم يتركون له منفذا في نهاية الشارع للهرب.وهكذا يمضي اليوم بالتسلل من زاوية الى اخرى بين السيارات والشوارع، تلافيا للوقوع في مطب أو كمين للمقاومين العراقيين. ويقول الكاتب إن التنقل في بغداد للمرتزقة صار غير مأمون على الاطلاق، وهذا مادفعهم الى التحرك ضمن خطة تعتمد، على اختيار اربع سيارات مموهة ولاتثير الشبهة، تكون من ماركات مختلفة، وتتحرك بطريقة بعيدة عن الاستعراض، وعدم تعريض الفريق لنيران القوى المعادية.ويصل الكاتب في عرضه داخل هذا الفصل الى مفارقة محزنة جدا، حين يقول “منذ آلاف السنين كان العراق يدعى ما بين النهرين، واليوم هناك نهر ثالث يجري في العراق، نهر الدم الذي انبثق بفضل السلاح، الذي صار منتشرا في كل مكان، وهذا أمر جرى استحسانه من طرف المرتزقة الامريكيين.

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتاب وتعليق | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا *** أن نبتدي بالأذي من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا***خضر مرابعنا حمر مواضينا



إن أمام التحالف الذي يجمع الغرب المسيحي واليهودية الصهيونية والشيوعية الإلحادية والعنصرية الفارسية المتسترة بالإسلام تنكشف الهوية الحقيقية العميقة للمعركة التي يخوضها عراق البعث والتي نقلت النهضة العربية من مواقع الدفاع الى مواقع الهجوم

القائد المؤسس

أحمد ميشيل عفلق