التركيب الإجتماعي لحزب البعث العربي الإشتراكي
كتبهاعزالدين القوطالي ، في 16 يونيو 2009 الساعة: 12:12 م
التركيب الإجتماعي
لحزب البعث العربي الاشتراكي
محسن أحمد محمد
لقد اختلف الباحثون (1) في علم السياسة في دراستهم للأحزاب السياسية فمنهم من تأثر بالنزعة الليبيرالية التي ركزت على مفهوم الحزب كجماعة ايديولوجية ، و انصب اهتمام الباحثون على تاريخ النظريات السياسية اكثر من اهتمامهم بتأثير الايديولوجية على هيكل و نشاط الحزب .
بيد أن التطورات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية التي حدثت في اوروبا فيما بعد ، أعطت غلبة نسبية للمفهوم الماركسي الذي يربط بين الحزب و الطبقة التي يمثلهاو يدافع عن مصالحها ،لهذا اخذت الدراسات التي تهتم بالأحزاب السياسية تنحو الى التركيز على دراسة العلاقة بين مستوى معيشة الفرد و مهنته و تعليمه و بين انتمائه السياسي(2) .
و اذا كان لايديولوجية أي حزب تأثير على نشاطه السياسي و بنائه التنظيمي تركيبه الاجتماعي على الرأي العام فان التركيب الاجتماعي للحزب يؤثر بدوره على ايديولوجية الحزب و برنامجه و شعاراته و بنائه التنظيمي أي أن التأثير متبادل بين الاثنين و يتراوح شدة و ضعفا تبعا لنوع الحزب ، و طبيعة النظام الحزبي السائد في الدولة(3) .
ان أهمية دراسة التركيب الاجتماعي للاحزاب الثورية تنبع من كون هذه الاحزاب لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها بل هي وسيلة من وسائل المجتمع من أجل تحقيق مصالحه المادية و المعنوية .هذا من جهة و من جهة أخرى فان من الخطأ النظر الى مصالح المجتمع كمصالح موحدة ثابتة ،فالمجتمه ،تبعا لدراسة بنيانه ينقسم الى طبقات اجتماعية متعددة ذات مصالح متباينة ،و بحكم هذا التفاوت في التركيب الطبقي للمجتمع ،و الذي تعبر عنه بالضرورة الاختلافات في المصالح الطبقية ،فان الاحزاب السياسية تدخل في تباينها الاجتماعي ضمن حقيقة هذا الجدل الاجتماعي (4).
و لما كان الحزب الثوري ،هو التنظيم الطليعي الذي يمثل أعلى مستويات التنظيم و الوعي في المجتمع و الذي تتجسد في تركيبه و سلوكه و أفكاره بشكل حي و ملموس المصالح الحقيقية لاوسع القواعد الجماهيرية الكادحة المسحوقة ،لذلك فان الانسجام و التطابق بين أهداف و نظرية الحزب الثوري و بين تركيبه الطبقي ،عامل جوهري و حيوي لنجاح الحزب في قيادة الكادحين و تحقيق أهدافهم (5).وان الاختلال أو عدم التوازن و الانسجام بين آيديولوجية الحزب و الاداة المنفذة لها يولد خللا كبيرا يؤثر على نشاط الحزب و دوره التاريخي .
و عليه يمكن القول بأن الحزب الثوري لا يمكن أن يكتسب ثوريته من خلال المنطلقات النظرية أو الشعارات التي يرفعها ، لان الحزب الذي يهدف الى تحقيق الاشتراكية لا يستطيع أن يستمر في حركته التاريخية بدون احتواء القوى الاجتماعية المرتبطة بالتاريخ الاشتراكي ذلك أن غياب القوى الطبقية الحقيقية عن حيزها الذي يجب أن تشغله سياسيا يؤدي بالضرورة الى دخول قوى أخرى قد تسبب انحرافات عديدة تؤدي في نهاية الامر الى ضرب أو تمزيق الحزب (6) .
و اذا كان الأمر كذلك ، فان دراسة التركيب الاجتماعي لحزب البعث العربي الاشتراكي تتطلب دراسة شاملة للتركيب الطبقي للمجتمع العربي أبان ظهور البعث ، و ماهية القوى الاجتماعية التي كانت تلعب دورا مهما في الواقع الاجتماعي العربي(7).
لقد نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي و أعلن عنه على الصعيد الشعبي عام 1947 ،الا أن الارهاصات الاولى للحزب كانت ترجع الى بداية الاربعينات .
و كانت ولادة الحزب في ظل ظروف و أوضاع عربية و دولية متشابكة.."فقد ولد حزب البعث في ظروف خاصة ،فالوطن العربي مجزأ و القسم الاعظم منه يخضع للامبريالية بشكل مباشر أو غير مباشر او مرتبط بمعاهدة تحالف و كل الطبقات الحاكمة فيه من الطبقة الاقطاعية و يسوده الفقر و الجهل و المرض و يئن تحت وطأة التخلف الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي(8) .
و لما كان المجتمع العربي متخلفا اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا فان البنى الاجتماعية للشعب العربي كانت مختلفة هي الاخرى و غير متبلورة طبقيا حيث لم تكن هناك حدود طبقية و تبلور واضح المعالم كما هو الحال في الدول الصناعية المتقدمة .
و تاسيسا على ما تقدم يمكن القول :
1_ ان الصراع الطبقي في المجتمع العربي آنذاك اتسم بانه كان صراعا خفيا و بعيدا عن طابع العنف .
2_ عدم وضوع الوعي الطبقي و تبلوره .
3_ طغيان العقلية السلفية الغيبية لدى الفرد العادي و سيادة المنطق و التبرير الرجعي للدين بما يمثل تقليدا و امتدادا لواقع المؤسسة الدينية في عصر الاستعمار العثماني .
4_ الافتقار الى الصناعات الثقيلة في الوطن اعربي او بالاحرى عدم وجود بوادر مشجعة للقيام بمثل هذه الخطوة و لان البرجوازية العربية لم تقم بالدور الذي قامت به مثيلتها في أوروبا . و هذا مما ادى الى تاخر و ضعف وجود الطبقة العاملة و بالتالي شكل تاثيرا اساسيا و جوهريا على طبيعة البناء التحتي للمجتمع العربي و ادى الى انعكاسات و نتائج منطقية على طبيعة المؤسسات و البنى السياسية و الاجتماعية السائدة و الفاعلة في التحكم و فرض الوصاية من قبل هذه المؤسسات على مسار الحركة التاريخية للوجود العربي .
-5 نتيجة للحملات التبشيرية التي تعرض لها الوطن العربي و توسع القاعدة التعليمية ادى الى ظهور فئة اجتماعية من المثقفين التي تمتلك وعيا بالاوضاع و المساوئ التي كان يعاني منها المجتمع العربي و قد هيات لها الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي كان يمر بها المجتمع العربي ان تلعب دورا بارزا في حركة الثورة العربية المعاصرة .
و على ضوء ما تقدم يمكن القول بان التركيب الاجتماعي لحزب البعث العربي الاشتراكي قد شهد مرحلتين :
1/ المرحلة الاولى : مرحلة التيشير او مرحلة التاسيس الاولى و كان المثقفون و خاصة الطلبة و المعلمون يشكلون نسبة كبيرة جدا عدديا في الحزب .
2/ المرحلة الثانية : و هي مرحلة النمو و التوسع الجماهيري و التي بدأ فيها الحزب بالتغلغل و التركيز على الجماهير العمالية و الفلاحية .
1_ المرحلة الاولى :
و تمتد هذه المرحلة لتشمل الفترة التاسيسية حتى منتصف الخمسينات .
لقد " بدأ تاسيس حزب البعث على يد بعض الشباب المثقف و على راسهم ميشيل عفلق و صلاح الدين البيطار و جلال السيد و غيرهم استطاع الحزب ان يستقطب الكثير من الشباب المثقف خصوصا من الجيل الجديد الممثل في الاوساط الطلابية و الذين لم يسبق لهم ممارسة العمل السياسي " (9). و الملاحظ ان انتشار الحزب في العراق و الاردن و لبنان و في معظم الاقطار العربية تم عن طريق الطلاب (10).
و يقول الاستاذ عفلق :" لقد بدأ حزب البعث بالدرجة الاولى مرتكزا على الحركة الطلابية قبل ان يصل الى الطبقة الشعبية الكادحة التي هي بلا شك العنصر الاساسي في ثورتنا العربية و المادة الاساسية و لكن كان لا بد ان تكون الحركة الطلابية هي المقدمة و هي الممهد الذي يوصل تيار الثورة و أفكارها و حماس الثورة الى الجماهير الشعبية ". (11).
و اذا تركز نشاط الحزب السياسي في بداية نشوته عل المثقفين و خاصة طلبة الجامعة و المدارس الثانوية الذين تشكلت منهم الحلقات الاولى للحزب و كانت مناقشة الافكار القومية و المشاكل التي تعاني منها الامة العربية و اصدار النشرات و البيانات التي كانت تهاجم السلطات الرجعية و الاستعمارية فان فكر البعث و منذ نشأته كما يرى الاستاذ العيسمي :" فكر شعبي و جماهيري يتوجه للاكثرية الساحقة من ابناء الامة العربية . و هذا يعني ان العمال و الفلاحين هم منذ ان انطلق الحزب ينظر اليهم على انهم الاساس و الاصل و كان يطلق عليهم الطبقات الكادحة باستمرار منذ الاربعينات . حتى قبل المؤتمر التاسيسي كان التركيز على الطبقات الشعبية و المقصود الجماهير الكادحة التي تشكل الاكثرية الساحقة من المواطنين ".(12).
و يشير الاستاذ العيسمي الى حقيقة تاريخية و هي انه "منذ الاساس لم ينتم الى حزب البعث العربي الاشتراكي أي اقطاعي او راسمالي " (13) . و اذا كان فكر البعث في توجهه و منطلقاته نحو الجماهير الكادحة واضحا منذ البداية فان لانتشار الحزب و توسعه في هذه المرحلة بين صفوف الطلاب و المثقفين أسبابا موضوعية نجملها بما يلي :
يبدو أن توجه دعوة البعث في مرحلتها الاولى الى المدرسين و الطلاب و المثقفين عموما يفسر لحد ما هذا التشديد على الامور المعنوية و هذا التشديد على تغيير نفسية الفرد العربي … أن التفكير البعثي في مرحلة الاربعينات مع انه لم يهمل القضايا الاقتصادية و الاجتماعية التي تكون الاساس النضالي للطبقات الكادحة فقد اتجه بشكل أساسي و بقوة و كان في هذا صائبا نحو خلق وعي جديد و نفسية نضالية جديدة في ( الجيل العربي الجديد ) لان هذا الجيل في المرحلة الابتدائية هو المؤهل ليكون الاداة الصالحة لخلق عمل سياسي من نوع جديد (14).
و على ذلك يمكن القول ان انتشار الحزب في المرحلة الاولى بين صفوف الطلاب و المثقفين كان بهدف التركيز على خلق جيل عربي جديد يحمل أهداف البعث بنقاء و أن الطلاب و خصوصا طلاب الجامعة و الثانويات يتميزون بالحماسة و نكرات الذات و الابتعاد عن المصالح المباشرة و يمثلون النقاء الفكري و البحث عن الحقيقة بالاضافة الى الصلابة و عدم القبول بالمساومة و انصاف الحلول . و قد يكون هناك تأثير لمؤسسي الحزب أنفسهم على مجموعات كبيرة من الطلاب بحكم مهنة التعليم التي كانوا يمارسونها مما ساعدهم على بث أفكار الحزب بين طلبتهم الذين شكلوا – فيما بعد – النواة الاولى التي حملت افكار الحزب و مبادئه .
ان تأخر قيام صناعة عربية متطورة سواء على النطاق القطري أو القومي أدى الى ضعف و تأخر نشوء طبقة عاملة عربية . أي أنه أبان ظهور حزب البعث في اربعينات هذا القرن لم يكن هناك تبلور طبقي واضح و محدد في المجتمع العربي اذا استثنينا بعض العناصر الرأسمالية و الاقطاعية فعدم انتشار الحزب بين صفوف العمال لا يشكل مثلبة أو انتقاصا من مبادئه الثورية و ايمانه بدور الجماهير الكادحة في عملية التغيير الثوري بقدر ما يعبر عن السياق التاريخي الذي كان يمر به المجتمع العربي .
و اذا كان هذا بالنسبة للعمال فان عدم انتشار الحزب في صفوف الفلاحين قد ساعدت عليه عوامل متشابكة كثيرة أهمها : ان السلطات الاستعمارية قد دعمت النظام الاقطاعي و ساندته ماديا و معنويا من أجل ابقاء الريف يعيش في عزلة عن المدينة و انقطاع شبه تام عن حركة التطور الاجتماعي و الافكار الثورية التي كانت مقتصرة على المدن.
العقلية السلفية الغيبية التي كانت تسود أذهان الفلاحين و متانة العلاقات العشائرية التي كانت تطغى على الصراع الاجتماعي بين الفلاحين و الاقطاع خصوصا أن معظم الاقطاعيين كان لهم سلطة عشائرية بين أتباعهم .
أن الاقطاع استغل العاطفة الدينية لدى الفلاحين و ذلك عن طريق رجال الدين ( الملالي ) الذين كانوا يفسرون الدين لخدمة مصالح أسيادهم الاقطاعيين .. فقد كان رجل الدين يضفي على سلطة الاقطاعي الطابع الشرعي كان رجال الدين يتمتعون بحظوة لدى الاقطاعيين حتى أن بعض رجال الدين أصبحوا يشكلون جزءا أساسيا من الطبقة الاقطاعية .
عدم وجود الفلاحين في تجمعات ثابتة و بأعداد كبيرة يسهل الاتصال بهم و بث أفكار الحزب في صفوفهم .
عدم امتلاك الحزب في تلك المرحلة للكادر الحزبي الفلاحي المدرب للقيام بمثل هذه المهمة .
أن فكر البعث بدأ فكرا عميقا و عصريا . فالاشتراكية و القومية و رسالة الامة العربية و الديمقراطية هذه المفاهيم لم تكن مبسطة و سهلة الهضم من قبل سواد المواطنين و الشعب . و ان مهمة تبسيط هذه المفاهيم و المبادئ و الأهداف أصبحت من مهام الصنف الثاني أو القيادات التي تلت فيما بعد ، خاصة تلك التي عاشت في أوساط الشعب و خرجت من أوساط العمال و الفلاحين و بدأت تصدر كراسات بسيطة يمكن استيعابها من قبل هذه الطبقات .و عليه فان أفكار البعث و مبادئه بما حملته من استشراف مستقبلي فان مثل هذه الافكار و المبادئ لا يستطيع فهمها و ادراك معانيها الا من يمتلك وعيا للظروف التي تعيشها الامة العربية . و قد كان الطلاب و المثقفون بحكم ما يمتلكونه من وعي هم أقدر من غيرهم على تبني مبادئ الحزب و الايمان بها .
و يمكن اضافة سبب آخر لغلبة المثقفين في تركيب الحزب في المرحلة الأولى و هو عامل ذاتي و نفسي ،أي اقتناع العمال و الفلاحين العرب بأن ممارسة العمل السياسي – و العمل الحزبي بشكل خاص – هي من اختصاص الطبقات الغنية التي تصدرت عملية النضال ضد الاستعمار ،و ان العمل السياسي يحتاج الى تفرغ و نشاط لا يسمح به وقت الفقراء ،و هم الذين يقضون كل أوقاتهم في سبيل تدبير أمور معيشتهم .
و من كل ما تقدم يمكن القول بأن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الوليد الشرعي لظروف المجتمع العربي " و كانت قلة أعضائه من العمال و الفلاحين غير راجعة الى ارادته فانه تاريخيا كان يمثل الوضع الحقيقي لا النظري لحالة الطبقات الاجتماعية القائمة و مبلغ اتصالها بالعمل السياسي و ما كان بأمكانه ان يخلق من العدم كوادر من العمال و الفلاحين …" (16).
و مهم يكن من امر فان المؤتمر القومي السادس و انطلاقا من مبدأ النقد و النقد الذاتي قد أشار الى الحزب قد قصر في توجهه الى الجماهير الكادحة من عمال و فلاحين مما انعكس على نشاط الحزب و موافقه السياسية (17).
2- المرحلى الشعبية :
و في هذه المرحلة التي تبدأ من منتصف الخمسينات بدـ التركيب الاجتماعي لحزب البعث العربي الاشتراكي يأخذ طابعا شعبيا جماهيريا و التغلغل في صفوف الطبقة العاملة العربية التي بدأت ملامح تبلورها الطبقي تتحدد في هذه المرحلة بعد نمو الصناعات في الوطن العربي .كما أن الحزب بدأ يتغلغل بشكل سريع بين صفوف الفلاحين الفقراء و خاصة بعد ان وجدت الجماهير الفلاحية تجاوبا بين أهدافها و مطامحها التي تتركز بالقضاء على النظام الاقطاعي و مخلفاته و انتشال الفلاحين من حالة البؤس و الحرمان التي يعانون منها و بين أهداف الحزب و مبادئه في معالجة المسألة الزراعية و التي وضع لها الحلول الجذرية الثورية و تتركز بالقضاء على النظام الاقطاعي و بالتالي انهاء الاستغلال بكل أنواعه ،و تحقيق ثورة زراعية و خلق ريف اشتراكي مزدهر .
و الملاحظ ان مبادئ الحزب في أوساط ابناء المدينة حتى أن أغلب قيادات الحزب و كوادره كانوا من ابناء الارياف الذين انتقوا من القرى الى الدينة لمتابعة دراستهم و تحصيلهم العلمي .
لقد كان انتشار الحزب في أوساط أبناء الفلاحين أكثر من انتشاره في صفوف الفلاحين انفسهم ذلك لان هؤلاء الابناء يتحسسون بالاستغلال و الظلم الاجتماعي الذي كانت تعانيه عائلاتهم كما ان الحل الثوري لمشكلة الفلاح العربي مع الحفاظ على الآمال و المطامح القومية العربية التي يعتز بها العربي قد وجدت صدى كبيرا في نفوس ابناء الريف هذا بالاضافة الى ان البعثيين الاوائل الذين تخرجوا من المعاهد و الكليات و الذين مارسوا مهنة التعليم و تعينوا في القرى و النواحي كان لهم اثر كبير في نشر افكار الحزب في صفوف أبناء الريف الذين كانوا يتلقون تعليمهم . و يضيف الاستاذ شفيق الكمالي الى ذلك قائلا " ان ابناء الريف يمتلكون شعورا وطنيا فطريا و يعيشون في ظروف الحرمان و البؤس و هذا بالاضافة الى الحل الاشتراكي الثوري للمسألة الزراعية التي جاء بها البعث مع الحفاظ على القيم العربية فالحل الاشتراكي لم يؤد الى اضاعة قيم شخصية الانسان العربي قد لقى صدى و تقبلا من ابناء الريف بينما نجد التلوث الفكري ظروف اللهو طغيان التفكير البرجوازي المدني و الخوف من السلطة القريبة منهم جعلت أبناء المدن يتأخرون في الانتماء للأحزاب الثورية " (18).
و مما يؤكد اهتمام أبناء الفلاحين بالانتماء الى الاحزاب التي تناضل من أجل القضاء على الأقطاع و مظاهره الاستغلالية ،انتشار الحزب العربي الاشتراكي في منطقة حماة بين صفوف الفلاحين ،حيث نشأ الحزب و تغلغل في صفوف الفلاحين حيث كان يناضل في سبيل القضاء على الاقطاع و تحقيق الاصلاح الزراعي و توزيع الأراضي على الفلاحين .
ان هذا يعطينا مؤشرا و دلالة على أهمية المسألة الفلاحية في النضال العربي .
و في هذه المرحلة من تاريخ الحزب النضالي :" أصبح للحزب وزن سياسي و شعبي و بدأ يركز على ضرورة التغلغل في أوساط العمال و الفلاحين و فعلا تحقق أثبات الوجود في المواقف السياسية و مع مرور الزمن أصبح في سوريا له- أي للحزب- القدرة على اسقاط الحكومات و قام بقيادة التظاهرات الشعبية لاحباط المشاريع و المؤامرات الاستعمارية مثل مشاريع الاحلاف و غيرها حيث كان للحزب نشاط سياسي و شعبي كبير في هذا المجال " (19).
و قد شهدت هذه المرحلة اندماج حزب البعث مع الحزب العربي الاشتراكي و حول أثر هذا الاندماج بين الحزبين على التركيب الطبقي للبعث يقول الاستاذ العيسمي :" ان الحزب العربي الاشتراكي كان في منطقة ( حماة ) حيث كانت له قاعدة جماهرية فلاحية واسعة و من هذه الزاوية يمكن ان يكون له اثر في زيادة القاعدة الفلاحية وزيادة اهتمامه بهذه الطبقة .لكن في محافظات أخرى لم يكن هناك أثر للحزب العربي الاشتراكي الا قليلا .أما من حيث زيادة اهتمام حزب البعث بالاشتراكية على أثر الدمج فلم يكن له أثر و ذلك لان حزب البعث كان منطلقة اشتراكيا بالأصل و كل ما في الأمر أن أضيفت لاسمه كلمة (اشتراكي) (20).
وقد شهدت الساحة العربية في هذه الفترة معارك طبقية أججها الحزب و قاد اغلبها .و يتجلى بعض هذه المواقف في الممارسات التي قادها الحزب على الصعيدين الفكري و العملي و التي حققت مكاسب كبيرة للجماهير العربية الكادحة أثناء ازمات البطالة و أزمة الخبز و الغلاء و النضال ضد الشركات الاحتكارية مثل شركة الريجي في القطر العراقي عام 1953 الى المساندة لاضراب عمال شركة الدخان الاهلية و لاضراب عمال النفط في البصرة و كذلك مساندة اضراب عمال الارامكو ضد الشركة الاستعمارية في السعودية .
و من جهة أخرى تؤكد الوقائع التاريخية دور الحزب في تأسيس أول اتحاد لنقابات العمال العرب الذي أقره المؤتمر الاول الذي انعقد في دمشق في آذار 1956، و قد باركت بيانات الحزب في القطرين العراقي و اللبناني تأسيس اتحاد نقابات العمال العرب و أكدت أن المسالة العمالية جزءا لا يتجزأ من المسألة القومية .كما تجدر الاشارة الى الحملة التي قام بها الحزب في كافة أرجاء الوطن العربي لاعلان موقف عمالي موحد من الامتناع عن تفريغ و شحن السفن الاميركية للسفينة العربية ( كليوباترا) مما يؤكد ممارساته العملية المنسجمة مع هويته الطبقية(21) .
و ترى أدبيات الحزب و تراثه الايديولوجي ضرورة التطابق و الانسجام بين الرؤى الاشتراكية للحزب و بين تركيبه الطبقي ذلك أن الحزب الثوري عندما لا يقوى على استماة الجماهير الكادحة الى جانبه فانه لا يستطيع تحقيق تركيب طبقي عمالي فلاحي غالب له ،و كلما قلت نسبة الكادحين في الحزب الثوري كلما ازداد حجم البرجوازية الصغيرة داخل التنظيم و ازداد تبعا لذلك حجم ممارساتها و مواقفها المتذبذبة و المتناقضة و المتعثرة بين اليمين و اليسار الطفولي (22) .
و ان حذر الحزب من البرجوازية الصغيرة ناجم عن مواقفها السابقة التي اتسمت بالتذبذب و الغموض و خاصة فيما يتعلق بالحركة القومية اذ تأثر مفهومها للقومية العربية بتركيبها الاجتماعي المتذبذب و تطلعاتها المزدوجة." فهو مفهوم وحدوي المظهر، قطرى الجوهر ،اشتراكي الشعارات ،معاد لدور الطبقة العاملة ،رافض لقيادتها ،غيرمؤمن بالجماهير و بطاقاتها الثورية التاريخية ،و هو مفهوم بيروقراطي فوقي هادف الى تحقيق مصالح قيادة طبقة البرجوازية الصغيرة ،حائل دون اطلاق فعالية الجماهير الثورية و دون مساهمة الطبقة العاملة مسامهة حقيقية في القيادة السياسية .لذلك فهو شبه وحدوي ،شبه اشتراكي ،شبه تحرري" (23).
و لهذا يرى حزب البعث العربي الاشتراكي ،انه من أجل أن يكون الحزب اشتراكيا عمليا بشكل حقيقي ،فانه يجب الموازنة بين زيادة نسبة العمال و الفلاحين في صفوف الحزب و بين استراتيجية الحزب الاشتراكية .. و على ذلك فأن النظرية الثورية هي ليست كل شيء و هي لا تصبح قوة مادية فعالة في التاريخ الا عندما تكون سلاحا بيد العمال و الفلاحين و طليعتهم السياسية ،و هو شرط لا يتحقق الا بتوفير التجانس بين التركيب الطبقي و بين النظرية الاشتراكية الثورية للحزب .
و لعل بعض الاسئلة تطرح نفسها في هذا المكان حول الهوية الطبقية لحزب البعث العربي الاشتراكي .منها ، هل حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب طبقي ؟ و ان كان كذلك فأية طبقة يمثل ؟و ما هي الانعكاسات التي تركها ميلاد الحزب على صعيد حسم موضوعة الهوية الطبقية لأداة الثورية العربية ؟
و قبل الاجابة عن هذه التساؤلات من الضروري الاشارة الى جملة أمور أهمها :
أولا : ان أية نظرية ثورية انما تبنى من خلال الاحتكاك بالواقع و هي تأخذ بالتبلور و الشمول طرديا مع تبلور الواقع و اتضاح مسبباته ،وهي تتكون نتيجة تحولات تاريخية مهمة تواجه الحركة الثورية و تتطلب منها تحديد موقف حاسم .
و عند تبلورها تصبح النظرية النضالية دليلا للعمل الجماهيري الثوري و موجها له . و نظرية كهذه لا يمكنها الاستناد على قوانين تكونت ضمن شروط تاريخية معينة ،و لان الواقع الاجتماعي يتسم بالتغير المستمر ،و القانون العملي لا يعطي نتائج واحدة عندما تتغير الظروف لذلك فأن الحركة الثورية تكون مهددة بالجمود أن هي استندت الى وصفات جاهزة و الى النقل الحرفي (24) .
ثانيا :ان ولادة أي حزب أو حركة ثورية لا تأتي بمحض الصدفة أو الرغبات الذاتية ،بل تتحدد بالمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع . ان الحزب ينمو عندما تكون طبقته في طور النمو ،و يتلاشى و يضمر عندما تصبح طبقته حجر عثرة في طريق التقدم . و مع التمثيل الطبقي الواحد للحزب فانه يشمل طبقات متقاربة في مصالحها – مرحليا- مع الطبقة الرئيسية .ان السمة الطبقية للحزب تتحدد وفق ظروف موضوعية و ذاتية . موضوعية تتمثل بسمات المرحلة ،نمو طبقته ،وزنها و تأثيرها في الحياة الاجتماعية ،الوعي الطبقي .و ذاتية ،بأن يعكس التركيب الاجتماعي للحزب – حقا- تمثيل هذه الطبقة أو تلك ،و ان يثبت ذلك في خطه النظري و السياسي ـاذ ليس من العملية الادعاء بتمثيل طبقة ما ،بينما التركيب الاجتماعي السائد تطغى عليه عناصر طبقة اخرى .أن فكر الحزب يحدد طبقته و التركيب الاجتماعي يحدد تمثيله الطبقي الفعلي " (25).
و على ضوء المعطيات السابقة فان البعث العربي الاشتراكي يعتبر من الأحزاب القليلة جدا ،ان لم يكن الوحيد في الساحة العربية التي بنت و تبني ممارساتها النظرية و العملية على أساس موضوعي يستند على واقع المجتمع العربي بكل ظواهره " (26).
و على ذلك يمكن القول بان حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب طبقي الا أن هذه السمة الطبقية تؤطر بالاطارات التالية :
أن حزب البعث العربي الاشتراكي قد ربط موضوعيا بين المطامح الطبقية و المطامح القومية للجماهير العربية ،و بذلك ربط موضوعيا بين النضال القومي و النضال الطبقي و جاء هذا الترابط نتيجة تحليل علمي للواقع العربي ." ان النضال القومي نضال من أجل الوحدة ،و هو نضال ضد المعوقات التي تعرقل قيام الوحدة ، فهو نضال ضد الطبقات و الفئات المستفيدة من التجزئة و هذه الطبقات هي الاقطاع و البرجوازية .و هكذا فان النضال القومي في مآله هو نضال طبقي . و من جانب آخر فان النضال الطبقي للجماهير الكادحة هو نضال ضد الاقطاع و البرجوازية و هذه الطبقات المستفيدة من واقع التجزئة فهي معادية للوحدة لذلك فالنضال الطبقي ضدها هو نضال قومي في مآله الأخير . ان موضوعة الترابط بين النضالين القومي و الطبقي أعطت للنضال القومي مضامينه الاجتماعية الاشتراكية و أنقذته من الصيغة ( البسماركية ) كما انها من الجهة الثانية أنقذت النضال الطبقي من الدائرة الضيقة التي سجنه فيها اليسار اللاقومي " (27).
أن حزب البعث العربي الاشتراكي يرى أن موقف الفرد من النضال الاشتراكي لا تحدده الطبقة التي ينتسب اليها انما الطبقة التي يناضل من أجلها الا أن هذا الانتماء الجديد على صعيد الفكر لا يمكن ان يكون جديا الا بالانسلاخ التام عن قيم و مثل الطبقة السابقة ( فكريا و سلوكيا ) مع توافر الضمانات اللازمة لمنع ظهور القيم البائدة مجددا و بتر أية بادرة تشير الى ذلك(28) .
و مما تجدر الاشارة اليه في دراستنا للانحدار الطبقي للفرد و أثره على الانتماء السياسي ان ننبه الى مسألة قد تفوت على الكثير من الكتاب و الباحثين الذين يربطون ربطا ميكانيكيا بين انحدار الفرد الطبق و انتمائه السياسي . و يمكن القول بأنه لا توجد معايير عملية دقيقة تستطيع أن تحدد العلاقة بين الانحدار الطبقي للفرد و بين انتمائه السياسي ، فمن خلال مراجعتنا للتاريخ السياسي يتضح لنا أن هناك كثيرا من الزعماء و الثوريين كان لهم دور فعال في أغناء الفكر الثوري و الحركة الثورية بالرغم من أنهم ينحدرون من أصول برجوازية و نرى من جهة أخرى أن هناك أعداد وفيرة ممن ينحدرون من أصول عمالية و فلاحية ينتمون الى الأحزاب البرجوازية و يحاولون التقليد و التشبه بالبرجوازية و ان كان غالبا أن الذين ينحدرون من أصول كادحة ( فلاحية و عمالية ) يمتلكون استعدادا في تقبل و حمل الأفكار الثورية و الدفاع عنها .
و اذا كان التباين الطبقي الواضح في المجتمعات المتطورة صناعيا يساعد على الربط بين الانحدار الطبقي للفرد و انتمائه السياسي الى حد ما فان خصوصية التطور الاقتصادي و الاجتماعي في الدول النامية و التي تتمثل بضآلة التباين الطبقي تؤدي الى صعوبة تطبيق مثل تلك المعايير الموجودة في المجتمعات المتطورة .
و اذا أخذنا مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي ، فان انحداراتهم من الفئة الدنيا من البرجوازية الصغيرة لم تمنعهم من تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي جسد في مبادئه و أهدافه مصالح و مطامح الجماهير العربية الكادحة من أجل ازالة كل أشكال التخلف و التجزئة و الاستغلال و بناء مجتمع عربي عصري متطور يأخذ مكانه بين دول العالم.
ان بداية التفكير بانشاء حزب البعث العربي تعود الى أوائل عام 1939 ،حيث قام ميشيل عفلق و هو شاب من مثقفي دمشق و صلاح الدين البيطار ،زميله في الدراسة في فرنسا ،بالتفكير في انشاء الحزب حيث لم يتوافقا مع الحركة الوطنية آنذاك ولا مع الحزب الشيوعي .
ولد ميشيل عفلق في دمشق عام 1910 من عائلة متواضعة و كان والده من صغار تجار الحبوب و كان قوميا متحمسا و قد أوقف عدة مرات بسبب نشاطه القومي .
و قد درس ميشيل في جامعة السوربون في فرنسا مادة التاريخ للفترة من 1928-1933 ، كما درس سنتين في كلية الحقوق أيضا و درس زميله صلاح الدين البيطار الفيزياء في نفس الفترة و عادا الى دمشق بعد حصولهما على الليسانس كل من اختصاصه و عينا كمدرسين في مدرسة التجهيز الأولى (الثانوية الحكومية في دمشق ) (29).
و في باريس أطلع ميشيل عفلق على الأفكار الاشتراكية التي عمقت لديه الفكر القومي و الانساني و يقول في هذا الصدد: " قبل مجيئي الى فرنسا لم أكن سوى قومي تأثرت جدا بوالدي الذي قام بدور فعال في النضال ضد الفرنسيين فسجن عدة مرات ان القومية تعتبر واقعنا المحلي لكنني اكتشفت و البيطار الاشتراكية في فرنسا و عندما عدنا كنا متلهفين لايصال هذه الأفكار الى الجيل الجديد " (30).
و قد وصف ميشيل عفلق و صلاح البيطار تجربتهما الدراسية في فرنسا بقولهما :" في عام 1928 قبل أن نذهب الى أوروبا كانت نظرتنا للقومية على أنها صراع بين الأمة و المستعمر و كان اسم أولئك الذين يتعاونون مع الأجنبي هو الخونة و الذين يقفون ضده الوطنيين .ثم ذهبنا الى فرنسا ووجدنا دعما من الشيوعيين لقضيتنا القومية … و قرأنا للكثير من مفكري الغرب الليبراليين و كونا صورة لمجتمع واع متحرر من البؤس و الفساد و لقد اكتشفنا بأننا لم نكن نعاني من الجروح التي صنعها الأجنبي فحسب بل من جروح اجتماعية أيضا و ذلك لأن مجتمعنا كان غارقا في الجهل و الزيف عندها أدركنا أن النضال ضد المستعمر يجب أن يقوم به الشعب كله . ثم عدنا الى سورية لنجد أن قادتها الوطنيين كانوا من الناس الذين لا يستطيعون رؤية أي شيء يتخطى مصالحهم الاقتصادية و العائلية … و كان على النضال ضد المستعمر لكي يكون مجديا أن يضمن تغييرا في الفكر و تعميقا في الوعي القومي و المستوى الأخلاقي و ذلك كله يتصل بالحياة الفكرية و الأخلاقية للأمة " (31).
و في سلسلة من المقالات نشرت منذ بداية الأربعينات في كتاب ( في سبيل البعث ) أعلن ميشيل عفلق نظريته التي تستند الى القومية و الاشتراكية و الوحدة العربية من أجل اقامة المجتمع الاشتراكي الديمقراطي الموحد و استمر تأثير ميشيل عفلق الفكري على الأمة العربية التي شخص أمراضها في التجزئة و التخلف و الاحتلال الأجنبي و وضع لها الحلول في النضال الشعبي و الوعي القومي و الاشتراكي لتحقيق وحدة الأمة العربية ، حيث يعتبر الأستاذ ميشيل عفلق من أبرز المنظرين للفكر القومي الاشتراكي العربي (32) .
ان ايمان مؤسسي البعث العميق بالقومية العربية و بأصالة الوجود العربي ،و قدرأت و طاقات الجماهير العربية هذا الايمان خلق لديهم الوعي الثوري و النظرة الاشتراكية القومية الواعية و المتجاوزة لأبعاد و حدود الاندفاع و الفوران القومي العاطفي .
ان ايمان مؤسسي البعث العميق لحقيقة التناقضات و الأمراض تنخر في جسم الأمة العربية أدى بهم الى وضع الدواء الثوري الناجع فالوعي الثوري الذي امتلكه مؤسسو البعث أدى بهم الى طريق لا ثاني له ،فأما انبعاث أمة و تحقيق لذاتها بين الأمم و اما دويلات و شعب ممزق فالذي حصل أن مؤسسي البعث لم يترددوا في اختيار الطريق الأول لا لانهم قد حرموا حرية الاختيار بل لان اكتشافهم لهذه الحقيقة الموضوعية كان تعبيرا عن مرحلة نضجهم القومي الثوري .
و بناء على ما تقدم يمكن القول بان الوعي القومي العربي اذا ما توصل له الانسان العربي ،أيا كان انحداره الطبقي فان تقييما انقلابيا سيتفجر في أفكاره و مبادئه و بالتالي فان هذا الانسان كأنما ولد مولدا جديدا من الناحية الفكرية و العقائدية و هذا كان حال مؤسسي الحزب في بداية نشوئه(33) .
ان تحليل الواقع الطبقي في المجتمع العربي يشير الى وجود تكافؤ في الوزن الطبقي للفلاحين و العمال .بل ان التخلف الاقتصادي و الاجتماعي الذي يسود اوساط الفلاحين أكثر عمقا منه لدى العمال . و لذلك فان الفلاحين أصحاب مصلحة أساسية بقيام النظام الاشتراكي ،مع الاقرار بالمستقبل الطبقي للعمال نتيجة توسع قطاع الصناعة ،و دخول الآلية و الأساليب العلمية الحديثة في الزراعة (34) .
و في سلسلة من الاطروحات و المقالات التي كتبها الأستاذ ميشيل عفلق توضح النقاء الفكري الأصيل تجاه النظرة الطبقية لحزب البعث .فقد جاء في المؤتمر الاول لاتحاد نقابات العمال العرب المنعقد في دمشق في آذار 1956 حيث قال الاستاذ عفلق : "… و اذا كان في وطننا العربي فئة مهيئة لان تتحرر قبل غيرها من هذه المصالح و الرواسب و أن تجسد في تفكيرها و نضالها وحدة القضية العربية ، فأنها تكون فئة العمال العرب بصورة خاصة و جماهير الشعب الكادحة بوحه أعم ،لان هذه الجماهير تعاني بالتجربة اليومية الحية هذه الحقيقة الناصعة و هي ان أعداءها هم أنفسهم اعداء الأمة العربية " (35).
و في حديث للأستاذ عفلق في مقر الاتحاد العام لنقابات العمال في 28 أيار 1969 يمكن أن نتلمس بوضوح نظرة الحزب الجدية و العلمية لدورالطبقة العاملة كما سبق ان أكدته أدبيات الحزب و مقررات مؤتمراته القومية يقول الاستاذ عفلق :" ففكرة هذا الحزب منذ أن ظهرت من ضمائر الجيل العربي الجديد ،قامت على الايمان بان البعث لن يقوم الا على نضال الاكثرية الساحقة من أبناء الشعب العربي .هذه الاكثرية الساحقة المحرومة الكادحة المتألمة هي التي تملك القوى المنتجة الخلاقة في أمتنا ،و هي التي تمكن فيها قوى الثورة و التحرر و الخلاص " (36).
ثم يضيف الاستاذ عفلق مؤكدا على أن تكون الغالبية في التركيب الاجتماعي للحزب من العمال :" و كما ان الأمة العربية تتالف من أكثرية ساحقة من الطبقة الكادحة فيجب ان يصبح حزب البعث العربي الاشتراكي أكثريته الساحقة من هذه الطبقة أيضا . لن نطمئن على أهدافنا ، لن نطمئن على مستقبل امتنا . لن نطمئن على سلامة تركيب حزبنا و سير قيادتنا اذا لم تكن الطبقة العاملة و الطبقة الكادحة بالاجمال ،هي الأكثرية المسيرة الموجهة لهذا الحزب . ففيها الضمانة لان مصلحتها في ان يبقى سير الحزب ثوريا محافظا على المبادئ ،أمينا على الأهداف لا يساوم ولا ينحرف ولا يرضى بالأهداف القريبة السهلة " (37).
و يعزو الاستاذ عفلق ،سبب تخلف الأمة العربية و تعثر خطواتها الثورية و الكبوات التي أصيبت بها ، الى النظرة الخاطئة لدور الطبقة العاملة حيث يقول :" المرض الأساسي الذي منع الثورة العربية من أن تؤتي كل ثمارها ،و أن تصل الى كل أهدافها و غاياتها … هو نقص في نظرتها الى الشعب ،نقص في نظرتها الى دور الكادحة و الطبقة العاملة .و هذا هو موطن الداء الذي يجب أن نسلط عليه الاضواء لكي تكون معالجته منطلق تجديد و تصحيح لثورتنا في وطننا العربي " (38).
ثم يكشف الاستاذ عفلق عن العلاقة بين مبادئ الحزب الاشتراكية و دور الطبقة العاملة الذي تلعبه في التغيير الثوري حيث قال " لا يمكن ان نكون اشتراكيين ان ندعي الاشتراكية و أن نبقي دور الطبقة العاملة محدودا ،مراقبا ،و ان ننظر اليها و كأننا لسنا منها و ليست منا . نحن جزء من الطبقة العاملة .الاشتراكيون الصادقون يعتبرون أنفسهم جزءا من الطبقة العاملة .الحكم الاشتراكي هو الحكم الذي تقوده الطبقة العاملة ،ينظر الى امكانياتها في المستقبل ،أكثر مما ينظر الى نواقصها في الحاضر …" (39).
و يحدد الأستاذ عفلق معيار صحة و سلامة مسيرة الثورة العربية حيث يقول "لم يعد جائزا أن ننادي بالاشتراكية و ننادي بالتقدمية ،و أن نكون أوصياء على الطبقة العاملة في الثورة العربية حيث " لم يعد جائزا أن ننادي بالاشتراكية و ننادي بالقومية وننادي بالتقدمية ،و أن نكون أوصياء على الطبقة العاملة ،بل ينبغي على الفئات الثورية من المثقفين الذين أخلصوا لاهداف الثورة العربية العربية و لمصلحة الطبقة العاملة و الطبقات الكادحة و تفهموا بوعي و عمق دور هذه الطبقة الأساسي ،أن يضعوا يدهم بيد الطبقة العاملة و أن يشركوها اشراكا فعليا في المسؤولية .." (40).
و نخلص من كل ما تقدم ،ان حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب طبقي ،هو حزب الطبقات الكادحة من عمال و فلاحين و من العناصر التي تربط مصيرها بمصير الطبقات الكادحة المسحوقة .
و اذا نعود للانعكاسات التي تركها ميلاد الحزب على صعيد حسم موضوعة الهوية الطبقية لاداة الثورة العربية ،نقول أن الحزب قد أكد انحيازه الطبقي الحاسم لجماهير الكادحين ،فقد جاء على لسان الاستاذ عفلق في منتصف الخمسينات ان" المسألة الان هي أحياء عشرات الملايين من أفراد الشعب العربي ،و لو اقتضى الامر موت عشرات أو مئات من الاقطاعيين العرب" (41) .ان هذا الانحياز الطبقي ، يقترن بموقف ثوري حاسم لا مجال فيه للآراء الوسطية و التوفيقية التي تروج في الساحة العربية ( محبة الطبقات ) (42).
وردا على سؤال وجه للأستاذ عفلق حول ما ورد في كتابات الحزب من ان حزب البعث العربي الاشتراكي حزب الطبقة العاملة ،وفي كتابات أخرى ان حزب البعث حزب الطبقات الكادحة ،أجاب الاستاذ عفلق قائلا :" مع أن الفرق ليس كبيرا ولا جوهريا بين الطبقة العاملة و الطبقات الكادحة … أقول بأن الحزب كان دوما يتوجه الى الجماهير الكادحة ،الى الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب العربي ،و في كل كتابات الحزب من أول نشوئه حتى الان ، يركز على الاكثرية الساحقة التي هي من جهة تتحمل نتائج الاستغلال و الظلم و الغبن، و من جهة أخرى فيها تكمن القوى الحية للأمة ،فيها تكمن الطاقات و القدرات الخلاقة ،التي بها ،و ليس بأي طبقة أخرى ،تحقق الأمة العربية أهدافها الثورية .
فاذا أخذنا تعبير الطبقة العاملة حرفيا بأنها هي طبقة العمال في المدن ،عندها نقول بأن ليس هذا فكر البعث لانه لا يحصر الموضوع بالطبقة العاملة ،ليس هو فقط حزب العمال بل هو حزب الجماهير العربية الواسعة الكادحة التي وضعت في طريق انطلاقها حواجز ضخمة من الاستغلال الطبقي و الاستبداد و النهب الاستعماري و كل أنواع الظلم ،هذه هي نظرة الحزب في مفهومنا … تتناول كل الطبقات المحرومة و الشعبية المظلومة سواء أكان عملها يدويا أو فكريا قتاليا … (43)
و في كلمة القاها الاستاذ عفلق في مقر الاتحاد العام لنقابات العمال في القطر العراقي في 23/6/1974، يوضح نظرة الحزب للهوية للطبقية لاداة الثورة العربية و يؤكد ما طرحه الحزب سابقا من أن القيادة للطبقة الكادحة و في طليعتها الطبقة العاملة حيث يقول : …" ان الطبقة الشعبية الكادحة و في طليعتها الطبقة العاملة تحوي الصورة الكاملة و الشروط الكاملة للثورة العربية . هذا هو الأصل .هذا هو الجسد و الفئات و الأوساط الثورية الأخرى تأتي كمساعدة كمكملة في ناحية من النواحي أما الأصل فهو الشعب ،العدد الأكبر بطبقته الكادحة بروحه الممتحررة الثائرة في حياته الممثلة لالام أمتنا و الممثلة أيضا لارادتها و لطموحها … (44)
و في حديث للاستاذ ميشيل عفلق في ذكرى 1 أيار عيد العمال 1977 جاء فيه :
1_ أن نظرتنا القومية الاشتراكية قرنت دوما الطبقة العاملة بالطبقات الكادحة و أعتبرت هذه الطبقة العاملة طليعة لمجموع الشعب المنتج الكادح لا تتحقق مصلحتها الا بتحقيق مصالح الجماهير الشعبية الواسعة .فنضال الطبقة العاملة كطبقة مستقلة قد يوصل في أحسن الاحوال الى ادخال بعض الاصلاحات على أوضاع العمال الاقتصادية و الاجتماعية .أما نضال الطبقة العاملة الممثل لمصالح الجماهير الشعبية الكادحة و المتضامن معها فهو وحده النضال الاشتراكي .
2_ ان تظرتنا القومية و الاشتراكية آمنت منذ البدء بوحدة نضال الجماهير العربية الكادحة على امتداد الوطن العربي و اعتبرت هذه الوحدة الطرق الوحيد الى تحقيق الأهداف القومية .
3_ أن تظرتنا القومية و الاشتراكية آمنت بالارتباط المصيري بين المثقفين الثوريين و الجماهير الشعبية الكادحة و بأن هذا الارتباط هو الذي يجعل من الثورة العربية المعاصرة ثورة تاريخية لها اشعاع انساني و تأثير عالمي .و هذا يقترض أن يكون دور المثقفين دور مشاركة صادقة تؤهل هذه الجماهير لاستلام مقدراتها بيدها و ذلك بالممارسة الديمقراطية ".(45).
و بناء على كل ما تقدم يظهر أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب طبقي ،و ان تركيز الحزب على استخدام الجماهير الكادحة ،بدل (الطبقة العاملة ) و كما مر معنا، انما يعبر عن أصالة الحزب ،و انطلاقه من تحليل علمي رصين لخصوصية التركيب الاجتماعي للمجتمع العربي ،ورفضه للأفكار و الاستنتاجات و التعميمات التي ذهب اليها الكثير من الاحزاب و الحركات السياسية ،ان حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب الجماهير العربية الكادحة.
ــــــــــــــــــــــ
بحث منشور بمجلة آفاق عربية العدد 8 السنة الرابعة نيسان 1979 صفحة 18-25
الهوامش :
-1/ أعتمد في هذا البحث على أطروحة للماجستير الموسومة : الفكر الإشتراكي لحزب البعث العربي الإشتراكي : مقدمة الى كلية القانون والسياسة ببغداد بتاريخ 15/05/1978.
-2/ للإطلاع على تفاصيل الموضوع يرجى مراجعة رسالة الماجستير صفحة 164-191.
-3/ أنظر الدكتور محمود ربيع : نظم الحكم في المشرق العربي ؛ محاضرات بالرونيو جامعة بغداد 1975-1976 – صفحة 79.
وللمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع أنظر : د . شمران حمادي : الأحزاب السياسية والنظم الحزبية : بغداد 1975 صفحة 155-165. وكذلك د . صادق الأسود : علم الإجتماع السياسي : مطبعة الإرشاد بغداد 1973 صفحة 232-236.
-4/ د. محمد محمود ربيع : المصدر السابق صفحة 172.
-5/ جريدة الثورة العربية : جريدة الحزب الداخلية ؛ عدد 1-2 السنة الثالثة 1971 صفحة 45.
-6/ جريدة الثورة العربية : جريدة الحزب الداخلية : عدد 5-6 السنة الثالثة 1971 صفحة 87.
-7/ جريدة الثورة العربية : جريدة الحزب الداخلية : عدد 1-2 السنة الثالثة 1971 صفحة 55.
-8/ عزيز السيد جاسم : الثورة العربية ومهمات العمل التقدمي : منشورات دار الأديب العراقي بغداد 1969 صفحة 3-5.
-9/ د . شفيق السامرائي : حزب البعث العربي الإشتراكي ودوره في السياسة العربية منذ نشأته حتى اليوم : أطروحة دكتوراه غير منشورة – جامعة نيس فرنسا 1976 صفحة 31.
-10/ د . شفيق السامرائي : نفس المصدر صفحة 27.
-11/ مقابلة مع الأستاذ شبلي العيسمي ؛ بغداد 29/09/1977.
-12/ ميشيل عفلق : نقطة البداية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر : بيروت : طبعة 5 : 1974 صفحة 110.
-13/ مقابلة مع الأستاذ شبلي العيسمي بغداد 29/09/1977.
-14/ مقابلة مع الأستاذ شبلي العيسمي بغداد 29/09/1977.
-15/ د . إلياس فرح وآخرون : أحاديث في القومية والتقدم : دار الطليعة بيروت 1973 صفحة 3-5.
-16/ مقابلة مع الأستاذ شبلي العيسمي بغداد 29/09/1977.
-17/ نضال البعث : الجزء الخامس : دار الطليعة بيروت طبعة 2 – 1971 صفحة 10.
-18/ بعض المنطلقات النظرية للمؤتمر القومي السادس : دار الليعة بيروت : صفحة 76-77.
-19/ مقابلة مع الأستاذ شفيق الكمالي : بغداد في 28/11/1977.
-20/ مقابلة مع الأستاذ شبلي العيسمي : بغداد 29/09/1977 وأنظر للتفاصيل حول نشاط الحزب ودوره في النضال الشعبي : الأستاذ شبلي العيسمي : حزب البعث العربي الإشتراكي مرحلة النمو والتوسع : صفحة 114.
-21/ مقابلة مع الأستاذ شبلي العيسمي : وحول ظروف ومبررات إندماج حزب البعث مع الحزب العربي الإشتراكي أنظر الأستاذ شبلي العيسمي : حزب البعث العربي الإشتراكي : مرحلة النمو والتوسع : مصدر سابق : صفحة 294-299.
-22/ جريدة الثورة العربية : جريدة الحزب الداخلية : العدد الثالث المجلد السابع 1975 صفحة 111.
-23/ الحزب القائد في النظرية والتطبيق : المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت طبعة 2 – 1972 صفحة 41 وأنظر كذلك : نضال البعث الجزء 5 مصدر سابق صفحة 131.
-24/ د . إلياس فرح : الفكر العربي الثوري أمام تحديات المرحلة : المؤسسة العربية للدراسات والنشر : بيروت صفحة 25.
-25/ الحزب القائد في النظرية والتطبيق : مصدر سابق صفحة 41-42.
-26/ جريدة الثورة العربية : العدد الثالث : المجلد السابع : 1975 صفحة 107 .
-27/ جريدة الثورة العربية : نفس المصدر : صفحة 108.
-28/ نفس المصدر : صفحة 109.
-29/ نفس المصدر : صفحة 109-110.
-30/ جريدة الثورة العربية : العدد 5-6 السنة الثالثة 1971 صفحة 139.
-31/ د . شفيق السامرائي : مصدر سابق : صفحة 17.
-32/ باتريك سيل : الصراع على سورية : ترجمة سمير عبده : دار الأنوار بيروت 1968 صفحة 199.
-33/ باتريك سيل : نفس المصدر صفحة 199.
-34/ باتريك سيل : نفس المصدر صفحة 199.
-35/ د. شفيق السامرائي : مصدر سابق صفحة 21-22.
-36/ للإطلاع على مزيد من لتفاصيل عن حياة مؤسسي البعث أنظر :
- د . شفيق السامرائي : مصدر سابق صفحة 17-24.
- د . مجيد خدوري : عرب معاصرون : الدار المتحدة للنشر بيروت 1973 صفحة 374 وما بعدها .
-37/ جريدة الثورة العربية : العدد 5-6 السنة الثالثة 1971 صفحة 139.
-38/ ميشيل عفلق : في سبيل البعث : دار الطليعة بيروت 1974 طبعة 11 صفحة 318.
-39/ ميشيل عفلق : نقطة البداية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1974 طبعة 5 صفحة 77-78.
-40/ نفس المصدر : صفحة 79.
-41/ نفس المصدر : صفحة 125.
-42/ نفس المصدر : صفحة 132.
-43/ نفس المصدر : صفحة 138.
-44/ ميشيل عفلق : البعث والإشتراكية : المؤسسة العربية للدراسات والنشر : بيروت 1973 صفحة 51.
-45/ جريدة الثورة العربية : العدد 3 المجلد السابع 1975 صفحة 110-111.
-46/ ميشيل عفلق : البعث والتراث : دار الحرية للطباعة والنشر بغداد 1976.
-47/ ميشيل عفلق : البعث والعراق : المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت : بدون سنة نشر : صفحة 47.
-48/ حديث الأستاذ عفلق المنشور في جريدة الجمهورية العدد 2946 في 30/04/1977.
منشورات الطليعة العربية في تونس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدبيات البعث | السمات:أدبيات البعث
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























