البعد الروحاني في فكر البعث

أكتوبر 7th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

البعد الروحاني في فكر البعث

 

 

زامــل عــبـــد

 

 

تناولنا في أكثر من موضوع الأسباب الحقيقية لولادة فكر البعث وما يشكله في  ضمير الأمة العربية كونه الاستجابة الحية الصادقة للحاجة الجماهيرية والرد الواعي على كل المعاناة التي تعانيها الأمة بجماهيرها و الواقع الذي فرض على الأمة بفعل التأمر  والعدوان الذي تعرضت له منذ سقوط الدولة العربية الإسلامية  عام 1258 وما فعلته القوى الشعوبية لتدمير الحاضرة العلمية والازدهار الذي تمكن العرب من نشره في أرجاء المعمورة تفاعلا مع حضارات الشعوب الأخرى بروحية إنسانية تنشد التقاء إرادة الخير من اجل النمو والازدهار ، وان هذه الولادة لم تكن مجردة بل  أخذت من العمق التاريخي للأمة والفعل الثوري في كيانها الذي جسده الإسلام كونه الثورة الاجتماعية الكبرى التي  أرادها الله في هذا المكون البشري الذي اخرج خير امة للبشرية كي تقوم بدورها الرسالي  وهداية الشعوب والأمم الأخرى إلى طريق الحق والهداية ببعده الإنساني التفاعلي بحوار حول الدين والتراث وما تتعرض له الأمة من هجمة يقول الرفيق القائد المؤسس رحمه الله  ((  انه حي في هذا العصر أكثر من أي شيء آخر ، عصري ، ومســــــــــــتقبلي أيضا ، لأنه خالد يعبر عن حقائق أساســـــــــية خالدة ، لكن المهم هو الاتصال بهذه الحقائق لكي تؤثر وتكون فاعلة ومبدعة ، فكان رأي الحزب نتيجة التفكير ونتيجة المعاناة معا ، إن هذا الاتصال لا يكون بالنقل الحرفي ، ولا بالتقليد وإنما بان تكتشـــــــــــــــف هذه الحقائق من جديد ، من خلال ثقافة العصر ومن خلال الثورة والنضال ))  ،  من هنا نجد أن البعث العربي فعل لأبناء صادقين الرؤية والإيمان بقدر أمتهم وضرورة تمكنها من  التحرر والانطلاق برسالتها التي  شابها الركود والانزواء بسبب حجم الهجمة ومنفذيها والظروف التي  سادت بفعل ذلك مازجين فيما بين  الماضي التليد والواقع الســــــــائد والمســـــــــتقبل المنشود من حيث الأفق الرسالي  الذي يتمنون أن تؤديه أمتهم  انبعاثا" لدورها حيث يقول  ((  الحزب وضع مبادئ عقلانية علمية للثورة العربية أستنبطها من ثقافة العصر ، ومن واقع الأمة العربية واقع جماهيرها الواسعة جماهيرها الكادحة ، ورسم لهذه الجماهير طريقا للنضال من اجل بلوغ أهدافها وفي الوقت نفسه وضع هذا النضال في جو الرسالة العربية وقيمها الروحية والأخلاقية أي انه وضع ثورة الجماهير العربية في أفق حضاري متصل بماضي الأمة وتراثها الخالد من اجل تجديد هذه الرسالة في المستقبل )).

البعث العربي يراد منه انبعاث الإرث الحضاري  والعقل الإبداعي  وروح الإنسانية التي كانت لب الحياة اليومية في ألامه كونها  القوة التي حباها الله  بالدور  الرسالي التبشيري لما تختزنه من قيم ومفاهيم تؤهلها لحمل الرسالات السماوية وان تكون موطن حي للأنبياء والرسل والرسالات التي بشروا بها أقوامهم إن كانت محدودة أو ببعدها الاممي الأوسع وخاتمتها الإسلام ونبي الرحمة وخاتم الأنبياء العربي ألمضري الهاشمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وأله وسلم  الذي بعث رحمة للعالمين و على خلق عظيم  كي يكون الشخصية التي  تقوم بالدور الرسالي اللاحق ، وقوفنا عند حدث مهم في تأريخ البعث العربي عام 1943 والكلمة التي ألقاها القائد المؤسس بذكرى ولادة الرسول العربي ( ص ) يتبين بوضوح البعد الروحاني الوجداني  الجدلي في فكر البعث وهو في مرحلته التبشيرية الأولى وما يشكله من أفق مستقبلي لحركة ال

المزيد


العروبة والدين والاسلام في فكر القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق

يونيو 27th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

العروبة والدين والاسلام في فكر القائد المؤسس

 

 

المحامي احمد النجداوي

 

كنت قد شاركت في الندوة القومية حول فكر القائد المؤسس التي كانت انعقدت في بغداد ما بين 23-26 حزيران عام 1990 فقدمت ورقة بعنوان (القومية والإنسانية في فكر الأستاذ ميشيل عفلق) فقلت في مطلعها أن الكتابة والبحث في فكر أستاذنا ورفيقنا وقائدنا المؤسس، ليس بالأمر السهل خاصة بالنسبة لنا نحن البعثيين الذي عرفناه في وجداننا وضمائرنا قبل أن عرفته عيوننا.

واليوم وبعد تسعة عشر عاماً اكرر ذلك القول في ذكراه العطرة دائماً لأتابع الموضوع عن العروبة والدين والعلمانية في فكر القائد المؤسس وإعادة البحث وقراءة ما كتب أو تطرق إليه في خطابه الفكري والسياسي في تلك الجوانب لان ذلك كان وسيبقى خالداً في ضمائرنا نحن البعثيون الذين سرنا ونسير نضالياً على وقع أقواله وتعاليمه، وتلك هي " كلمة السر " في فكره التي حفظت وستبقى ويجب أن تبقى حافظاً لنا صحة واستقامة طريقنا وسلامة نهجنا الذي قبلناه لأنفسنا بأمانة… تلك العبارة التي أوصانا – يرحمه الله – بأن ينقلها كل فرد منا للآخر (إنها ليست نظرية يُبرهن عليها وليست دستوراً رياضياً ولكنها الميزة التي تميز الإنسان في كل عصر

ولقد اخترت في ورقتي هذه أن اعرض استخلاصاً في العروبة والدين بصورة عامة والإسلام بصوره خاصة في فكر أستاذ البعث المرحوم الأستاذ ميشيل عفلق حيث كتب عنها الكثيرون من المثقفين ورجال الفكر الذين تتبعوا كتاباته في مختلف العهود بدءاً من التأسيس للحزب والى أن التحق أستاذنا بالرفيق الأعلى:

أولاً: العروبة بين الايمان والالحاد:

ابتداءً لا بد من القول أن الأستاذ ميشيل وبحكم نشأته ووضعه الأسري كان قد عايش العروبة المسيحية قبل أن يعايش العروبة والإسلام بل أن استخلاصاته المهمة في العروبة والإسلام قد برزت من خلال معايشته لكل تلك الأوضاع وما أتاحه له ذلك من الدراسة والتأمل فكان يجد في ذلك ميزه له يمتاز بها عن غيره، لذلك يتضح للباحث أن فكره قد تبلور هنا حول موقف العروبة من كل الإيمان والإلحاد وصولاً إلى التساؤل: هل في مقدور الأمة العربية أن تتحرر من الدين كما حاول غيرها من الأمم أم لا؟

يقول الباحث الدكتور محمد احمد خلف الله حول ذلك أن ميشيل عفلق قد سلك سبيلين في تناوله لهذه القضية:

الأولى: دور الدين بصفة عامة في الحياة الإنسانية.

الثانية: دور الدين في العروبة بصفة خاصة وهل يمكن استغناؤها عن هذا الدور وكيف..؟

- وقد أجاب الأستاذ عفلق على تلك التساؤلات بقوله:

(الدين كما يظهر لنا من استعراض تاريخ البشر منذ أقدم العصور إلى اليوم هو شيء أساسي في حياة البشر…)

ويضيف القول:-

(الدين تعبير صادق عن إنسانية الإنسان وانه يمكن أن يتطور ويتبدل في أشكاله، وان يتقدم أو يتأخر، ولكنه لا يمكن أن يزول)

في سبيل البعث، ج/1، صفحة 125 و 126

إلى أن يقول-

(حقيقة الأمة العربية لا تكتمل إلا بالإيمان، إلا أن تسري روح الرسالة في جماهير هذه الأمة… وان الدين خالد – وان كانت أشكال التدين ومستوياته خاضعة للتطور)

لكن يجب أن لا ننسى ابتداءً ونحن نتعمق في دراسة فكر أستاذنا حقيقة هامة وهي أن فكره في هذه الموضوعات هو الفكر السياسي البعيد عن الموضوعات الدينية الخالصة من مثل الغيبيات والمسائل الأخرى الموكولة لرجال الدين أو المؤسسات الدينية، لذلك نراه يقف من الدين عند الجوهر وبما يتصل بالنضال وحياة الناس ذلك أن الدين يهدف من وجهة نظره إلى رفع الظلم وإشاعة العدل ويقول (لا دين مع الفساد والظلم) لذلك كان وهو يرفض العلمانية بالمفاهيم الغربية حيث أخذها البعض بمفهوم التحرر من الدين وإهمال كل ما له علاقة بالدين والتراث أو بتر لأي شيء في قوميتنا وتاريخنا فإنه يدعو إلى إعمال الفكر في تفسيراته للوقائع والمستجدات من الأحداث بعين الحاضر وينظر إلى الماضي ذاته ولكن بعين الحاضر ولكي يجره إليه ويبعث فيه الحيوية والنشاط فيما ينظر رجال الدين إلى تلك الوقائع ويجدُّ في تفسيره لها بعين الماضي ويسعى في إيجاد الحلول لها تأسيساً على التراث العتيق.

ووجه الاختلاف هنا عند الأستاذ: أن هناك ظروفاً موضوعية للأمة العربية تفرض الثورة والتحدي في المواجهة المصيرية مع الاستعمار الغربي والحضارة العربية وتحديات الفكر الشيوعي آنذاك.

ويقول الدكتور محمد عابد الجابري:

كان موقف الأستاذ ميشيل من الدين واضحاً ومتكاملاً عبر عنه بقوله:

(إن الروح هي الأصل في كل شيء، وان الدافع الروحي العميق لا يسيطر على المادة والوسائل فحسب وإنما يخلقها أيضا)

وقد أورد الدكتور الجابري انه انطلاقاً من هذا المبدأ يعلن بوضوح أن حزب البعث يطرح جانباً ذلك الاستخفاف الرخيص بالدين الذي يظهر عند بعض السطحيين مؤكداً (إن موضوع الدين هو موضوع جدي… ولكن يجب أن نفرق بين الدين في حقيقته ومرماه وبين الدين كما يتجسد أو يظهر في مفاهيم تقاليد وعادات ومصالح في ظرف ومكان معينين)

إلى أن يصل إلى القول:

(لا دين مع الفساد والظلم والاستغلال لان الدين الحقيقي هو دوماً مع المظلومين ومع الثائرين على الفساد… إن الدين وجد ليشجع الإخاء ويحمي الضعيف ولكنه أصبح بممثليه سياجاً لكل المساوئ ومنها الظلم والفساد والإلحاد)

هذا الموقف العام من الدين لأستاذ البعث الذي يرفض في آن واحد الإلحاد واستغلال الرجعية للدين، وينظر بالمقابل إلى الدين على انه يقع في صميم القضية العربية هو موقف بعثي ثابت متعدد ومتكامل الأبعاد. ومن جهة أخرى نرى موقفه من الأيديولوجيات الدينية القائمة يتصف بالسلبية لأنها لا تؤدي (الغرض القومي) ولا توصل إلى نتيجة ايجابية حسب تصوره، كما يرى ضرورة معالجة التخلف ليس بالنظر إلى الماضي نظرة جمود فيقول إن الأمانة للماضي هي في الاختلاف عنه وبمقدار ما نختلف مع الماضي نكون أوفياء وأمناء له أي ان نأخذ منه الروح والجوهر من اجل تجديد الحياة وهو يرى أن الدين خالد ولكن قد يطرأ ما يشوهه لذا يجب التجديد فيه وليس التقليد.

ثانياً: العروبة والاسلام:

عالج الكثيرون من المفكرين العرب والرواد منهم مسألة الترابط بين العروبة والإسلام التي كانت قد برزت في إطار غير دقيق خلال الفترة التي سعى فيها الغرب الاستعماري لتمزيق الدولة العثمانية التي كان الوطن العربي يخضع في معظمه لها، وكانوا ومنهم الأساتذة ساطع الحصري وزكي الارسوزي وعبر الرحمن الكواكبي في معالجتهم لتلك المسألة يتعرضون لضرورة الإجابة على السؤال (من نحن؟) وهكذا كان مفهوم (بعث الإسلام) و (بعث العروبة) متكاملين لدى أولئك الرواد ولم يكن في تاريخ العرب الحديث حتى أواخر العشرينات ثمة ما يشير إلى وجود تناقض بين مفهومي (بعث الإسلام) و (بعث العروبة) حتى أن مرشد الإخوان المسلمين في مصر حسن البنا نفسه كما ذكر ذلك الدكتور الياس فرح كان يعتبر الطريق للوحدة الإسلامية هو الطريق إلى الوحدة العربية ولم يكن يجد تعارضاً بين (الدائرة الإسلامية العربية) و (الدائرة الوطنية الإسلامية) لكن بعض ردود الفعل السلفية على المفاهيم والنظريات الغربية خلال ثلاثينات القرن الماضي أدت إلى التركيز على الايدولوجية الدينية و (الطابع العالمي للإسلام) وان شريعة الإسلام وحدها صالحة لكل زمان ومكان وان (الإسلام دين ودولة) واشتمل التركيز بكل أسف على القول بأن (القومية) تتعارض مع (الإسلام) بطابعه العال

المزيد


التركيب الإجتماعي لحزب البعث العربي الإشتراكي

يونيو 16th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

التركيب الإجتماعي

لحزب البعث العربي الاشتراكي

 

محسن أحمد محمد

 

 

لقد اختلف الباحثون (1)  في علم السياسة في دراستهم للأحزاب السياسية فمنهم من تأثر بالنزعة الليبيرالية التي ركزت على مفهوم الحزب كجماعة ايديولوجية ، و انصب اهتمام الباحثون على تاريخ النظريات السياسية اكثر من اهتمامهم بتأثير الايديولوجية على هيكل و نشاط الحزب .

بيد أن التطورات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية التي حدثت في اوروبا فيما بعد ، أعطت غلبة نسبية للمفهوم الماركسي الذي يربط بين الحزب و الطبقة التي يمثلهاو يدافع عن مصالحها ،لهذا اخذت الدراسات التي تهتم بالأحزاب السياسية تنحو الى التركيز على دراسة العلاقة بين مستوى معيشة الفرد و مهنته و تعليمه و بين انتمائه السياسي(2) .

و اذا كان لايديولوجية أي حزب تأثير على نشاطه السياسي و بنائه التنظيمي تركيبه الاجتماعي على الرأي العام فان التركيب الاجتماعي للحزب يؤثر بدوره على ايديولوجية الحزب و برنامجه و شعاراته و بنائه التنظيمي أي أن التأثير متبادل بين الاثنين و يتراوح شدة و ضعفا تبعا لنوع الحزب ، و طبيعة النظام الحزبي السائد في الدولة(3) .

ان أهمية دراسة التركيب الاجتماعي للاحزاب الثورية تنبع من كون هذه الاحزاب لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها بل هي وسيلة من وسائل المجتمع من أجل تحقيق مصالحه المادية و المعنوية .هذا من جهة و من جهة أخرى فان من الخطأ النظر الى مصالح المجتمع كمصالح موحدة ثابتة ،فالمجتمه ،تبعا لدراسة بنيانه ينقسم الى طبقات اجتماعية متعددة ذات مصالح متباينة ،و بحكم هذا التفاوت في التركيب الطبقي للمجتمع ،و الذي تعبر عنه بالضرورة الاختلافات في المصالح الطبقية ،فان الاحزاب السياسية تدخل في تباينها الاجتماعي ضمن حقيقة هذا الجدل الاجتماعي (4).

و لما كان الحزب الثوري ،هو التنظيم الطليعي الذي يمثل أعلى مستويات التنظيم و الوعي في المجتمع و الذي تتجسد في تركيبه و سلوكه و أفكاره بشكل حي و ملموس المصالح الحقيقية لاوسع القواعد الجماهيرية الكادحة المسحوقة ،لذلك فان الانسجام و التطابق بين أهداف و نظرية الحزب الثوري و بين تركيبه الطبقي ،عامل جوهري و حيوي لنجاح الحزب في قيادة الكادحين و تحقيق أهدافهم (5).وان الاختلال أو عدم التوازن و الانسجام بين آيديولوجية الحزب و الاداة المنفذة لها يولد خللا كبيرا يؤثر على نشاط الحزب و دوره التاريخي .

و عليه يمكن القول بأن الحزب الثوري لا يمكن أن يكتسب ثوريته من خلال المنطلقات النظرية أو الشعارات التي يرفعها ، لان الحزب الذي يهدف الى تحقيق الاشتراكية لا يستطيع أن يستمر في حركته التاريخية بدون احتواء القوى الاجتماعية المرتبطة بالتاريخ الاشتراكي ذلك أن غياب القوى الطبقية الحقيقية عن حيزها الذي يجب أن تشغله سياسيا يؤدي بالضرورة الى دخول قوى أخرى قد تسبب انحرافات عديدة تؤدي في نهاية الامر الى ضرب أو تمزيق الحزب (6)  .

و اذا كان الأمر كذلك ، فان دراسة التركيب الاجتماعي لحزب البعث العربي الاشتراكي تتطلب دراسة شاملة للتركيب الطبقي للمجتمع العربي أبان ظهور البعث ، و ماهية القوى الاجتماعية التي كانت تلعب دورا مهما في الواقع الاجتماعي العربي(7).

لقد نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي و أعلن عنه على الصعيد الشعبي عام 1947 ،الا أن الارهاصات الاولى للحزب كانت ترجع الى بداية الاربعينات .

و كانت ولادة الحزب في ظل ظروف و أوضاع عربية و دولية متشابكة.."فقد ولد حزب البعث في ظروف خاصة ،فالوطن العربي مجزأ و القسم الاعظم منه يخضع للامبريالية بشكل مباشر أو غير مباشر او مرتبط بمعاهدة تحالف و كل الطبقات الحاكمة فيه من الطبقة الاقطاعية و يسوده الفقر و الجهل و المرض و يئن تحت وطأة التخلف الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي(8) .

و لما كان المجتمع العربي متخلفا اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا  فان البنى الاجتماعية للشعب العربي كانت مختلفة هي الاخرى و غير متبلورة طبقيا حيث لم تكن هناك حدود طبقية و تبلور واضح المعالم كما هو الحال في الدول الصناعية المتقدمة .

و تاسيسا على ما تقدم يمكن القول :

1_ ان الصراع الطبقي في المجتمع العربي آنذاك اتسم بانه كان صراعا خفيا و بعيدا عن طابع العنف .

2_ عدم وضوع الوعي الطبقي و تبلوره .

3_ طغيان العقلية السلفية الغيبية لدى الفرد العادي و سيادة المنطق و التبرير الرجعي للدين بما يمثل تقليدا و امتدادا لواقع المؤسسة الدينية في عصر الاستعمار العثماني .

4_  الافتقار الى الصناعات الثقيلة في الوطن اعربي او بالاحرى عدم وجود بوادر مشجعة للقيام بمثل هذه الخطوة و لان البرجوازية العربية لم تقم بالدور الذي قامت به مثيلتها في أوروبا . و هذا مما ادى الى تاخر و ضعف وجود الطبقة العاملة و بالتالي شكل تاثيرا اساسيا و جوهريا على طبيعة البناء التحتي للمجتمع العربي و ادى الى انعكاسات و نتائج منطقية على طبيعة المؤسسات و البنى السياسية و الاجتماعية السائدة و الفاعلة في التحكم و فرض الوصاية من قبل هذه المؤسسات على مسار الحركة التاريخية للوجود العربي .

-5 نتيجة للحملات التبشيرية التي تعرض لها الوطن العربي و توسع القاعدة التعليمية ادى الى ظهور فئة اجتماعية من المثقفين التي تمتلك وعيا بالاوضاع و المساوئ التي كان يعاني منها المجتمع العربي و قد هيات لها الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي كان يمر بها المجتمع العربي ان تلعب دورا بارزا في حركة الثورة العربية المعاصرة .  

و على ضوء ما تقدم يمكن القول بان التركيب الاجتماعي لحزب البعث العربي الاشتراكي قد شهد مرحلتين :

1/ المرحلة الاولى : مرحلة التيشير او مرحلة التاسيس الاولى و كان المثقفون و خاصة الطلبة و المعلمون يشكلون نسبة كبيرة جدا عدديا في الحزب .

2/ المرحلة الثانية : و هي مرحلة النمو و التوسع الجماهيري و التي بدأ فيها الحزب بالتغلغل و التركيز على الجماهير العمالية و الفلاحية .

1_ المرحلة الاولى :

و تمتد هذه المرحلة لتشمل الفترة التاسيسية حتى منتصف الخمسينات .

لقد " بدأ تاسيس حزب البعث على يد بعض الشباب المثقف و على راسهم ميشيل عفلق و صلاح الدين البيطار و جلال السيد و غيرهم استطاع الحزب ان يستقطب الكثير من الشباب المثقف خصوصا من الجيل الجديد الممثل في الاوساط الطلابية و الذين لم يسبق لهم ممارسة العمل السياسي " (9). و الملاحظ ان انتشار الحزب في العراق و الاردن و لبنان و في معظم الاقطار العربية تم عن طريق الطلاب (10).

و يقول الاستاذ عفلق :" لقد بدأ حزب البعث بالدرجة الاولى مرتكزا على الحركة الطلابية قبل ان يصل الى الطبقة الشعبية الكادحة التي هي بلا شك العنصر الاساسي في ثورتنا العربية و المادة الاساسية و لكن كان لا بد ان تكون الحركة الطلابية هي المقدمة و هي الممهد الذي يوصل تيار الثورة و أفكارها و حماس الثورة الى الجماهير الشعبية ".  (11).

و اذا تركز نشاط الحزب السياسي في بداية نشوته عل المثقفين و خاصة طلبة الجامعة و المدارس الثانوية الذين تشكلت منهم الحلقات الاولى للحزب و كانت مناقشة الافكار القومية و المشاكل التي تعاني منها الامة العربية و اصدار النشرات و البيانات التي كانت تهاجم السلطات الرجعية و الاستعمارية فان فكر البعث و منذ نشأته كما يرى الاستاذ العيسمي :" فكر شعبي و جماهيري يتوجه للاكثرية الساحقة من ابناء الامة العربية . و هذا يعني ان العمال و الفلاحين هم منذ ان انطلق الحزب ينظر اليهم على انهم الاساس و الاصل و كان يطلق عليهم الطبقات الكادحة باستمرار منذ الاربعينات . حتى قبل المؤتمر التاسيسي كان التركيز على الطبقات الشعبية و المقصود الجماهير الكادحة التي تشكل الاكثرية الساحقة من المواطنين ".(12).

و يشير الاستاذ العيسمي الى حقيقة تاريخية و هي انه "منذ الاساس لم ينتم الى حزب البعث العربي الاشتراكي أي اقطاعي او راسمالي " (13) . و اذا كان فكر البعث في توجهه و منطلقاته نحو الجماهير الكادحة واضحا منذ البداية فان لانتشار الحزب و توسعه في هذه المرحلة بين صفوف الطلاب و المثقفين أسبابا موضوعية نجملها بما يلي :

يبدو أن توجه دعوة البعث في مرحلتها الاولى الى المدرسين و الطلاب و المثقفين عموما يفسر لحد ما هذا التشديد على الامور المعنوية و هذا التشديد على تغيير نفسية الفرد العربي … أن التفكير البعثي في مرحلة الاربعينات مع انه لم يهمل القضايا الاقتصادية و الاجتماعية التي تكون الاساس النضالي للطبقات الكادحة فقد اتجه بشكل أساسي و بقوة و كان في هذا صائبا نحو خلق وعي جديد و نفسية نضالية جديدة في ( الجيل العربي الجديد ) لان هذا الجيل في المرحلة الابتدائية هو المؤهل ليكون الاداة الصالحة لخلق عمل سياسي من نوع جديد  (14).

و على ذلك يمكن القول ان انتشار الحزب في المرحلة الاولى بين صفوف الطلاب و المثقفين كان بهدف التركيز على خلق جيل عربي جديد يحمل أهداف البعث بنقاء و أن الطلاب و خصوصا طلاب الجامعة و الثانويات يتميزون بالحماسة و نكرات الذات و الابتعاد عن المصالح المباشرة و يمثلون النقاء الفكري و البحث عن الحقيقة بالاضافة الى الصلابة و عدم القبول بالمساومة و انصاف الحلول . و قد يكون هناك تأثير لمؤسسي الحزب أنفسهم على مجموعات كبيرة من الطلاب بحكم مهنة التعليم التي كانوا يمارسونها مما ساعدهم على بث أفكار الحزب بين طلبتهم الذين شكلوا – فيما بعد – النواة الاولى التي حملت افكار الحزب و مبادئه .

ان تأخر قيام صناعة عربية متطورة سواء على النطاق القطري أو القومي أدى الى ضعف و تأخر نشوء طبقة عاملة عربية . أي أنه أبان ظهور حزب البعث في اربعينات هذا القرن لم يكن هناك تبلور طبقي واضح و محدد في المجتمع العربي اذا استثنينا بعض العناصر الرأسمالية و الاقطاعية فعدم انتشار الحزب بين صفوف العمال لا يشكل مثلبة أو انتقاصا من مبادئه الثورية و ايمانه بدور الجماهير الكادحة في عملية التغيير الثوري بقدر ما يعبر عن السياق التاريخي الذي كان يمر به المجتمع العربي .

و اذا كان هذا بالنسبة للعمال فان عدم انتشار الحزب في صفوف الفلاحين قد ساعدت عليه عوامل متشابكة كثيرة أهمها : ان السلطات الاستعمارية قد دعمت النظام الاقطاعي و ساندته ماديا و معنويا من أجل ابقاء الريف يعيش في عزلة عن المدينة و انقطاع شبه تام عن حركة التطور الاجتماعي و الافكار الثورية التي كانت مقتصرة على المدن.

العقلية السلفية الغيبية التي كانت تسود أذهان الفلاحين و متانة العلاقات العشائرية التي كانت تطغى على الصراع الاجتماعي بين الفلاحين و الاقطاع خصوصا أن معظم الاقطاعيين كان لهم سلطة عشائرية بين أتباعهم .

أن الاقطاع استغل العاطفة الدينية لدى الفلاحين و ذلك عن طريق رجال الدين ( الملالي ) الذين كانوا يفسرون الدين لخدمة مصالح أسيادهم الاقطاعيين .. فقد كان رجل الدين يضفي على سلطة الاقطاعي الطابع الشرعي كان رجال الدين يتمتعون بحظوة لدى الاقطاعيين حتى أن بعض رجال الدين أصبحوا يشكلون جزءا أساسيا من الطبقة الاقطاعية .

عدم وجود الفلاحين في تجمعات ثابتة و بأعداد كبيرة يسهل الاتصال بهم و بث أفكار الحزب في صفوفهم .

عدم امتلاك الحزب في تلك المرحلة للكادر الحزبي الفلاحي المدرب للقيام بمثل هذه المهمة .

أن فكر البعث بدأ فكرا عميقا و عصريا . فالاشتراكية و القومية و رسالة الامة العربية و الديمقراطية هذه المفاهيم لم تكن مبسطة و سهلة الهضم من قبل سواد المواطنين و الشعب . و ان مهمة تبسيط هذه المفاهيم و المبادئ و الأهداف أصبحت من مهام الصنف الثاني أو القيادات التي تلت فيما بعد ، خاصة تلك التي عاشت في أوساط الشعب و خرجت من أوساط العمال و الفلاحين و بدأت تصدر كراسات بسيطة يمكن استيعابها من قبل هذه الطبقات .و عليه فان أفكار البعث و مبادئه بما حملته من استشراف مستقبلي فان مثل هذه الافكار و المبادئ لا يستطيع فهمها و ادراك معانيها الا من يمتلك وعيا للظروف التي تعيشها الامة العربية . و قد كان الطلاب و المثقفون بحكم ما يمتلكونه من وعي هم أقدر من غيرهم على تبني مبادئ الحزب و الايمان بها .

و يمكن اضافة سبب آخر لغلبة المثقفين في تركيب الحزب في المرحلة الأولى و هو عامل ذاتي و نفسي ،أي اقتناع العمال و الفلاحين العرب بأن ممارسة العمل السياسي – و العمل الحزبي بشكل خاص – هي من اختصاص الطبقات الغنية التي تصدرت عملية النضال ضد الاستعمار ،و ان العمل السياسي يحتاج الى تفرغ و نشاط لا يسمح به وقت الفقراء ،و هم الذين يقضون كل أوقاتهم في سبيل تدبير أمور معيشتهم .

و من كل ما تقدم يمكن القول بأن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الوليد الشرعي لظروف المجتمع العربي " و كانت قلة أعضائه من العمال و الفلاحين غير راجعة الى ارادته فانه تاريخيا كان يمثل الوضع الحقيقي لا النظري لحالة الطبقات الاجتماعية القائمة و مبلغ اتصالها بالعمل السياسي و ما كان بأمكانه ان يخلق من العدم كوادر من العمال و الفلاحين …" (16).

و مهم يكن من امر فان المؤتمر القومي السادس و انطلاقا من مبدأ النقد و النقد الذاتي قد أشار الى الحزب قد قصر في توجهه الى الجماهير الكادحة من عمال و فلاحين مما انعكس على نشاط الحزب و موافقه السياسية (17).

2- المرحلى الشعبية :

و في هذه المرحلة التي تبدأ من منتصف الخمسينات بدـ التركيب الاجتماعي لحزب البعث العربي الاشتراكي يأخذ طابعا شعبيا جماهيريا و التغلغل في صفوف الطبقة العاملة العربية التي بدأت ملامح تبلورها الطبقي تتحدد في هذه المرحلة بعد نمو الصناعات في الوطن العربي .كما أن الحزب بدأ يتغلغل بشكل سريع بين صفوف الفلاحين الفقراء و خاصة بعد ان وجدت الجماهير الفلاحية تجاوبا بين أهدافها و مطامحها التي تتركز بالقضاء على النظام الاقطاعي و مخلفاته و انتشال الفلاحين من حالة البؤس و الحرمان التي يعانون منها و بين أهداف الحزب و مبادئه في معالجة المسألة الزراعية و التي وضع لها الحلول الجذرية الثورية و تتركز بالقضاء على النظام الاقطاعي و بالتالي انهاء الاستغلال بكل أنواعه ،و تحقيق ثورة زراعية و خلق ريف اشتراكي مزدهر .

و الملاحظ ان مبادئ الحزب في أوساط ابناء المدينة حتى أن أغلب قيادات الحزب و كوادره كانوا من ابناء الارياف الذين انتقوا من القرى الى الدينة لمتابعة دراستهم و تحصيلهم العلمي .

لقد كان انتشار الحزب في أوساط أبناء الفلاحين أكثر من انتشاره في صفوف الفلاحين انفسهم ذلك لان هؤلاء الابناء يتحسسون بالاستغلال و الظلم الاجتماعي الذي كانت تعانيه عائلاتهم كما ان الحل الثوري لمشكلة الفلاح العربي مع الحفاظ على الآمال و المطامح القومية العربية التي يعتز بها العربي قد وجدت صدى كبيرا في نفوس ابناء الريف هذا بالاضافة الى ان البعثيين الاوائل الذين تخرجوا من المعاهد و الكليات و الذين مارسوا مهنة التعليم و تعينوا في القرى و النواحي كان لهم اثر كبير في نشر افكار الحزب في صفوف أبناء الريف الذين كانوا يتلقون تعليمهم . و يضيف الاستاذ شفيق الكمالي الى ذلك قائلا " ان ابناء الريف يمتلكون شعورا وطنيا فطريا و يعيشون في ظروف الحرمان و البؤس و هذا بالاضافة الى الحل الاشتراكي الثوري للمسألة الزراعية التي جاء بها البعث مع الحفاظ على القيم العربية فالحل الاشتراكي لم يؤد الى اضاعة قيم شخصية الانسان العربي قد لقى صدى و تقبلا من ابناء الريف بينما نجد التلوث الفكري ظروف اللهو طغيان التفكير البرجوازي المدني و الخوف من السلطة القريبة منهم جعلت أبناء المدن يتأخرون في الانتماء للأحزاب الثورية " (18).

و مما يؤكد اهتمام أبناء الفلاحين بالانتماء الى الاحزاب التي تناضل من أجل القضاء على الأقطاع و مظاهره الاستغلالية ،انتشار الحزب العربي الاشتراكي في منطقة حماة بين صفوف الفلاحين ،حيث نشأ الحزب و تغلغل في صفوف الفلاحين حيث كان يناضل في سبيل القضاء على الاقطاع و تحقيق الاصلاح الزراعي و توزيع الأراضي على الفلاحين .

ان هذا يعطينا مؤشرا و دلالة على أهمية المسألة الفلاحية في النضال العربي .

و في هذه المرحلة من تاريخ الحزب النضالي :" أصبح للحزب وزن سياسي و شعبي و بدأ يركز على ضرورة التغلغل في أوساط العمال و الفلاحين و فعلا تحقق أثبات الوجود في المواقف السياسية و مع مرور الزمن أصبح في سوريا له- أي للحزب- القدرة على اسقاط الحكومات و قام بقيادة التظاهرات الشعبية لاحباط المشاريع و المؤامرات الاستعمارية مثل مشاريع الاحلاف و غيرها حيث كان للحزب نشاط سياسي و شعبي كبير في هذا المجال " (19).

و قد شهدت هذه المرحلة اندماج حزب البعث مع الحزب العربي الاشتراكي و حول أثر هذا الاندماج بين الحزبين على التركيب الطبقي للبعث يقول الاستاذ العيسمي :" ان الحزب العربي الاشتراكي كان في منطقة ( حماة ) حيث كانت له قاعدة جماهرية فلاحية واسعة و من هذه الزاوية يمكن ان يكون له اثر في زيادة القاعدة الفلاحية وزيادة اهتمامه بهذه الطبقة .لكن في محافظات أخرى لم يكن هناك أثر للحزب العربي الاشتراكي الا قليلا .أما من حيث زيادة اهتمام حزب البعث بالاشتراكية على أثر الدمج فلم يكن له أثر و ذلك لان حزب البعث كان منطلقة اشتراكيا بالأصل و كل ما في الأمر أن أضيفت لاسمه كلمة (اشتراكي) (20).

وقد شهدت الساحة العربية في هذه الفترة معارك طبقية أججها الحزب و قاد اغلبها .و يتجلى بعض هذه المواقف في الممارسات التي قادها الحزب على الصعيدين الفكري و العملي و التي حققت مكاسب كبيرة للجماهير العربية الكادحة أثناء ازمات البطالة و أزمة الخبز و الغلاء و النضال ضد الشركات الاحتكارية مثل شركة الريجي في القطر العراقي عام 1953 الى المساندة لاضراب عمال شركة الدخان الاهلية و لاضراب عمال النفط في البصرة و كذلك مساندة اضراب عمال الارامكو ضد الشركة الاستعمارية في السعودية .

و من جهة أخرى تؤكد الوقائع التاريخية دور الحزب في تأسيس أول اتحاد لنقابات العمال العرب الذي أقره المؤتمر الاول الذي انعقد في دمشق في آذار 1956، و قد باركت بيانات الحزب في القطرين العراقي و اللبناني تأسيس اتحاد نقابات العمال العرب و أكدت أن المسالة العمالية جزءا لا يتجزأ من المسألة القومية .كما تجدر الاشارة الى الحملة التي قام بها الحزب في كافة أرجاء الوطن العربي لاعلان موقف عمالي موحد من الامتناع عن تفريغ و شحن السفن الاميركية للسفينة العربية ( كليوباترا) مما يؤكد ممارساته العملية المنسجمة مع هويته الطبقية(21) .

و ترى أدبيات الحزب و تراثه الايديولوجي ضرورة التطابق و الانسجام بين الرؤى الاشتراكية للحزب و بين تركيبه الطبقي ذلك أن الحزب الثوري عندما لا يقوى على استماة الجماهير الكادحة الى جانبه فانه لا يستطيع تحقيق تركيب طبقي عمالي فلاحي غالب له ،و كلما قلت نسبة الكادحين في الحزب الثوري كلما ازداد حجم البرجوازية الصغيرة داخل التنظيم و ازداد تبعا لذلك حجم ممارساتها و مواقفها المتذبذبة و المتناقضة و المتعثرة بين اليمين و اليسار الطفولي (22) .

و ان حذر الحزب من البرجوازية الصغيرة ناجم عن مواقفها السابقة التي اتسمت بالتذبذب و الغموض و خاصة فيما يتعلق بالحركة القومية اذ تأثر مفهومها للقومية العربية بتركيبها الاجتماعي المتذبذب و تطلعاتها المزدوجة." فهو مفهوم وحدوي المظهر، قطرى الجوهر ،اشتراكي الشعارات ،معاد لدور الطبقة العاملة ،رافض لقيادتها ،غيرمؤمن بالجماهير و بطاقاتها الثورية التاريخية ،و هو مفهوم بيروقراطي فوقي هادف الى تحقيق مصالح قيادة طبقة البرجوازية الصغيرة ،حائل دون اطلاق فعالية الجماهير الثورية و دون مساهمة الطبقة العاملة مسامهة حقيقية في القيادة السياسية .لذلك فهو شبه وحدوي ،شبه اشتراكي ،شبه تحرري" (23).

و لهذا يرى حزب البعث العربي الاشتراكي ،انه من أجل أن يكون الحزب اشتراكيا عمليا بشكل حقيقي ،فانه يجب الموازنة بين زيادة نسبة العمال و الفلاحين في صفوف الحزب و بين استراتيجية الحزب الاشتراكية .. و على ذلك فأن النظرية الثورية هي ليست كل شيء و هي لا تصبح قوة مادية فعالة في التاريخ الا عندما تكون سلاحا بيد العمال و الفلاحين و طليعتهم السياسية ،و هو شرط لا يتحقق الا بتوفير التجانس بين التركيب الطبقي و بين النظرية الاشتراكية الثورية للحزب .

و لعل بعض الاسئلة تطرح نفسها في هذا ا

المزيد


الملامح الأساسية للإستراتيجية الإعلامية للبعث

يونيو 16th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

الملامح الأساسية للإستراتيجية الإعلامية للبعث

 

 

مقدمة عامة : النظرة القومية الشاملة

 

شكلت الرسالة القيمة التي وجهها الرفيق المناضل عزة إبراهيم ، الأمين العام للحزب والقائد الأعلى للجهاد والتحرير ، إلى الإعلاميين في أواخر عام 2007 ، خطوة أساسية  ومهمة على طريق استكمال مستلزمات نضالنا من أجل تحرير العراق والأمة كلها ، من خلال اعتماد إستراتيجية إعلامية قومية للحزب وفصائل الجهاد في العراق ، تنطلق من الإستراتيجية العامة للحزب ، والتي جسدها المنهاج الاستراتيجي والسياسي للحزب والمقاومة المعلن في أيلول عام 2003 ، وإستراتيجية القيادة العليا للجهاد والتحرير التي أعلنت في العام الماضي .

إن وضع إستراتيجية إعلامية في معركة التحرير الوطني في العراق أصبح ضرورة أساسية من ضرورات كسب معركة التحرير التي تخوضها المقاومة العراقية على أرض الرافدين لأنها تضمن :-

أولاً: تصحيح الأخطاء ودحض الأكاذيب التي أطلقت حول الحزب وتجربته في العراق، دون نسيان إن حزبنا وقع في أخطاء كأي تجربة إنسانية وان هذه الأخطاء تدرس الآن تهيئة لعملية نقد شاملة حينما تتوفر ظروف مناسبة .

ثانياً : لأنها تزود رفاقنا وأصدقائنا بسلاح جبار ، وهو سلاح الحقائق الثابتة والتي تؤكد أن مسيرة حزبنا كانت مسيرة انجازات عظمى يفتخر بها كل إنسان حر .

ثالثاً : لأنها تعزز الاجتهادات الفردية الصحيحة عند الدفاع عن الحزب ، بموقف متكامل يغطي كل أوجه الصراع .

واستناداً إلى ما ورد في رسالة الرفيق الأمين العام ، وبعد أن اطلع على هذه الدراسة واقرها ووجه بإضافة فقرات مهمة وأساسية ، فإننا نقدم هذه الدراسة للعمل بموجبها لتكون أساساً لعملنا الإعلامي في الوطن العربي والعالم كله ، وهي تتضمن عدة محاور أساسية ، منطلقين من حقيقة تاريخية تؤكد أن الوطن العربي يحتل مركزا استراتيجيا مهما يعرفه كل من درس التاريخ القديم والحديث ، وأن قواه البشرية والاقتصادية تشكل قوى إستراتيجية مهمة لا يستهان بها في السياسة الإقليمية والدولية ، سواء  كان ذلك في زمن الحرب أو السلم أو في فترة الحرب الباردة أو بروز هيمنة أحادية القطب الأمريكي . إننا ندرك أن هذه القوة تبلغ ذروتها وتتحقق معانيها الحقيقية في وحدة الأمة العربية من محيطها إلى خليجها ، إذ أن هذه الوحدة هي القادرة عمليا على خلق قوة فكرية بشرية واقتصادية ضخمة ، متكاملة تفرض وجودها على الصعيدين الإقليمي والدولي من أجل تحقيق السلام والتقدم والرفاهية في وطننا الكبير والعالم .

وإذا كانت بعض الأنظمة والقيادات تحاول تجاهل هذه الحقيقة الواقعية ، فانها تؤكد انها متقوقعة داخل حدودها القطرية المصطنعة ، مسقطة من حسابها موكب العروبة السائر نحو الوحدة القومية والمتطلع للتطور والتقدم والقوة الحضارية ، التي يطمح حزبنا بأن يراها متجسدة في وحدة التجربة النضالية للحزب وحركة التحرر الثورية ، التي تتسم طبيعتها بجدلية تنوع تضع حدا للفوضى والتسيب والتشتت والضياع ، معبرة عن إرادة العقل المنظم  وتتجلى فيها إرادة الحسم والمسؤولية التاريخية في إدارة الصراع ضد كل نوع من أنواع الاستعمار والهيمنة الأجنبية .

إن هذا التوجه ينبغي أن يفهم فهما استراتيجيا حتى نستوعب بشكل جيد أبعاد الهجوم المسعور الذي شنه الأمريكان والصهاينة والفرس وأعوانهم على النظام الوطني في عراق المشروع الحضاري الوطني والقومي والإسلامي ، ونفهم أيضا الأوضاع التي وصل إليها العراق بعد الغزو وأبعاد تأييد الفرس والصهاينة لحراك التشرذم والانفصال داخل العراق ، وامتداد ذلك إلى معظم أجزاء الوطن الكبير ، سواء كان ذلك في سوريا ولبنان أو في السودان واليمن وأقطار المغرب العربي . إن فهمنا لأبعاد المشروع الاستراتيجي الأمريكي الصهيوني الفارسي يجعلنا نستوعب أهمية الأبعاد الإستراتيجية في المعركة التي يخوضها أسود العراق المقاوم ضد الاحتلال الأمريكي البريطاني وضد المشروع الأمريكي الصهيوني الفارسي وعملائهم الظاهرين والمستترين .

ان المقاومة العراقية والفلسطينية هي المعبرة اليوم عن المشروع الحضاري القومي والإسلامي ، وهي القوة الاساسية التي ترسم إستراتيجية السياسة المستقبلية وإدراك نتائجها الهامة والبعيدة وسبر أغوارها العميقة بدقة ، إذ لا نستطيع أن نجابه إستراتيجية العدو الواضح بثلاثية أطرافه ( امريكا والكيان الصهيوني وايران ) إلا من خلال إستراتيجية ذات آفاق وطنية وقومية وإسلامية عليا ، مستفيدين من تجربة المقاومة في حرب التحرير الجزائرية والفلسطينية والعراقية اليوم في ميدان التكتيك العملي والأفق الاستراتيجي حتى نثبت للعالم صدق الوجه الحقيقي لحضارتنا ولرسالتنا الخالدة ، بشكل موضوعي ووعي تاريخي . فشعب العراق الذي ضرب أروع الأمثلة في البطولة والوعي النهضوي والتفوق متجاوزا كل ما هو مألوف في البذل والصبر والتضحية ، مثبتا في الميدان ما يختزنه من أصالة قومية وما يمتلكه من حس وطني عريق متواصلا مع عهد الرسالة وقيمه الروحية الخالدة ، هذا الشعب نراه اليوم يجدد العهد ويحافظ على العراق وطنا موحدا ويعطي العروبة أسمى معانيها بمواجهته للاحتلال وسياسة التشرذم والتفكيك والتخاذل التي فرضت على العراق ، فكانت المقاومة المباركة عنوانا كبيرا لمعركة الأمة العربية كلها في العراق ، لما تبذله من التضحيات في المواجهة الميدانية للاحتلال وعملائه ولدرء خطر الشعوبية والأطماع الفارسية على الأمة والحيلولة دون أطماعها التوسعية.

فإذا كانت إستراتيجية حزبنا وما تزال تنطلق في رحلته النضالية الشاقة الطويلة من الإيمان والثقة بالأمة وقواها الحية ، مؤكدة على أن الأمة تستطيع أن  تبني نفسها من جديد فإن الفعل المقاوم المنظم في العراق يأتي معبرا عن إدراك البعث لطبيعة الصراع ومواجهة الأعداء في الميدان ، وإن التعبير عن الأمة ليس رجوعا إلى التاريخ بل تطلعا إلى المستقبل ، من خلال التعامل مع مشاكل الحاضر ومواجهة التحديات والرد على الأعداء ردا تاريخيا ، وأن المقاومة العراقية التي اوصلت بفعلها القتالي الاحتلال إلى حافة الانهيار لتؤكد تأكيدا قاطعا أن مستقبل العراق والأمة أمامنا وليس وراءنا ، وهو إدراك عملي واستيعاب تاريخي لمفهوم تكون الحركة الثورية العربية وسيرورتها التي تلتزم الصدق مع النفس ومع الشعب في كل الظروف المحيطة وتنتظم فيها إرادة النضال المصيري الموحد .    

ان المقاومة العراقية ، من خلال مدلولات برنامجها السياسي والاستراتيجي ( ايلول – سبتمبر عام 2003 ) وتطبيقاته العملية ، تعبر بجدية عن حضور فكري ونضالي في مسيرة النضال القومي والمواجهة المنظمة فتزداد قربا من ضمير الأمة وروح شعبنا من المحيط إلى الخليج ، وثقة بأصالة دورها ودور البعث وصدق تمثيلها للمبادئ والأهداف ، التي عبر عنها البعث وناضل من أجلها منذ التأسيس وما يزال مؤمنا بانتصارها .  وإذا كان ثمة من يعتقد أن النضال العربي لم يبلغ النضج الحقيقي من حيث درجة الإيمان بالعلم والعقلانية ومن ثم بالديمقراطية والتمسك بالقيم الأخلاقية في العمل السياسي ، فأن هذا البعض لا يستطيع أن ينكر أن النضال لم يتوقف عن السعي لاستكمال تلك الشروط رغم الصعوبات والعقبات التي تواجهه .

هاهي المقاومة العراقية ، ببرنامجها السياسي والستراتيجي وفعلها الميداني ، تؤكد أنها تسير في طريق المبادئ الوطنية والقومية السليمة متجاوزة كل التحديات ، تخوض حربا فرضت على العراق في ظل صمت عربي رسمي مخيف ، ولكنها تواجه تلك الحرب المستمرة منذ احتلال بغداد في نيسان 2003 حتى اليوم بوعي بطولي وتضحية متميزة تجسد سمات النهضة القومية الحديثة المعبرة عن أرقى مواجهة حضارية في الرد المنظم على عقلية الاحتلال الأمريكي -الصهيوني- الفارسي ، وهمجية التخلف وطابور العملاء الذين فرضوا على العراق . انها مقاومة تدافع عن شخصية الأمة العربية ووحدتها ودورها القيادي ، في مواجهة الأطماع التوسعية والحفاظ على العراق الموحد أرضا وشعبا وعلى الأمة صامدة مؤمنة فأوصلت الاحتلال الأمريكي إلى درك الهاوية ، بالرغم من ان ما تمتلكه من إمكانيات هو دون الحد الأدنى من حيث التكافؤ مع قوة العدو الأمريكي الصهيوني الفارسي وطابور العملاء المفروضين على العراق .

إن إستراتيجية البعث العامة ، إستراتيجية المقاومة العراقية ، باتت مرتكزا أساسيا في ميدان المواجهة لدعم الصمود وإمكانيات النهوض والتحرر في مسيرة الثورة العربية كلها ، وعليه لا بد أن يتوحد نضال الشعب العربي وأن تتكتل قواه الحية كي تتمكن من اقتلاع جذور الانحراف والطغيان والتآمر . فالأمة التي تمتلك سواعد قوية تقاوم في فلسطين والعراق لا شك إنها قادرة على استمرار الصمود والتغلب على مخططات الامبريالية الصهيونية الشرسة والأطماع الفارسية مهما كانت الظروف والتعقيدات ، وأنها لقادرة أيضا على تحقيق الانتصارات والأهداف القومية الكبرى . وإذا كانت قضية فلسطين ، وما تزال تمثل ، على مستوى المبادئ والانتماء القومي ، خلاصة القضية العربية وروح الثورة العربية وقضية الأمة المركزية ، فإن قضية العراق اليوم ، على مستوى استراتيجي ، أصبحت قضية مركزية في ميدان المواجهة الإستراتيجية لان العراق هو ساحة الحسم في الصراع المصيري الحالي ، ومن هنا فإن على الإعلام البعثي والمقاوم التعامل معها بأفق وعمق استراتيجي يجعل منها ومن قضية فلسطين وجهان لقضية واحدة ، كما عبر القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق رحمه الله حينما قال (هي الحق الذي يولد القوة ، هي العروبة مختصرة مطهرة ، هي الإنسانية معذبة معرَّبة ، هي وحدة العرب وحريتهم ونهضتهم ) .

ان الستراتيجية الاعلامية للبعث والمقاومة يجب ان تنطلق من الستراتيجية العامة ووفقا لضروراتها لاجل ان نضمن النصر ووضوح الرؤية .

 

أهمية الإعلام في صياغة الرأي العام وطنيا وقوميا وعالميا

 

لم يعد الإعلام مجرد أداة من أدوات التأثير بل أصبح هو الأداة الرئيسية له في العالم كله ، بعد عولمة شبكات التلفاز والاتصالات ، خصوصاً انتشار الانترنيت . واذا حللنا واقع  العالم وأحداثه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم سنلاحظ أن الإعلام اخذ يحتل الموقع الأول تدريجياً ، كأداة تأثير فعالة تفوق خطورة القوة العسكرية والاحتلال العسكري . إن ما يميز التأثير الإعلامي هو انه بطئ وغير مباشر غالباً ، خصوصاً وانه لا يشكل تهديداً منظوراً للإنسان العادي ، فيتعامل معه كمصدر للمعلومات أو التسلية والثقافة ، دون الانتباه بقدر كاف إلى أن الإعلام ينقل رسائل مختلفة ويبني ثقافة ويزرع سيكولوجيا خطط لها من يسيطر على الإعلام .

وبخلاف الطابع الموضوعي النسبي للإعلام الحديث فان الغزو العسكري يشكل صدمة مباشرة للإنسان تثير لديه ردود فعل رافضة له شكلا وموضوعا ، وغالباً ما يتخذ رد الفعل شكل مقاومة شاملة له ، عسكرية وسياسية وإعلامية ، لذلك فأن القوى الكبرى ذات الخطط الاستعمارية التوسعية ، كالولايات المتحدة الأمريكية ، تعتمد تقليديا قبل وصول جماعة اليمينيين الأمريكيين الجدد، على أسلوب الاحتواء الثقافي والسياسي في بناء نفوذها وتغلغلها أكثر مما تعتمد على القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية .

إن الإعلام المعاصر الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام، أصبح يضخ إلى العالم كله كافة أنواع المعلومات والرسائل الثقافية ، المباشرة وغير المباشرة ، ويعيد مستنداً إلى ذلك تكوين شخصية وهوية الإنسان وفق النموذج الأمريكي بعيداً عن قوميته وثقافته وديانته .

لقد وصُف الإعلام من قبل خبراء الإعلام في أمريكا في الثمانينيات، أي قبل ظهور الانترنيت، بأنه (الإله الثاني) ! في إشارة واضحة جداً إلى انه الأداة الأهم في إضعاف واختراق الأعداء . إن العامل الحاسم في سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية في أوروبا الشرقية لم يكن القوة العسكرية بل كان الحملات الإعلامية المنظمة والمبرمجة التي ضخمت أخطاء السياسة السوفيتية ووضعتها تحت المجهر عبر عقود متوالية من الزمن ،  نجحت من خلالها المخابرات الأمريكية في تحقيق اختراق نفسي في أجيال الشباب في المعسكر الشيوعي ، وهو اختراق اخطر بكثير من الاختراق العسكري والأمني التقليدي ، لأنه حيّد ملايين الشباب سياسياً وتمكن من تجنيد جواسيس لخدمة أهدافه ، وبذلك خلقت فجوة خطيرة ، بين جيل الشيوعيين الكبار في السن وأجيال الشباب في تلك المجتمعات ، أدت إلى عزل الشيوعية وجعلها نظاماً بيروقراطياً ، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، فانهارت النظم الشيوعية بسهولة بعد تعرضها لازمات شبه عادية لأنها لم تكن مدعومة بشباب مؤمن ومحصن ، رغم أنها صمدت أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية وأحبطت محاولات الاختراق الأمني في هذه الحقول !

أما الآن ، وفي عصر الانترنيت والهواتف النقالة ، فقد صغر العالم جداً وأصبح المواطن الأوروبي والآخر الأمريكي يتلقيان ما يتلقاه المواطن العربي والهندي من تأثيرات وفي نفس اللحظة ، وبنفس الطريقة السهلة جدا ، فحصلت صدمة حضارية هائلة للمواطن العربي ، لأنه لم يكن محصناً ضد الاتصال المباشر والشامل والفوري مع العالم بمختلف ثقافاته ومؤثراته ، ولا مستعداً لتحمل هذا الكم الهائل من المعلومات والمؤثرات السمعية – البصرية – السيكولوجية . وفي هذا الإطار فإن الفضائيات العربية والأجنبية أصبحت موجودة داخل غرف نوم أطفالنا تنقل إليهم الكلمة البذيئة ، وترسم صورة للأسرة المفككة في سياق غزو ثقافي منظم.

بل إن فضائيات عربية أخذت تروج للإباحية والانحلال والشذوذ ، مع أن كافة المجتمعات العربية تعد ذلك انحرافاً خطيراً يتناقض بشكل كامل مع تربيتنا الدينية والقومية والاجتماعية .

والأخطر من ذلك أن هذه المؤثرات الإعلامية المتدفقة علينا ، كإعصار مدمر ، موجهة ومحتكرة من قبل دولة واحدة تقريباً هي الولايات المتحدة الأمريكية ، خصوصا الجزء الصهيوني منها ، فشبكة الانترنيت أمريكية ، والفضائيات الرئيسية المؤثرة أمريكية ، والبرامج والأفلام أمريكية ، وللأسف الشديد فإن المال العربي يُسخر في خدمة هذه التوجهات الإعلامية إلى حد كبير ، كما أن الأموال الموظفة في هذا الحقل والاحتكارات الصهيونية الإعلامية الكبيرة تسحق من يحاول التصدي لها ، لان الإعلام يعني المال أولا ، وبه تشترى الخبرة والقدرة ، ومن يملك أكثر من غيره مالا يصبح صوته أكثر علوا من الأقل مالا ، خصوصاً وان الحكومات تمارس القمع والمنع ضد من يقاوم هذه الإستراتيجية الإعلامية المكثفة .

من هنا فان حرب الإعلام بالنسبة لأمريكا هي الحرب " الاستباقية " التي تذلل العقبات  أمام  الحروب العسكرية وتمهد لها ، بإضعاف حصانة الشعب الوطنية ، وخلخلة معنويات القوات المسلحة وإرباكها ، والأخطر من كل ذلك غرس الفجوات النفسية بين النظام السياسي الحاكم الرافض للإملاءات الأمريكية وبين الشعب ، من خلال تضخيم الأخطاء أو خلق أخطاء ليست موجودة ، الأمر الذي يجعل المواطن أكثر استجابة لتلك الحملة خاصة مع وجود فجوة نفسية بين الشعب والحاكم حتى ولو عدل .

إن تجربة حزبنا في العراق تقدم لنا صورة واضحة عن دور الإعلام في تمهيد كافة  الطرق لشن سلسلة حروب انتهت بالغزو الشامل وتدمير دولة ومجتمع وإبادة أكثر من ثلاثة ملايين عراقي ( منذ فرض الحصار في عام 1990 وحتى الآن ) ، دون أن يحدث رد فعل عالمي مواز  للحدث الكارثي ! نعم لقد حصلت مظاهرات ملايينية ضد غزو العراق قبل الاحتلال ، ولكن رد الفعل هذا كان قاصراً ومحدوداً إذا قورن برد الفعل العالمي على النازية ، رغم أن النازية ارتكبت جرائم تبدو اليوم اقل وحشية وبربرية من جرائم أمريكا في العراق والكيان الصهيوني  في فلسطين .

إن السبب في ذلك هو أن أمريكا تسيطر على الإعلام العالمي وتوظف المعلومات وتصوغها بالشكل الذي يسهل فيه إقناع الرأي العام العالمي ، وتضخها بسهولة ويسر من خلال آلاف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة .

ولئن كانت فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي ( قبل سقوطه ) والصين قد عجزت عن مواجهة التفوق الأمريكي في الإعلام فما بالك بالعراق وهو دولة حديثة مؤسساتيا ، وإن تميزت بين دول العالم الثالث بنهضتها ؟ كان العراق اقل قدرة تقنية وأضعف إمكانية في مجال امتلاك الخبرة والكفاءات والتنوع الإعلامي من تلك الدول ، ناهيك عن المصادر المالية ، لذلك كان لمؤسسات الإعلام الأمريكية والأجهزة المتنوعة التي جحفلها معه ، الأثر الحاسم في التمهيد لغزو العراق ، وفي تصدير أكاذيبه وأضاليله ضد الحكم الوطني في العراق ، وكانت تلك الأكاذيب بمثابة تمهيد ضلل الرأي العام العالمي ، ومنه جزء كبير من الرأي العام العربي ، حول أهداف العدوان على العراق واحتلاله .

وبالرغم من ذلك فإن المقاومة العراقية ، بصمودها وبطولات مقاتليها ، قد أفشلت الغزو الأمريكي ومنعت تحقيق أهدافه الستراتيجية وأوصلت أمريكا إلى حافة الهاوية ، ولكن علينا ان نقر بان القدرة الإعلامية للمقاومة كانت ولا تزال اضعف بكثير من قدراتها القتالية ، لأسباب موضوعية وذاتية عديدة . ووجود هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام للأمر الواقع ، بل يمكننا أن نبتكر وسائل وآليات إعلامية تتناسب مع إمكانياتنا وإمكانيات القوى التي تساندنا ، فمهما كانت الإمكانيات ضعيفة فإنها ستلعب دورا كبيرا خاصة أن العالم مشدود إلى الساحة العراقية ومجرياتها ، وكذلك الجماهير العربية ، كما هو مشدود إلى معرفة ما تفعله المقاومة العراقية كونها طليعة من أهم طلائع حركة التحرر العإلمية .

إن عملنا على رسم إستراتيجية قومية للإعلام هي عملية تصد مباشر لعوامل الضعف في أداءنا الإعلامي ، ومحاولة  جادة لاستثمار ما نملك من طاقات وقدرات ، خاصة بنا اوصديقة لنا ، لأجل تحقيق نهوض إعلامي كبير هدفه إيصال صوت المقاومة والبعث للعالم كله ، خصوصاً لأبناء الأمة العربية ، للحيلولة دون أن ينفرد العدو المشترك ( أمريكا – إيران – الكيان الصهيوني ) بإعلامه ومنابره السياسية ، بتصدير المعلومة والتحكم في صياغتها وفق سياساته ومنهجيته التآمرية لخلق الاستجابة والانطباع لدى المتلقين في الاتجاه الذي تتوخاه وترسم مساراته القوى المعادية أي العدو المشترك .

إلا أن وضع إستراتيجية إعلامية أمر مستحيل دون تحديد أهم سمات الصراعات الإقليمية والدولية الدائرة الآن والخطوط العامة للإستراتيجيات المتصارعة ، فتلك العناصر هي المكونات الأساسية للمشهد السياسي العام ولحلبة الصراع الذي تخوضه القوى المختلفة ، ولا يمكننا أبدا أن نتحرك إعلاميا بصورة صحيحة من دون أن نحدد الثوابت الأساسية للصراعات الإقليمية والدولية ونسلط الضوء عليها كشرط أساسي وضروري لوضع إستراتيجية إعلامية تفي بالغرض . وإذا كانت إستراتيجية المقاومة واضحة من خلال أكثر من منهج تم إقراره ونشره ، وخاصة المنهاج السياسي والاستراتيجي في العام 2003، وإعلان تأسيس القيادة العليا للجهاد والتحرير في العام 2007، إلا أن أهداف الصراعات الإقليمية والدولية الدائرة الآن في العراق وخطوط استراتيجياتها هو ما يستوجب علينا تحديدها ومعرفتها ، والكشف عنها ، الأمر الذي يؤسس رؤية إعلامية سليمة ، ومن ثم يسهم بشكل علمي وواضح في وضع إستراتيجية إعلامية ناجحة تخدم  أهدافا إستراتيجية كبرى في حرب التحرير الشعبية ومواجهة كافة أنواع وأشكال الهيمنة الأجنبية التي تحاول الحركة الصهيونية والامبريالية الأمريكية جعلها أمرا واقعا مفروضا على الأمة العربية.

 

السمات الرئيسية للواقع الحالي عربيا واقليميا ودوليا 

 

إن صورة العالم الراهن دوليا وإقليميا وعربيا تتميز بما يلي :-

1-   تفكيك الاتحاد السوفيتي أدى إلى غياب القطبية الدولية الثنائية التي هيمنت على العالم ما يقرب أكثر من نصف قرن ، واستتبع ذلك تحييد الصين ، ونجاح الولايات المتحدة الأمريكية في احتواء أوروبا ودمجها في عملية تنفيذ إستراتيجيتها الكونية .

2- هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ، وحكم العالم بقطب واحد ، الأمر الذي فتح أمامها بوابة الهيمنة على المنظمات الدولية وتسخيرها من أجل خدمة مصالحها من جهة ، ومكنها من استخدام إستراتيجيتها العسكرية بالغزو المسلح المباشر من جهة أخرى .

3- تعاظم نفوذ الكيان الصهيوني ، من خلال اللوبي الصهيوني في أمريكا ومنظمة " إيباك " ، على صانعي القرارات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تصب جميعها في خدمة التحالف الأمريكي الصهيوني الاستراتيجي وتعزيز هيمنة الكيان الصهيوني في فلسطين وتسييده على أقطار الأمة العربية وضرب وقمع أيه حركة من حركات التحرر العربية وخصوصاً المقاومة في العراق وفلسطين .

4- تبلور تلاق واضح في الاستراتيجيات بين أمريكا والكيان الصهيوني بشكل خاص ، وإيران بشكل عام ، حول هدف محدد وهو دعم بروز إيران الملالي كقوة إقليمية لانها ذات مشروع تفتيتي يقوم على تذويب الهوية القومية للأمة العربية وتجزئة أقطارها على أسس عرقية وطائفية ، وذلك هدف صهيوني غربي قديم .

5- غياب العدالة وتسخير القانون الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية لخدمة الولايات المتحدة الأمريكية ، لذلك أصبح الغزو المسلح وارتكاب جرائم بحق الأمة العربية من الظواهر المألوفة .

6- استهداف التيار القومي والفكر القومي من خلال النيل من كل انجازاته ومن مسيرته النضالية وتضحياته وفي مقدمتها البعث .

7 – إن القوى الدولية التي كانت تحد من النفوذ الأمريكي ، خصوصا في الوطن العربي ، إما تفككت كالاتحاد السوفيتي ، أو حيّدت كالصين ، أو استميلت مجددا إلى جانب أمريكا بعد فترة من البحث عن استقلاليتها  مثل أوربا ، كما سبق الإشارة أعلاه ، لذلك فان الاعتراضات على السياسات الأمريكية ضدنا لم تكن لها قيمة كبيرة لأنها شكلية .

8 – إن الأنظمة العربية بغالبيتها قد أصبحت تحت التأثير الأمريكي الكامل أو شبه الكامل ، من خلال سياسة العصا والجزرة والتلويح بتهم عدم محاربة الإرهاب أو إيوائهم ، لذلك لم يعد بالإمكان ، مع الأسف الشديد ، الاعتماد على الدعم العربي الرسمي لحركات التحرر كالمقاومة العراقية بشكل خاص والفلسطينية بشكل عام .

إن هذه السمات للوضع العالمي هي التي تحدد طبيعة إعلامنا وأسسه وأهدافه وأساليب عمله . وإن حجم التحالف المعادي لحركة التحرر العربي ، يدل على سعة إعلامه المكثف والموجه ضدها جملة أم تفصيلا ،  كما يدل على ضخامة المهمة الملقاة على عاتق تلك الحركة بشكل عام وعلى عاتق حزب البعث العربي الاشتراكي بشكل خاص ، وعلى عاتق المقاومة الوطنية العراقية المباركة بشكل أخَص .

الإستراتيجية الإعلامية للبعث

 

إن الهدف المركزي في إستراتيجيتنا الإعلامية هو مواجهة الهجمة الأمريكية الصهيونية الإيرانية ، والرد عليها وإسقاط دعاياتها ومنع أو تقليل مؤثراتها ، لذلك فان السؤال الأساسي هو : ما هي أهم ملامح إستراتيجية العدو المشترك ؟

هناك هجوم شامل على الهوية العربية ، تشنه القوى الثلاث ( أمريكا – الكيان الصهيوني – إيران ) ، وهو  يقوم على تحقيق ما يلي :-

1- استكمال تجزئة أقطار الأمة العربية ، بعد تجزئة الامة وفقا لاتفاقية سايكس – بيكو ، باعتماد إستراتيجية تفتيت الأقطار العربية على أسس عرقية أو طائفية أو إيديولوجية  أو سياسية أو مناطقية .

2- تغيير مفهوم سيادة الأمة على ثرواتها الوطنية أذ تعمل القوى المعادية ، من أجل إضعاف الأواصر الوطنية بين المكونات السكانية ، على تشجيع نزعة سيطرة كل مكون منها على الثروات الطبيعية الموجودة في منطقته . وهو مشروع خبيث يعزز النزعات الانفصالية بين مناطق القطر الواحد بتوفير استقلال اقتصادي لكل منها بمعزل عن المناطق الأخرى . الأمر الذي يؤسس لمشاريع نزاعات اقتصادية بين ابناء القطر الواحد تضاف إلى النزاعات الطائفية والعرقية . وهذا ما يحصل في العراق الآن ، إذ يتم تقسيم الثروة البترولية بين جنوب العراق وشماله لتعميق الشرخ ودعم المشروع الفيدرالي ، الذي نص عليه الدستور المفروض أمريكيا وإيرانيا ،  من اجل تعزيز خطة تقسيم العراق باغراء عوامل وامتيازات اقتصادية تجعل  سكان المناطق الفيدرالية أو الكونفدرالية يقومون بالدفاع عنها في مواجهة الفيدراليات أو الكونفدراليات الأخرى . وهذا ما تتم الدعوة إليه أيضا في السودان بين شماله وجنوبه. وكما يمهد ويتم التخطيط له لتنفيذه في اليمن من خلال قوى الردة والانفصال أيضا .

إن هذه الخطة مصممة لإثارة الميول الأنانية الضيقة لتصبح أداة جديدة مضافة في شرذمة الأمة .

3- تسويق حجج ودفاعات عن إحياء نزعة الأقليات ، والعمل على وضعها على مسار تصادمي مع هوية الأمة : الاثوريون في العراق ، البربر في المغرب ، الأقباط في مصر .. الخ .

4- استغلال المشاريع الدينية السياسية لوضع الدين في مواجهة مع المشروع القومي ، وتغليب الانتماء الديني والطائفي على الانتماء الوطني ، ووصف الرابطة القومية تارة  بأنها ( منتج غربي ) ، وتارة بأنها ( ماسونية ) ، وتارة أخرى بأنها ( عنصرية ) ، لأجل تعميق الشعور الطائفي على حساب الشعور الوطني وتجذير العداء للقومية العربية كخطوة فكرية وثقافية أساسية تستغل لإحباط أهداف الأمة العربية في الوحدة ، وإشاعة التناقضات بين المذاهب والأديان لضمان استمرار الهيمنة الخارجية وتقسيم مناطق النفوذ في القطر الواحد تحت حجة توزيع الأدوار في حماية الأقليات المذهبية أو الدينية .

5- دعم انفصال الأقليات القومية ( كالأكراد في العراق وسوريا ) .

6- تشجيع نشوء ( كيانات ) جديدة داخل الهوية الواحدة ، مبنية على أساس التنظيم الحزبي أو العشيرة أو الحي أو الجهة ، ولذلك رأينا دستور الاحتلال في العراق يستخدم وصف ( كيانات ) للأحزاب ، وهو استخدام مدروس بدقة بهدف خلق جزر مجهرية داخل الهوية الواحدة ، يحكمها فرد طامح أو مريض ، أو الشيخ أو رجل دين ، أو أكاديمي مصاب بداء العظمة .

7- منع التكامل الاقتصادي بين أقطار الوطن العربي ، وإلحاق الاقتصاد القطري بالاقتصاد الأمريكي ، أي عولمته وأمركته ، وبذلك تضيع الثروة العربية في بحر العولمة المبنية على ترسيخ القطرية وتعزيز جزر المصالح الضيقة المتناثرة , ويصبح الاقتصاد القومي تابع يتم استغلاله لخدمة القوة الرأسمالية الكبرى ، ويستخدم في أغلب الأحيان في مجال تمويل الغزو الأجنبي للوطن العربي بكل أشكاله العسكرية والسياسية والثقافية والدينية ، ويتحول سكان الجزر المجهرية , حكاماً ومحكومين , إلى متلقين وتابعين لا حول لهم ولا قوة .

8 - إلى جانب تنمية وتشجيع التيارات المتسترة بالدين والطائفية وبذور الانفصالية والتشرذم ، عبر الفضائيات وغيرها ، ومحاولة تغليب إيديولوجيتها على الفكر القومي , فأن هناك فضائيات أخرى متخصصة في إعادة تشكيل وعينا وقيمنا وثقافتنا مستندة الى نشر قيم التحلل الاجتماعي وتعميم الغزو الثقافي على الصعد الاجتماعية والأخلاقية ، في محاولة لاجتثاث القيم والأعراف العربية ، باستخدام فضائيات متخصصة في إشاعة التحلل ومظاهر الإباحية والنزعات الأنانية والفردية .

ولئن كان الغزو العسكري والحصارات الاقتصادية وتفجير حروب داخلية ، هو المظهر المباشر لخطر العدو المشترك ، فأن الحملة الثقافية والإعلامية الغربية ( أمريكا + بعض أوروبا ) - الصهيونية – الإيرانية تركز على تذويب هويتنا العربية وإحلال النزعات المجهرية محلها تدريجياً ولتشويه ديننا الإسلامي ، وتحويله إلى أداة صراع بين المسلمين من جهة , وسلاح لقمع حركة التحرر الوطني العربية ذات الهوية القومية من جهة ثانية ، بدل أن نحافظ على الطبيعة الأصلية للصراع ، وهو انه صراع تحرري بين حركة التحرر العربية من جهة والاستعمار والصهيونية من جهة ثانية , وأخيرا ، وليس آخرا ، زرع قيم اجتماعية وخلقية تشابه قيم الغرب والصهيونية القائمة على التحلل الأخلاقي والاجتماعي الكاملين , مع أننا ننتمي لقيم مناقضة لكافة أشكال التحلل , الأمر الذي يفجر أسوأ أنواع التناقض والصراع النفسي والفكري والاجتماعي في مجتمعنا العربي وخصوصا بين أجياله من الشباب ليخلق حالة من حالات استهداف الهوية والكينونة والاستلاب والاستتباع الحضاري ، ناهيك عن خلق هوة عميقة بين الأجيال من الآباء والأبناء ! وهكذا تتحول الهوية العربية إلى ذكرى من الماضي تغلبت عليها نزعات قطرية وما قبل القطرية واصغر منها , وأنانية وازدواجية ثقافية تزرعها الفضائيات ونظم التعليم العربية التي فرضت، منذ التسعينيات، لتحل محل النظم التعليمية العربية – الإسلامية.

9- محاولة إقامة نظام شرق أوسطي جديد على أنقاض الجامعة العربية, رغم هزالها, يجتث الأقطار العربية , ويتشكل من قوى إقليمية كبيرة وقوية : الكيان الصهيوني وإيران وتركيا , وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وداخل هذا التشكيل ستجد الدول العربية نفسها تسبح بين أمواجه ، وناهيك عن الكيانات المجهرية التي نشأت على أنقاض الوطن القطري الصغير الذي قسم أو على وشك التقسيم ، مهمشة وتابعة لهذا الطرف أو ذاك . لذلك فأن دور من كانوا عرب الهوية , وأصبحت هويتهم الثانوية والفرعية هي الممثل الرسمي لهم , ليس سوى تلقي القرارات والعجز عن التأثير على النظام الإقليمي مهما امتلكت هذه الكيانات المجهرية من ثروات . ومما لا شك فيه فأن هناك محاولة لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير ، وفق المخطط الأمريكي الصهيوني والإيراني ، ومشروع منظومة دول البحر الأبيض المتوسط الذي قادته فرنسا ،  فالأول هو مشروع ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية ، وتسهم فيه الصهيونية من جانب، ودول الجوار الجغرافي للوطن العربي ، إيران وتركيا ، من جانب آخر. أما الثاني فترعاه أوروبا بقيادة فرنسية ، في محاولة لجعل كلا المشروعين بديلا عن المشروع القومي العربي، والبدء في تهديم كل المؤسسات العربية كمؤسسة القمة العربية ومؤسسة جامعة الدول العربية، لتلحق بهما كل المشاريع الوحدوية السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي نتجت عنهما .

أن تعزيز قوة إيران العسكرية وغزو العراق ، من اجل تغييب القوة العراقية التي كانت قوة الردع الإستراتيجي للكيان الصهيوني وإيران , ليس سوى مقدمات لإقامة النظام الإقليمي الجديد . ويجب ان لا يغيب عن ذاكرتنا طلب " الكيان الصهيوني الرسمي " بالانضمام إلى جامعة الدول العربية ، كما أن التوترات الأمريكية المصطنعة مع إيران هي  بمثابة عمليات إعداد لتغييرات داخل النظام الإيراني تؤهله للعب دوره الإقليمي المكمل لدور الكيان الصهيوني , كما أكدت وقائع غزو العراق وما يحدث من فتن طائفية في الوطن العربي .

10- إن تحويل الأقطار العربية إلى كيانات قزمة مهمشة بلا هوية ثابتة ، وفرض الهيمنة الإستراتيجية الأمريكية على الثروة العربية كمنطلق أساسي في الهيمنة على العالم , وفرض سياسة الأمر الواقع الرامية إلى جعل الأنظمة

المزيد


سمات فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث

يونيو 13th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

سمات فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث

 

 

 

شهد الوطن العربي نوعين من الأحزاب:

النوع الأول يمكن أن يسمى باسم "الأحزاب العقائدية".

والنوع الثاني يمكن أن يسمى "الأحزاب السياسية".

والأحزاب العقائدية هي تلك الأحزاب التي تمتلك نظرية فكرية تهتدي بها في نضالها من اجل تحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومنهجها للتحليل يمكنها من دراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وفهمها فهماً عميقاً.

أما الأحزاب السياسية فهي الأحزاب التي لا تمتلك نظرية فكرية ولا منهجاً للتحليل، ولا رؤية شاملة وعميقة للحاضر والمستقبل، وليس لها سوى أفكار عامة غائمة ومشوشة تجعلها تتخبط في عملها السياسي ولا تمكنها من الغوص في حقائق الواقع وفهمها، وتحرمها من رؤية المستقبل بعين بصيرة ووضع أسسه والعمل على بناءه.

أن حزبنا المناضل، حزب البعـــــــــــــــــــــــــــــث العربي الاشتراكي، هو من النوع الأول؛ أي من الأحزاب العقائدية، التي تمتلك نظرية فكرية ورؤية تاريخية أصيلة وشاملة وعميقة للحاضر والمستقبل ومنهجاً علمياً حضارياً لتحليل الظواهر وفهمها واستيعابها، وهي ما تميزه عن الأحزاب ذات العقائد الجاهزة المستوردة منها والسلفية، وما يجعله قادراًَ على خوض النضال بجدارة وثقة من اجل تغيير الواقع الفاسد وبناء مستقبل الأمة على وفق مشروعه النهضوي النظري.

إن نظرية الحزب الفكرية، ورؤيته الخاصة للماضي والحاضر والمستقبل، ومنهجه العلمي الحضاري في تحليل الظواهر ودراستها، هو ما نطلق عليه اختصاراً عبارة (( فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث)).

وكل دارس لفكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث لابد أن يلاحظ أن لهذا الفكر سمات واضحة يتسم بها ويتميز عن سائر الأحزاب الأخرى التي ظهرت في الوطن العربي.

وهذه السمات هي سر حيوية هذا الفكر ومرونته وتجدده وقوة تأثيره وفعاليته وإيمان قطاعات غفيرة من الجماهير العربية به.

 

سنحاول فيما يأتي تشخيص أبرز هذه السمات وأهمها..

 

البعـــــــــــــــــــــــــــــث فكر أصيل:

 

يتميز البعـــــــــــــــــــــــــــــث على سائر الأحزاب التي شهدتها الساحة العربية بكونه فكره أصيلة لم تستورد معلبة وجاهزة من خارج الوطن العربي، ولا وضعت في برج عاجي أو نسجت في مكتب معزول، بل ولدت من رحم الأمة العربية كما يولد الأطفال من أرحام الأمهات؛ ولدت فكرة حية نابضة معجونة بآلام الأمة ومعاناتها فتشربت بنفسها، وحملت روحها، وعبرت عن أصالة تاريخها وحضارتها، وجسدت أحلامها وطموحاتها ونزوعها إلى التجدد والانبعاث والمشاركة في صنع الحضارة الإنسانية بدور متميز وأصيل.

_________________________________________

 

البعـــــــــــــــــــــــــــــث فكر نضالي:

 

لذلك كان فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث فكراً نضالياً معجوناً بدم النضال اليومي الذي تخوضه الأمة ضد عوامل التجزئة والانقسام والتشتت، وضد التخلف والفساد والظلم والاستغلال والهيمنة الأجنبية.

وهذا يعني أن فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث ليس فكراً نظرياً مجرداً معزولاً في وسط ثقافي معين غايته المتعة الذهنية وتعاطي الأفكار والنظريات في أبراج عاجية معزولة عن آلام الجماهير ومعاناتها اليومية، بل هو فكر يتجه إلى الجماهير نفسها، يعلمها ويتعلم منها، فهو يبصر هذه الجماهير بحقيقة هويتها وانتمائها، وآلام واقعها وأسبابها، ويرسم لها طريق التخلص من هذه الآلام ويقودها فيها، ويجعل لوجودها غاية إنسانية ومثلاً أعلى هما رسالتها في الحياة، وهو في الوقت نفسه يتلمس نبض هذه الجماهير ويتعلم من معاناتها ويستلهم منها ما يغنيه ويطوره ويحافظ على حيويته وتجدده.

لذلك صح أن يوصف هذا الفكر بأنه فكر نضالي، وصح أن يوصف نضال البعـــــــــــــــــــث بأنه نضال يستهدي بالفكر ويتخذ منه دليلاً ومرشداً.

____________________________________

 

فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث قوة للتغيير:

 

هذا يعني أن فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث ليس مجرد نظريات وأفكار مسطرة في الكتب والكراسات، تقرأ لأغراض المتعة والتسلية، أو لأغراض الثقافة المجردة وتوسيع الآفاق؛ بل هو قوة ملموسة قادرة على التغيير، وتعتنقها الجماهير لتغير واقعها المؤلم. وتتخلص من عوامل التخلف والفساد والظلم والاستغلال وتبني لها مستقبلاً حراً كريماً تتفتح فيه مواهبها وقدراتها وتزدهر، وتصبح قادرة على إدراك مغزى وجودها والقيام بدورها الايجابي في الحياة.

وبهذا يستطيع فكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث أن ينمي العقول والأذهان، ويغير النفوس ويهذب الأخلاق والسلوك، ويقلب الواقع المؤلم ويبدله بغيره أفضل منه.

____________________________

 

وهو فكر شامل:

 

وفكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث فكر شامل، سواء في نظرته إلى واقع الأمة، أم في مشروعها لتحقيق نهضتها.

فهو لا ينظر إلى مشكلات الأمة نظرة تجزيئية مبسترة، ويركز على مشكلة وبهمل المشكلات الأخرى، بل ينظر إلى جميع المشكلات بوصفها وحدة متكاملة متفاعلة، لكل منها أثرها في واقع الأمة ودورها في تعويق نهضتها، فمشكلة التجزئة مثلاً لا تنفصل عن مشكلة الهيمنة الاستعمارية وتسلط الأنظمة الفاسدة والقمعية، ولا عن مشكلة الاستغلال وهيمنة الطبقات الاجتماعية المستغلة، ولا عن مشكلة التخلف الاجتماعي والاقتصادي والعلمي، أو عن مشكلات أخرى كالعشائرية والطائفية والجهوية والقطرية، فهذه المشكلات وغيرها مما لم نذكره هنا، تشكل – كل متكامل متصل ومتفاعل – معوقات طريق نهضة الأمة وارتقائها.

لذلك كان المشروع البعـــــــــــــــــــــــــــــثي لتحقيق هذه النهضة شاملاً هو الآخر بالأهداف والوسائل والأساليب.

ففي الأهداف تعتبر الوحدة والحرية والاشتراكية وإطلاق طاقات الأمة من اجل تحقيق رسالتها الإنسانية تعبيراً موجزاً ودقيقاً عن هذا المشروع.

والمشروع البعـــــــــــــــــــــــــــــثي ليس مجرد مشروع نظري بل هو مشروع للتحقيق ووسيلة تحقيق هذا المشروع هو الحزب بوصفه طليعة ثورية تقود الجماهير في طريقه إلى تحقيق الأهداف المذكورة، ولكي يستطيع الحزب أن يكون وسيله فعالة لتحقيق الأهداف كان لابد له أن يكون ممثلاً قومياً في بنيته الفكرية والتنظيمية أي في تكوينه الفكري وانتشاره التنظيمي.

ولكي يختصر البعـــــــــــــــــــــــــــــث الزمن الذي يتطلبه مشروع النهضة، كان لابد له من نبذ أسلوب التطور التدريجي البطيء، واختيار الأسلوب الثوري والجذري في العمل والنضال.

______________________________

 

وهو فكر تقدمي مستقبلي:

 

وفكر البعـــــــــــــــــــــــــــــث فكر تقدمي مستقبلي، فهو ليس فكراً سلفياً يتشبث بالماضي ويحن إلى العودة إليه، بل هو يتخذ من أمجاد الماضي وحالاته المشرقة دافعاً لاستنهاض الجماهير من اجل تحقيق نهضة جديدة عصرية، تنسجم مع متطلبات الحاضر والمستقبل، بأسلوب جذري وشامل

المزيد


القومية الباعث الأول للوحدة

مايو 27th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

 

القومية الباعث الأول للوحدة

 

الأستاذ شبلي العيسمي

 

القومية العربية من المقومات الأساسية في بناء الوحدة، وفيها المبرر أو الدافع الأكبر للإيمان بالوحدة والنضال من أجلها.  وما دام هذا الترابط الجدلي قائماً بينهما بهذه القوة، وما دامت الوحدة مرتكزة إلى القومية، فلا بد أن نتأكد من أن لهذه القومية وجوداً حقيقياً ثابتاً وفاعلاً، وأنها ليست وليدة ظروف مرحلية طارئة أو اجتهادات متطورة وقابلة للتبدل والتغيير.  وبما أن الوحدة هي التجسيد السياسي العملي للقومية العربية، وأن المشاعر القومية هي للوحدة بمثابة النسغ الذي يغذي الشجرة ويمدها بالقدرة على النمو، فقد أصبح لزاماً علينا أن نبرهن أن القومية العربية حقيقة قائمة، أو قضية مقضية، لا مجال لإنكارها أو الاستخفاف بتأثيرها، كما فعل الماركسيون باسم الأممية، حين اعتبروا القومية وليدة القرن التاسع عشر ولمرحلة عابرة، أو كما فعل الإسلاميون الذين لم يروا في الإسلام سوى عالميته، وتجاهلوا صلته العضوية بالعروبة، أو كما يعتقد بعض الكتاب "بأنها لا تتجاوز حدود الجزيرة العربية" (مثل د. لويس عوض في الأهرام 20/4/1978).

وبعبارة أخرى كما أن للشجرة الطيبة جذوراً ممتدة في باطن الأرض تمدها بالغذاء اللازم للنمو والإنتاج، كذلك الأمر بالنسبة للقومية العربية فهي ضاربة في أعماق التاريخ يمدها بوحدة التراث الروحي والثقافي ويجعلها قوة دفع نحو الوحدة.  وهكذا فإن الدعوة إلى الوحدة لن تموت إلا بموت الشعور القومي، وهذا الشعور قد يضعف ويخفت، وقد يتسع أو يضيق، لكنه لن يموت ما دام في الأمة نزوع للبقاء والتقدم، كما هو الشأن في الأمة العربية الكبيرة، ذات الحضارة العريقة، في حين أن الأقليات القومية في كل دولة قوية قد تذوب عن طريق الهيمنة إذا طالت لمئات السنين، أو بالانصهار الطوعي الناجم عن توفير المساواة والعدل مع بقية مواطني الدولة، ومن المناسب أن نذِّكر هنا بما جرى في الاتحاد السوفييتي من التحركات والتظاهرات ذات الطابع القومي في ظل الديموقراطية الجديدة التي أتاحتها البريسترويكا، ودلت على أن المشاعر القومية لم تمت بل كانت مكبوتة بفعل القوة، ما يزيد على سبعين عاماً، كما أن قيام دولتين ألمانيتين ودولتين كوريتين بعد الحرب العالمية الثانية واصطناع الخصومة والتنافس بين الدولتين المنتميتين لأمة واحدة لم يخمد المشاعر القومية التوحيدية بين أبنائها، وبقيت الضغوط الشعبية تدفع باتجاه الوحدة القومية، وعدم التوقف عند الهوية الجنسية التي تمنحها الدولة لمواطنيها.  وهكذا تحققت الوحدة الألمانية بينما يمضي توحيد الكوريتين في طريقه.  وهذا ينفي الرأي القائل أن الدولة تخلق القومية، لكنه لا ينفي أن يكون قيام الدولة المطابق لحدود القومية معززاً لهذه القومية.. وقبل المضي في البحث نجد من المفيد أن نحدد في البداية مفاهيم الكلمات والمصطلحات الأساسية التي نستخدمها حتى لا يقع اللبس والغموض حول ما نقصده من الطروحات المتصلة بها.

 

 

1 – مفهوم الوحدة:

من الأمور المؤذية للوحدة ما يكتنف معناها من تمييع، أو تضييع عن قصد وتعمد، أو عن جهل باللغة وبالمضمون العلمي للكلمة، فمن الملاحظ أن الحكام العرب الراغبين بالمحافظة على أنظمتهم القطرية، وامتيازاتهم، حينما يتحدثون عن الوحدة، فإنهم يريدونها بمعناها اللغوي العام الذي لا يتعدى معنى التعاون والتضامن والتنسيق، ولا يصل إلى معناها السياسي الدستوري الذي يستوجب قيام دولة واحدة فوق الدولة القطرية.  والوحدة في اللغة مصدر لفعل "وحَّد"، أي جعله واحداً، وعي نقيض التجزئة.  ووحد الأشياء توحيداً، بمعنى اتحدت وصارت شيئاً واحداً، والاتحاد جسم مركب، والاتحادات المركبة على أنواع: الاتحاد الشخصي والتعاهدي (الكونفدرالي والفعلي الحقيقي)، والاتحاد الفدرالي.  والحق أن الوحدة كما نفهمها وننشدها ذات صيغة اتحادية لا مركزية، بكل ما تعنيه كلمة الاتحاد السياسي (الفدرالي) من المعاني المعروفة في كتب القانون والنظم السياسية، والوحدة تتم خطوات ومراحل ومستويات مختلفة، ولا تأخذ قوتها وتعطي ثمارها المرجوة ما لم تقم على الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.  والدولة الاتحادية تنشأ من انضمام عدة دول لبعضها بحيث تكون دولة واحدة، ولها سلطة على الدول الأعضاء ورعاياها، وتفقد الدول سيادتها الخارجية، وتحتفظ بالسيادة الداخلية في معظم شؤونها.  ويبقى لكل دولة دستورها وقوانينها ومجالسها النيابية وحكومتها وقضاؤها.  وللدولة الاتحادية كثل هذه المؤسسات أيضاً، وتصبح الدول المشتركة بالاتحاد ولايات أو مقاطعات أو دويلات، ومن نماذجها سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا وأندونيسيا… والدستور الاتحادي يحاول التوفيق بين السيادة القومية والسيادة القطرية.

هذا ويمكننا القول أن ما ورد في ميثاق القاهرة الذي وقع في نيسان من عام 1963 لإقامة الوحدة الاتحادية بين مصر وسورية والعراق، يعبِّر إلى حد كبير عما نعتقده ممكناً ومفيداً بالنسبة لصيغة الوحدة الدستورية المنشودة، على أن تجري عليه بعض التعديلات التي تستوجبها الظروف والمستجدات التي طرأت على الساحة العربية بعد توقيعه.  أما الدولة الموحدة البسيطة كما في فرنسا أو حدة سوريا ومصر التي سميت بالاندماجية فلا نقصدها فيما نطرحه وندعو إليه

-         هناك بعض الكلمات يستخدمها الكثيرون ولاسيما من الفئات الحاكمة، من غير أن يدققوا بمحتواها ومعناها اللغوي.  وإذا لم نوضح بدقة حقيقة ما تعنيه فإنها تلقي ظلالاً من اللبس والغموض على ما نقصده من الوحدة والاتحاد، ونذكر على سبيل المثال أن مؤتمر الشعب العام في ليبيا قرر في ختام اجتماعاته في طرابلس آذار 1990 المصادقة على مشروع للوحدة مع السودان… وأكد على سرعة تنفيذ مشروع التكامل مع السودان والعمل على تطويره بما يحقق الوحدة الاندماجية الكاملة، ودعوة الأقطار العربية والأفريقية للانضمام إليه.  ومن هذا القرار يلاحظ فقدان الدراسة الجدية والعلمية للوحدة، إلى جانب الغموض في فهمها، وذلك عندما يستعجل قيام الوحدة الاندماجية ويدعو الدول الأفريقية للانضمام إليها.  وهنالك أمثلة أخرى سترد في أكثر من مكان، وتحملنا على توضيح بعض الكلمات المستخدمة بمعنى الوحدة والاتحاد وهي في حقيقتها لا تحمل هذا المعنى ومنها كلمات التعاون والتضامن والتكامل والتحالف والتنسيق… الخ.

-         فالتعاون يعني العمل المشترك بين دولتين أو أكثر لتحقيق منفعة متبادلة تساعد على التفاهم والتفاعل واستبعاد الصراع .  ويقوم على أساس التكافؤ حتى لا يتحول إلى تبعية.  كأن يتعاون الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية على الحفاظ على الأمن والسلام في العالم رغم اختلاف نظاميهما.  وقد يكون التعاون على إنجاز قضية معينة وينتهي بانتهائها.  وحين يستمر التعاون، ويتعمق يتحول إلى التنسيق الذي يحمل معنى الإرادة والالتزام واستبعاد التصادم في المصالح المشتركة، وقد يتطور التنسيق إلى تحالف ولكنه يبقى تحالفاً ذا طابع سياسي مؤقت.  وهكذا فالتعاون يمكن أن يحصل بين دول مختلفة متباينة في مقوماتها وأهدافها القومية.  والاتفاقيات التعاونية ليست ظواهر أو حالات اتحادية رغم أنها قد تخدم التوجه الوحدوي ضمن الأمة الواحدة.

-          أما التضامن فيفيد معنى التكاتف والتساند في مواجهة الأخطار الخارجية المحيطة بالدول المتضامنة، ولا يحتاج إلى معاهدات ثنائية أو جماعية، ويمكن أن يحصل بحكم الروابط التاريخية والمصالح المشتركة ويخدم هدف الوحدة.  وفي لسان العرب لابن منظور وردت كلمة تعاونوا بمعنى: أعان بعضهم بعضاً.  وكل شيء أعانك فهو عون لك.  وفي المنجد عوّن وعاون معاونة. ساعده.  وهكذا فالتعاون لغة تبادل المساعدة أو المؤازرة.  أما التعاون كمذهب وكنظام اقتصادي واجتماعي فيقوم على التضامن الطوعي بين جماعة من الأفراد لإقامة مشروع اقتصادي مشترك هو الجمعية التعاونية.  أما عن كلمة التضامن، فتعني التكافل.  ضَمِنَ الشيء.  كفل به (ابن منظور).  وفي المنجد تضامن الفرقاء ضَمِنَ بعضهم بعضاً تجاه صاحب الحق.  وتضامن القوم على أمر: اتحدوا متفقين عليه (على أمر محدود).  وفي مختار الصحاح التضامن الاتفاقي (تضامن بحكم الاتفاق).  والتضامن القانوني بحكم القانون

-         أما كلمة الاتحاد في معرض الحديث عن الدول، فتعني التفاعل والتكامل بين دولتين أو أكثر بحيث يصبح لهما كيان واحدٌ موحد، له صلاحيات أعلى وأوسع من صلاحيات الكيانات المندمجة فيه.   بينما الرابطة بين الدول تربطها ببعضها وقد تكون الرابطة ضعيفة.   والجامعة تجمعها من دون تفاعل.  وهكذا فإن هذه الكلمات وكذلك التعاون والتضامن لا تعني في اللغة والحقوق قيام دولة دستورية متحدة، ولكنها تهدف إلى تحقيق أهداف جزئية وقد تكون محدودة وظرفية وطارئة

-         أما كلمة المتحدة الواردة في تسمية هيئة الأمم المتحدة، فلا تعني أكثر من المتعاونة في حالات معينة، أو المتفقة على أهداف محددة عامة.

 

2 – مفهوم القومية:

القومية بصورة عامة، إحساس بالانتماء والولاء إلى الأمة واستعداد للدفاع عنها، وكما أنه لا قومية بلا أمة في وطن، فلا وحدة بلا قومية، ولا قوة لقومية بلا دولة.  يقول الأستاذ ساطع الحصري: "إن القومية حب القوم والوطنية حب الوطن".  وهنالك تعريف أخر مماثل للأستاذ ميشيل عفلق جاء فيه: "القومية حب قبل كل شيء.  هي نفس العاطفة التي تربط الفرد بأهل بيته، لأن الوطن بيت كبير والأمة أسرة واسعة".  والقومية من كلمة قوم حيث ذُكرت في 383 آية قرآنية وكلها بمعنى جماعة اجتماعية تشد أفرادها روابط معينة تميزهم عن غيرهم.

وورد في المعجم الفلسفي أن القوم في الاصطلاح: الجماعة من الناس تؤلف بينهم وحدة اللغة والتقاليد الاجتماعية وأصول الثقافة وأسباب المصالح المشتركة، ويرادفه لفظ الأمة Nation.  وهي مجموعة الأفراد الذين يؤلفون وحدة سياسية تقوم على وحدة الوطن والتاريخ والآلام والآمال.  والقومي Nationalist هو المنسوب إلى القوم.. والقومية أيضاً، صلة اجتماعية عاطفية تتولد من الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والثقافة والتاريخ والحضارة والآمال والمصالح.

ويجدر التنويه هنا إلى أن الإشارة لقضية الجنس، لا تعني فيما نفهم منها القرابة المادية القائمة على وحدة النسب ونقاء الدم، وإنما هي اعتقاد قائم لدى الكثيرين بوجود هذه الرابطة العرقية، ورغم افتقاره إلى التبرير العلمي لديهم فقد أصبح قوة معنوية لها تأثير فعلي في التعاطف والتقارب بينهم.  وهكذا فإن الاعتقاد الراسخ في النفوس يكتسب أحياناً قوة الحقيقة رغم استناده إلى الوهم.  وبعبارة واحدة: القومية شعور يربط بين أفراد الأمة ويعبر عن الولاء لها، والأمة جماعة من الناس يربطهم الشعور القومي الناجم عن وحدة اللغ

المزيد


من اجل ماذا يناضل البعثيون..؟..

مايو 18th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

 

من اجل ماذا يناضل البعثيون..؟..

 

 

 

الهادي حامد / تونس

 

 

سؤال قد يطرحه المشككون ، الاصدقاء والأنصار والأعداء على السواء.. لكن المناضل البعثي لا شك غائب لديه لأنه يعرف مسبقا الإجابة وقد انخرط في الفعل النضالي على أساسها.كل حركة مناضلة تلاقي حملات تخريب وإحباط و مجابهة بكل السبل من قوى الضد. من القوى المستفيدة من الواقع القائم، من حيث عناوينها أو بشكل فردي، أو من حيث حجم الاستفادة الذي يعود إلى القوى الكامنة خلفها والتي توظفها توظيفا استراتيجيا قد يكون معلنا أو خفيا.

هل المناضل البعثي يناضل من اجل وظيفة ذهبت في مهب الريح..؟؟..من اجل راتب عصف به واقع الاحتلال..؟؟..من اجل رفاهة تحولت إلى ذكرى..؟؟..من اجل مقام اجتماعي أو سياسي احل محله الذل والتشرد..؟؟..هل أن الشهيد صدام حسين قدم رقبته من اجل كرسي القيادة ..؟؟..من اجل الامتيازات القانونية الاجتماعية والبروتوكولية هذا الموقع..؟؟..نعرف من باب البداهة : انه لو فضل الكرسي على العراق والأمة لما حصل ماحصل له.لو شاء أن يظل في موقع الحكم وان يحكم الخليج كله والكيانات الإقليمية كلها لما انحاز إلى صف المقاومين حتى الرمق الأخير.أمريكا كانت ستمكنه من هكذا رغبات لو شاء. لو قبل بمبدأ مصالحة الصهاينة ، من خلال الطلبات المرسلة إليه من بعض الوسطاء، لما ضحى بابنيه وحفيده وآلاف الشهداء من شعبه.هذا القائد الفذ، هبة السماء، يعطي أولوية إلى تقديم نماذج خالدة في الإباء والشرف و الثبات والوفاء للعراق وللأمة،بل لا يعطي أية قيمة لمصيره الشخصي والعائلي و لغريزة الحياة أصلا.يعرف ويؤمن أن الموت حق. وانه لا تدري أي نفس كيف تموت وفي أي ارض تموت. وان كان قد قال فيما اذكر، خلال حوار مع صحفي بريطاني قبل الغزو بأنه على ثقة انه سيوارى ثرى العراق ، في إشارة إلى انه لن يغادر الميدان ، لا بصفته قائدا بل مواطنا عراقيا عليه واجب القتال ، بالنصر أو الشهادة، مثله مثل أي شريف من أبناء شعبه.يؤمن أن روحه زرعها الله في جسده وهو يأخذها لحظة وأينما وكيفما يشاء.وقد أعمى الله الغزاة بان نحروه يوم العيد ، حتى تكون رمزية استشهاده على غاية من ال

المزيد


القومية العربية والنظرية القومية

مايو 18th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

 

القومية العربية والنظرية القومية

 

 

 

أبو محمد العبيدي

 

 

جميع العرب يرجعون إلى ولد ثلاث رجال:وهم عدنان وقحطان وقضاعة ,فعدنان من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك ,وأما قحطان ,فمختلف فيه من ولد هو ؟ فقوم قالوا هو من ولد إسماعيل _عليه السلام _ وقد قيل إن قحطان من ولد سام بن نوح ,والله اعلم,وقيل :من ولد هود عليه السلام . وأما قضاعة فمختلف فيه :فقوم يقولون :هو قضاعة بن معد بن عدنان ,وقوم يقولون :هو قضاعة بن مالك بن حمير ,والله اعلم .

وقد عاشت الأمة العربية قبل الإسلام في الجزيرة العربية واليمن وجنوب وغرب العراق ومنطقة الجزيرة ما بين سوريا والعراق ,وعندما جاء الإسلام اجبروا على الخروج من الجزيرة لنشر الدين الإسلامي ,ولمحاربة الإمبراطوريات المجاورة التي كانت تهدد وجودهم وتقف حائل أمام انتشار الإسلام فاصطدموا بالإمبراطورية الفارسية وانتصروا عليها بل وانهوا وجودها, وكذلك حاربوا الإمبراطورية الرومانية وطردوها من سوريا ومن ثم اتجهوا إلى أفريقيا ليسيطروا على شمال أفريقيا وليمتد سلطانهم الى وسط أفريقيا, ومن اجل تثبيت الدين الإسلامي, كان واجب على العرب انتقال الكثير من القبائل العربية من الجزيرة العربية إلى الأمصار التي خضعت لهم وكانت الغاية الأساسية هي نشر الدين ومبادئه وتعاليمه وأضيفت إلى هذا الهدف مع تطور الدولة الإسلامية هدف الحفاظ على الإمبراطورية أو الدولة الإسلامية وتوسعاتها, ومع مرور الزمن تغلغلت القبائل العربية في هذه البلدان, وبدأت عملية الاندماج والانصهار بين هذه الشعوب وبين العرب بطريقة سلسة وبدون تخطيط مسبق وكان العمل الأساسي المساعد هو الدين الإسلامي والذي فرض على هذه الشعوب تعلم اللغة العربية لكي تستطيع قراءة القرآن وفهم الدين مما كان عامل أساسي ومؤثر مستقبلا على تحديد هوية هذه الشعوب وإذا ما أضفنا القيم ومفردات الأخلاق والتي تداخلت مفاهيمها بين الأخلاق العربية والأخلاق الإسلامية والتي كانت مكملة لها ,حتى أصبحت واحدة لا يمكن التفرقة بينهما كل ذلك جعل عملية اندماج هذه الشعوب بالعروبة وإمكانية تبنيها للعروبة أسهل بكثير والشيء الأساسي الذي كان حجر الأساس لهذا الاندماج التدريجي هو عدم وجود ضغط أو تخطيط مسبق أو قوة في السير به بل جاء تلقائيا وضمن سياق التطور التاريخي لهذه الشعوب ,كل ذلك جعل هذه الشعوب تتخلى تدريجيا عن قوميتها السابقة لتندمج مع العرب ولتصبح جزء من الشعب العربي وبالتالي جزء من القومية العربية ,ولم يكن هذا هو العامل الوحيد بل إن التفاعلات ما بين التراث العربي والتراث المتبقي من الحضارات القديمة مثل الحضارة الفرعونية والفينيقية والبابلية والأشورية وبقية الحضارات التي نشأة على هذه الأراضي والتي لعبت دورا كبيرا في حياة تلك الشعوب ,هذا التفاعل ما بين الحضارة العربية وهذه الحضارات والذي أدى إلى خلق حضارة وتراث موحد يعرف اليوم بالتراث والحضارة العربية والإسلامية,كل ذلك إضافة إلى وحدة اللغة ووحدة المصير واندماج الدماء العربية بدماء هذه الشعوب والاهم هو وحدة الدين لأغلب هؤلاء قد ساعد بل كان الأساس للوجود القومي وبالتالي نشوء القومية العربية بمفهومها الحالي ,فالعلاقة ما بين هذه الشعوب أو الأفراد لا تقتصر على الدين فقط ولا تقتصر على الدم أو النسب فقط ولا تقتصر على التراث فقط ولا تقتصر على وحدة المصير ولا على اللغة ولا على وحدة الأخلاق ومنظومة القيم المشتركة بل على جميع أو اغلب هذه المقومات فمن لا تشترك معه بالدين تشترك معه ببقية المقومات ومن لا تشترك معه بالدم تشترك معه ببقية المقومات مما يفرض خلق حالة جديدة تضم كل هذه المقومات التي تفاعلت عبر مئات السنين لتنتج لنا القومية العربية بمفهومها الحالي والأمة العربية بتراثها المشترك والشعب العربي بأهدافه المعروفة ,والتي مهما حاول المتشككين من القفز فوقها فلن يستطيعوا التأثير على مسيرتها ومستقبلها ووحدة مصيرها ,فهذا منطق التاريخ المشترك, والجغرافية التي تمثلت بالوطن العربي بحدوده الحالية وهذان العاملان المضافان لمقومات وجود هذه القومية واللذان سيبقيان سدا منيعا أمام محاولات كل أعداء القومية للنيل منها, وبالرغم من محاولة البعض من استغلال الدين الإسلامي للنيل من القومية العربية ومحاربتها,من خلال تنكرهم لدور العرب وعلاقته بالإسلام ,بل حاولوا القفز على أهم مهمة للعرب كلفهم الباري بها وهي اختيارهم من دون شعوب وقوميات الأرض لنشر الدين الإسلامي ,وكذلك تغافلوا عن إرادة الباري الذي كرم لغتهم بان جعلها لغة الجنة ولغة القرآن وهي اللغة الوحيدة التي لن تزول من الوجود لأنه ربطها ببقاء القرآن الكريم عندما ذكر في محكم كتابة العزيز (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) سورة الحجر (وأنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون )سورة يوسف و(كتاب فصلت آياته قرانا عربيا لقوم يعلمون) فصلت و(وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) الرعد (نزل به الروح الأمين ,على قلبك لتكون من المنذرين,بلسان عربي مبين )الشعراء.صدق الله العظيم.

 وبعد كل هذا, فكيف يمكن أن يحفظه الباري عز وجل إذا لم يحفظ اللغة التي نزل بها,وأما البعض الآخر والذين يدعون حبهم لأهل البيت والتزامهم بالأئمة من أهل البيت, وإذا بهم يتنكرون للنسب العربي من خلال تنكرهم للقومية العربية,وأنا لا افهم كيف انك تؤمن بنظرية يكون النسب العربي أهم ركن فيها من خلال النسب العمودي للحسين (ع) وفي نفس الوقت تجاهر بالعداء لأصل هذا النسب,أو تعمل ضمنيا ضده من خلال محاربته بحجة الإسلام, وكان الإسلام بعيد عن هذه القومية ولم يتكون ويظهر إلى الوجود من خلالها وبها بل بأخلاقها والتي أتم مكارمها الإسلام,ومن يستند إلى قول الرسول (ص) (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) لكي يلغي الوجود العربي إسلاميا فانه يلغي بذلك الكثير من ركائز الإسلام ,إن المساواة ما بين المسلمين لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء للروابط التي تربط البشر ولكن على شرط أن لا تكون متقاطعة مع الإسلام, والعروبة لم تكن ولن تكن متقاطعة مع الإسلام بل مكملة له والشواهد كثيرة على إن الإسلام لم يلغي كل عادات وتقاليد العرب وقيمهم بل قوم الأخطاء وجعلها بعد التقويم أخلاقا للإسلام,أي إن الأخلاق الإسلامية أساسها الأخلاق والقيم  العربية,فكيف بعد ذلك بالإمكان محاربة القومية وباسم الإسلام,وأما دور اللغة العربية فهو وحده كافي لكي تأخذ القومية العربية دورا متميزا في الدين الإسلامي,ولو أضفنا إلى كل ذلك النسب العربي لسيد البشرية ونبي الهداية ,وبالرغم من كل ذلك فان القومية العربية بالمفهوم البعثي لم تكن في يوم من الأيام إلا إنسانية ,وان الثوريون في العالم اقرب إلينا من العملاء العرب ,فلم تكن قوميتنا شوفينية ولا نحن, ولم نقل بأفضليتنا عن

المزيد


قضية الوحدة في فكر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق

مايو 14th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

قضية الوحدة العربية

في فكر الأستاذ ميشيل عفلق

 

الدكتور عثمان سعدي

مفكّر وباحث من الجزائر

 

بعد تفكير طويل توصلت الى أن أفضل أسلوب للكتابة عن رجل منظر مثل ميشيل عفلق هو أن اتركه يتكلم ، أي أن أقوم بتنظيم الافكار التي أرى ضرورة ابرازها ، من خلال جمع نصوص من كتاباته و تنظيمها و عرضها .و هذا أراه الأسلوب الامثل في البحث ، لانه يبرز شخصية المفكر موضوع الدراسة و هو المهم .اما الباحث فان دوره في هذا النوع من البحث يكون مخفيا أي في الظل ، و هو المطلوب .و يخطئ الكثير من الباحثين عندما يقحمون شخصية الباحث و يبرزونها على حساب شخصية المفكر موضوع البحث .

و الأستاذ ميشيل من نوع المفكرين الواضحين ، يكتب باسلوب واضح و مباشر بعيد عن الغموض . يملك من الايمان و الشجاعة ما يجعله لا يلجأالى الرمز أو التلميح .لم يغير موقفه من القضايا التي اعتمدها من فكره طوال حياته. سلك خطأ واحد لم يحد عنه قيد انملة. فهو لايحتاج من الباحث الى ان يكثر من تدخله لالتماس الاعذار و التبريرات بمواقف اعتراها التبدل ، او التفسيرات لافكار لابسها الغموض او ظللتها الرموز .

في هذا المحيط يدور هذا البحث عن الاستاذ ميشيل عفلق الذي شغل ساحة الفكر القومي طوال نصف قرن،و ترك ذكرى طيبة لدى الناس ، احبه اتباعه و استمروا في حبهم ،و احترامه خصوصه و استمروا في احترامهم له الى ان غادر دنيانا. ان اساس فكر الاستاذ ميشيل عفلق منذ بدأ يمارس العمل السياسي –هو فكرة وحدة الامة العربية فكتاباته ،و سلوكه،وتحركه السياسي ،و علاقاته بالناس العاديين ،و علاقاته بالجماعات :سياسية كانت ام اجتماعية ،كانت كلها ترتكز على فكرة الوحدة .فهو يؤمن بأن كل نظرة مهما كان الهدف الذي تصوب له لابد ان يؤسس على فكرة الوحدة التي يعتبرها مسلمة غير قابلة للنقاش. و كيف تكون قابلة للنقاش فكرة تستهدف لم شتات العرب و تجمع شعوب الامة العربية في كيان واحد ،هذه الامة التي كانت مصدر الرسالات الانسانية التي وجهت البشرية ،و شذبت من خشونتها ،و هذبت من طباعها .

فكل قضايا الحياة العربية و في سائر الحقول الاقتصادية ،و الاجتماعية و السياسية ،لا بد ة وان ترتكز في تصورها و البحث عن حلول لمسائلها على مسلمة الوحدة .يقول :" كل نظرة و معالجة لمشاكل العرب الحيوية في اجزائها و مجموعها لا تصدر عن هذه المسلمة :( وحدة الامة العربية ) تكون نظرة خاطئة و معالجة ضارة ".    

و يعرف فكرة الوحدة بأسلوب شمولي بعيد عن النظرة الجزئية الضيقة ،أو الظاهرية السطحية ،فيرى الوحدة المنشودة ليست الوحدة السياسية التي توحد بين كيانات سياسية ،أو انظمة حكم ومن فوق و على مستوى قمم المسؤولية و انما المنشود هو الوحدة القومية التي تؤسس الكيان الواحد من القاعدة ،و من الاساس ،و التي تتناول سائر حقول الحياة الملتصقة بالناس ، بهمومهم و مصالحهم ،لان الوحدة السياسية هي حصيلة عمليات تتم قبلها أو تأتي نتيجة لها .يقول :" ان الوحدة المفقودة هي الوحدة القومية و ليست الوحدة السياسية لان الوحدة السياسية نتيجة ".

و يعرف الوحدة بانها ثورة تاتي لتغير الواقع السيء فتطلق الطاقات الحبيسة و الامكانات المعطلة ،يقول: " الوحدة ثورة تاتي لتزيل التشويه و تغير الواقع ،و تكتشف عن الاعماق ،و تطلق القوى الحبيسة و النظرة السليمة".

و الواقع الذي تغيره الوحدة واقع موروث عن عصور التخلف و التفكك ،فقد العرب في اثنائها سيادتهم ،كما عاشت أقطارهم مجزأة و تخلت عنهم في اثنائها ملكة الابداع و الحس الحضاري ،و تحولوا الى جمع يعيش عالة على حضارة الاخرين ،يقول :"تعرفون بان البلاد العربية طرأ عليها منذ قرون تفكك و انحلال ، و لسنا بحاجة الآن للرجوع الى التاريخ .. فقد عاش العرب مئات السنين مجزأين سياسيا ،و فقدوا في كثير من اقطارهم سيادتهم و الابداع ،ملكة الابداع ،ملكة التقدم و الحضارة .اي ان المجتمع صار ينحل شيئا فشيئا و يعيش عالة على غيره ،على حضارة الاخرين ،او على يقايا حضارته القديمة ".

و يحلل الاستاذ ميشيل عفلق واقع التجزئة الاسود الذي وصل اليه العرب بعد قرون من العهود المظلمة في تاريخهم ،فقد صار كل قطر ينظر الى التجزئة على انها هي الاساس و الاساسي و ان الوحدة و التجمع هي الفروع ،و الجزئي ،يقول :" هذا معناه ان كل قطر بشخصيته الخاصة و مشاكله الخاصة ،هو الاصل و الاساس .و انه في الفروع في التنائج .. في امور سطحية ليست عميقة يمكن ان يلتقي مع الاقطار كلها او بعضها ".

و صارت التجزئة تمثل خطرا على كل ما هو منطقي و سليم في الحياة العربية .فالمستعمر خلقها ،لكنها صارت هي تخلق متفرعاتها من قوة و مصالح تبث الحياة في شرايين هذه التجزئة .يقول :" لكن التجزئة لم يقتصر الامر على ان المستعمر خلقها ،بل اصبحت تخلق نفسها بنفسها فيما بعد ،تخلق قوى و مصالح و زعامات و عقليات معينة و عواطف معينة ،تنفخ الروح و تثبت الدم و الحياة في هذه التجزئة المخزية المصطنعة" .

و القوى المستعمرة تجد في الانفصال و التجزئة ما يخدم مآربها ،فتعمل على ابقائها بل و تشترط بقاءها و تقرن أي استقلال – توافق عليه لقطر من الاقطار – بان ياتي ملازما للانفصال ،و هذا ما حدث في السودان و سورية و لبنان ".

و الوحدة ليست الغاء للجوانب الايجابية الاقليمية ،انها ليست جمعا مفتعلا و عاطفيا ،يربط بين الاجزاء ربطا تعاونيا تضامنيا و كفى ،و انما هي عملية متفاعلة تنبعث من داخل الجزء كضرورة حيوية لتطوير هذا الجزء من ذاته . انها لا تلغي شخصية القطر بل تفجر الطاقات المبدعة الخلاقة فيه و تبعث الاصالة الكامنة او النائمة في مكنونه ،انها عملية بث الحياة في الجزء ووضعه في الكل كعنصر فاعل و متفاعل على صعيد كجدلية حي .     يقول :" اذن فلا يجوز ان نتصور الوحدة كعملية جمع منفعل لانها ليست وحدة لاجزاء سليمة ،ولا نتيجة لتجزئة حديثة طارئة .انها فاعلة خلاقة فيما بين الاجزاء و في داخل كل جزء ،و هي منبعثة من داخل كل جزء كضرورة حيوية لهذا الجزء نفسه ،قبل  ان تكون مطروحة بشكل علاقة الاجزاء للتعاون و التضامن .الوحدة لا تفقد الجزء شخصيته ،بل تؤكدها و تعمقها و تعطيها حقيقتها و اصالتها و ابداعها عندما تضع الجزء في مكانه الحي كجزء من كل ".

و ليس كل موجود بالواقع الاقليمي جديرا بالبقاء ،كما انه ليس كل موجود بهذا الواقع لابد و ان يزول و يلغى .يقول :" الخصائص الاقليمية فيها الزائف السلبي الذي ليس هو الا نتيجة لانعدام الوحدة .فليس كل شيء في واقعنا جديرا بالبقاء لمجرد انه موجود .اما السليم الايجابي فهو الذي يغني الوحدة و يأتلف معها بل هو شرط لوجودها ".

لكن الوحدة التي تحافظ على الايجابي في الجزء لانه عنصر غني و ثروة في موجوداتها ،تتجنب ان تتحول الى نسيج يجمع السلبيات و يضعها في اطار الوحدة .بل لا بد و ان تكون نسيجا جديدا خيوطه العناصر الايجابية بالجزء ،متفاعلة و موضوعة في محيط جديد شمولي .يقول :" الوحدة الحقيقية لاتكون تشابها في السلبي :ان يتشابه الجمع بالتأخر ،و بالجمود، و بالأمراض .الوحدة الحقيقية هي وحدة ايجابية ،ان يتشابهوا بالعمل ،بالقدرة على العمل و الانتاج ،ان يتشابهوا بنظرة دائمة مبدعة للحياة تتجدد دوما و توحي لهم بالاعمال المستمرة في شتى الميادين ".946و سلبيات و سلبيات التجزئة،و امراض الانفصال ،و عيوب الحكومات القطرية تجمعها كلها في نظر الاستاذ ميشيل جامعة الدول العربية . يرى سنة 1946 –أي سنة بعد تاسيس الجامعة – انها ليست طريقا تؤدي الى الوحدة ،بل يراها وجدت لتكون عقبة امام أي سبيل للوحدة الحقة .وان ميثاقها يجسم كل هذا .يقول :" فالواقع الذي يتضح يوما بعد يوم هو ان الجامعة ليست خطوة في طريق الوحدة العربية ،بل عثرة .ان ميثاق الجامعة صورة ناقصة و مشوهة لأماني العرب الحقيقية في الوحدة ".

ولا ينتظر من الجامعة ان يكون دورها الوحدوي اكثر مما جاء ،لان الحكومات التي اسسها لها نفس الموقف من الوحدة .فهو يرى في نفس السنة ان الحكومات العربية عاجزة حتى عن بلوغ الحدود التي رسمتها لها القوى الاجنبية لتحركها ،لانها غير قادرة على انجاز حتى الاعمال التي لا يمانع الاجنبي في ان تقوم بها .يقول :" لكننا في وضعنا الحاضر نرى الحكومات العربية تقصر حتى عن بلوغ الحدود التي يضعها الاجنبي لنشاطها ،و تعجز حتى عن استعمال الصلاحيات التي لا يستطيع الاجنبي ان ينكرها عليها او يجادلها فيها ".

و لم يغير الاستاذ ميشيل رأيه في الجامعة ،فنراها يتكلم عنها بعد عشر سنوات – أي في سنة 1956 –بنفس اللغة و نفس التقييم. فهي ستار يحمي الاقليمية ،و تترعرع تحت مظلتها التجزئة .و هو الذي يريده الاستعمار بالوطن العربي ،يقول : "و هكذا تكون الجامعة ستارا حاميا للتجزئة ،للتفرقة ، للتباين ،في ظله تنمو التجزئة في امان ،و هذا ما يريده الاستعمار لنا : بان نصل الى زمن نتناكر فيه ،ينكر بعضنا البعض الاخر ، و ينادي كل جزء بشخصيته الخاصة التي لا يمكن ان يتنازل عنها ،و نعيش في تناحر و تنافس ".

و بعد عشر سنوات اخرى- أي في سنة 1962 –يعبر عن نفس الرأي بالجامعة فيعلن ان مهمتها كانت- منذ ان تأسست – مزدوجة ،المحافظة على التجزئة و على الرجعية . يقول :" منذ ان تأسست الجامعة سنة 1945 كانت مهمتها مزدوجة ،محافظة على التجزئة الراهنة… و محافظة على الاوضاع الداخلية الرجعية ".

و يعلن في نفس السنة ان موقف حكومة عربية واحدة اقوى و اكثر فعالية من موقف الجامعة نفسها .يقول :" كان انفراد حكومة في اتخاذ موقف قومي ،اقوى من دول الجامعة كلها و من اجماعها ".

البعد الانساني للوحدة :

 راجت تهم حول الفكر القومي العربي بأنه فكر عنصري عرقي ،قياسا على الفكر القومي باوربا و بخاصة في القرنين الاخيرين ،وما شابه من تعصب عنصري عرقي .و قد تبلور هذا الاتجاه القومي الاوربي في العقد الثاني و الثالث من قرننا في النازية بالمانيا ،و الفاشية بايطاليا . و قبل أربعة عشر قرنا حدد محمد (صلى الله عليه و سلم) ملامح الانتماء العربي تحديدا أبعد ما يكون عن العرقية و العنصرية ،فقد قال صلى الله عليه و سلم :" ليست العربية فيكم باب ولا ام و انما هي في اللسان ،فمن تكلم العربية فهو عربي ". فمضمون العروبة عند اشرف المرسلين ليست دما يجري في العروق ،ولا نسبا يشد الانسان الى جد أو جدود ،و انما هي مكونات ثقافية اهم عامل فيها هو اللغة .اذن فالمضمون السليم للقومية عرفه العرب عندما كان الانسان الاوروبي لازال يعيش في عهود التوحش و البربرية . ومن يتهم القومية العربية بالعنصرية فهو جاهل بالتراث العربي ، و جاهل بالاسلام الذي ابرز مقومات الامة العربية و العروبة الى الوجود.

فالامة العربية هي اكبر امة في عصرنا تعاني من الظلم و القهر ،ولا تستطيع ابدا تواجه هذا الظلم و ان تهزمه الا اذا ناضلت بالمعاني الانسانية و ببعدها الانساني ،و بخلفيتها التاريخية الانسانية التي يشهد عليها تاريخها الحافل :يقول :" فالامة العربية ضحية اضخم ظلم عرفه هذا العصر ،ولا يمكنها ان تحارب ظلما بهذا الحجم التاريخي و ان تتغلب عليه ،الا اذا عمقت نضالها حتى يلامس جذور انسانيتها ،و يلتقي بكل نضال انساني ".

فمطلب العرب لدى ميشيل عفلق ،هو تحقيق وحدة امتهم حتى تعود الى استئناف تأدية رسالتها التي أدتها مدة قرون .يقول: "ان مطلبنا ببساطة هو ان تعود الامة العربية للمساهمة من جديد في الحضارة الانسانية ".

و الوحدة المنشودة لها وجه شعبي نهضوي ،يستهدف تقدم الجماهير الشعبية العربية ،التي تحمل اعباء الكفاح من أجل تحقيقها ،بمعاناة و آلام تبعد العربي عن أي شعور تعصبي عنصري غير انساني .يقول:" اذن فالوحدة في السنوات الاخيرة تظهر بوجهها الصحيح الصريح ،وجه تقدمي انساني ، لان جماهير الشعب هي التي تحمل نضال الوحدة ،وهي التي تغدي هذا ال

المزيد


التاريخ وإيديولوجيا البعث : محطات الإفتراق والتوازي

مايو 4th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , أدبيات البعث

 

 

 

التاريخ وايديولوجيا البعث

محطات الافتراق والتوازي 

 

 

 

رغم الحرية والاشتراكية والرسالة الإنسانية الخالدة التي تبناها البعث منذ بداياته الأولى، وعلى مدى أربعين عاما من قيادته للدولة والمجتمع إلا أن الرئيس الأميركي جورج بوش وبعيد احتلال العراق في 20 / 4 / 2003, لم يتردد في توصيف ما اسماه بنموذج " البعث المنهار " في العراق بأنه نمط من أنماط القوميات الشوفينية التي ظهرت في منتصف القرن العشرين، أي انه على غرار النازية الألمانية أو الفاشية الإيطالية، ولم تتردد قوات الاحتلال ل الأميركي التي غزت العراق واحتلته، في استهداف كل رموز البعث ومؤسساته، أو أي عنوان له في العراق، بل إنها نالت، وعبر أدواتها بين بعض العراقيين، من ضريح المؤسس الأول لحزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق في بغداد، فجرفته وانتهكت حرمة الميت وبقاياه فيه .

كان ذلك إيذانا بإنطلاق الكثير من التساؤلات من غفوتها أو من سباتها، في محاولة لفهم ما يجري أو لتفسيره، وفي البحث عن ذلك الحضور الذي يفترض أن فكر البعث أسس له في الشارع العربي طيلة عقود من السنين، وعبر مراحل مختلفة بدأت ببلورة نصوصه وأفكاره، مرورا بمرحلة النضال السري الذي مارسته قياداته وقواعده الشعبية، ووصولا إلى قيادته الدولة والمجتمع، وكان لابد من طرح التساؤلات ولابد من البحث عن أجوبة لها، خاصة في مرحلة ما بعد احتلال العراق من تاريخ الحزب، حيث يعمد البعض إلى البحث عن أشكال من المطابقة والمماثلة بين ما يعتقد انه تجربة البعث في العراق وبين تجربته في سورية، وفي محاولة للقول، إيحاء أو علانية، بأن المصير الذي آل إليه البعث في العراق هو نموذج لما ينبغي أن يؤول إليه كذلك في سورية .

إن مشروعية طرح هذه التساؤلات والبحث عن إجابات لها، تنطلق من ثلاث حقائق أولية لا ينبغي تجاهلها:

الأولى، ليس هناك بعثان كما يتردد، أحدهما سوري والآخر عراقي، أو كما يريد البعض أن يوحي, فثمة بعث عربي واحد فكراً وحزباً، نشأ في سورية لكنه ليس حكراً عليها، ولا هو خاصتها أو مرتهن لها،

الثانية، إن المسافة التي اتسعت وتتسع بين البعث كتجربة سياسية وبين الشارع العربي، وحالة الترهل والكمون التي بلغتها هذه التجربة، فضلا عن الاستهداف الخارجي الذي يتناول البعث في أفكاره وأهدافه وتجربته، وفي حضوره وفاعلياته، على شاكلة ما ورد في توصيف الرئيس الأميركي له، تستلزم طرح تلك التساؤلات في تقييم نتائج التجربة السياسية للبعث .

الثالثة، إن النقد الذاتي هو واحد من أركان البعث التطبيقية، وآلية من آليات العمل الحزبي في صفوفه، وهو يحتم ولا يحتمل، أن يكون تقييم الأداء في التجربة السياسية للبعث مستمرا على مدار قيادته للدولة والمجتمع، وإذا كان وعي مقولة نقد الذات وكذلك ممارستها، قد غابا أو أهملا حينا من الوقت، أو الوقت جله، فتلك مسؤولية البعثيين وليست مسؤولية البعث وأفكاره وقيمه السياسية والايديولوجية!

على هذه الحقائق الثلاث، تقوم المشروعية التاريخية لطرح التساؤلات إياها، والبحث عن أجوبة لها, فكما أن التوءمة بين التاريخ وايديولوجيا البعث هي مسؤولية البعثيين أولاً، فكذلك هي مسؤوليتهم في الحالات التي تناولت ذلك التاريخ وتلك الايديولوجيا، حيث أجهض كل منهما الآخر في رحمه، فافترقا أو توازيا، ولكن كيف ؟؟

لعل المحطات التي افترق فيها التاريخ عن حراك البعث منذ نشوئه وحتى اليوم، مرورا ببلوغه ناصية القرار والطريق، قد بلغت من الخطورة والتهديد لهذا الحراك، حداً ذهب بالكثير من محطات التقاطع واللقاء بين البعث والتاريخ، أو ذهب بجلها، وتحول بالبعث عن مساره التاريخي المفترض له بوصفه منهج حياة وتواصل، وكنا قد عالجنا سيرة التقاطع واللقاء بين نهج البعث ومقولاته وبين حركة التاريخ وصيرورته، على أن نعود في هذا العدد إلى البحث في محطات الافتراق والتوازي بينهما، وليس ذلك إلا من منظور الحقائق الثلاث السابقة، خاصة منها تلك التي تتصل بالنقد والنقد الذاتي، والتي تحتم ضرورة مواجهة الوقائع التي بلغتها تجربة البعث !

إن عودة متأنية إلى نصوص البعث الايديولوجية وأبياته السياسية المتراكمة، ومقارنتها بالنتائج التي انتهت إليها التجربة السياسية للبعث، تكشف عن مفارقات كبيرة بينهما، وتؤكد أن العلاقة الجدلية القائمة بين الطرفين ليست علاقة تبادلية، وان إخفاق أحدهما لا يعني بالضرورة إخفاق الآخر، أي إن تعثر التجربة لا يعكس تعثر الايديولوجيا، وإذا كان هذا صحيحا، فهل يعني ذلك براءة الايديولوجيا من مسؤولية الترهل التي تنتاب تجربة البعث السياسية، وهل يعني ذلك أن الإنسان في تجربة البعث السياسية هو المسؤول الوحيد عن تردي التجربة وقوانينها بوصفها تجربة اجتماعية ؟؟

جزء كبير من النقاش الدائر الآن حول تحديد المسؤولية تلك، يلقي باللوم على بعض القصور الذي انتاب ايديولوجيا الب

المزيد


التالي



إن أمام التحالف الذي يجمع الغرب المسيحي واليهودية الصهيونية والشيوعية الإلحادية والعنصرية الفارسية المتسترة بالإسلام تنكشف الهوية الحقيقية العميقة للمعركة التي يخوضها عراق البعث والتي نقلت النهضة العربية من مواقع الدفاع الى مواقع الهجوم

القائد المؤسس

أحمد ميشيل عفلق