المعتقد الإيراني بين الزرادشتية والتشيع
أحمد لاشين
إن ما يعتري التاريخ الإنساني من تطورات خاصة على المستوى الإعتقادي أو الديني يُعد من أهم الإشكاليات التي تحدد ملامح الهويات البشرية بشكل عام،فما يعتقده الإنسان وما ينتجه وعيه الخاص عن العالم المقدس الذي يعتليه يُشكّل البنية الرئيسية للحياة الإجتماعية والتاريخية بعد ذلك،ففي النهاية الدين هم إنساني منذ البداية،حتى قبل الديانات السماوية،ذلك الهم يظل قابع في مضمون الوعي حتى وإن إختلفت أشكال الإعتقاد.
ـ قومية لا دين :
وقد مرت إيران بهذه التجربة الشديدة الخصوصية ليس فقط لكونها ذات حضارة تمتد إلى الألف الرابع قبل الميلاد،ولكن لأن قضية البحث عن الدين شغلت التفكير الحضاري منذ آلاف السنين خاصة في واقعنا الشرقي التاريخي والآني،والديانة الزرادشتية تُعد من أهم الديانات في التاريخ القديم ،بل ما زال هناك متعبدين بتلك الفكرة إلى الآن في إيران وغيرها من بلدان الشرق مثل الهند والصين ، بل أن بيوت النار ما زالت قائمة في محافظات عدة في إيران ،كما كانت الديانة الرسمية للدولة الإيرانية القديمة منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وصولاً للدخول العربي لفارس وتحويل الديانة إلى الإسلام،فرغم الوعي الحضاري البديهي بالديانة المسيحية واليهودية مثلاً في إيران،إلا أن الوعي الذاتي القومي أبى إلا التمسك بالتقاليد الدينية الأصيلة،ولم يتراجع دورها الحضاري إلا مع قوة العرب وما جلبوه لهم من أفكار دينية إسلامية.ولكن ظلت الأزمة في عمق الوعي الحضاري الإيراني،فالتعامل مع العرب لم يتم في إيران على أنهم فاتحين أو محررين او حتى داعيين لدين جديد بل بوصفهم عناصر محتلة لأراضيهم،غزاة أصابوا الذات الإيرانية المتضخمة في مقتل،بل ظل الإستخدام الفارسي لكلمة (أعراب) بمعنى البدو الأجلاف هو اللفظ الأكثر إنتشاراً في الأدبيات الإيرانية التاريخية والسياسية وهذا إلى وقت قريب،وبالتالي لم تتراجع الشخصية الإيرانية بشكل تام أمام الزحف العربي،خاصة على مستوى الإعتقاد الديني،فمع قبولهم بالإسلام بوصفه دين إلهي مكتمل،لم يقبلوا الذات العربية بوصفها الحاملة لهذا الدين،وساعدوا كل العناصر الثورية في التاريخ الإسلامي العربي،منذ بداية الأمويين،وسقوطهم على يد أبي مسلم الخراساني،إنتهاءاً بمساندة حركات التشيع العلوي بوصفة ظاهرة ضد حكومية،كل هذا مع محاولتهم المستميته للحفاظ على الهوية القومية وخاصة ما يتعلق بمسألة الدين الزرادشتي واللغة الفارسية،حتى مرحلة الإعتناق الكامل للتشيع في القرن التاسع الهجري،وبالطبع سبقته مرحلة طويلة من الميول الإيراني للتشيع،وهنا وجد الوعي الإيراني مساحته الحقة للتحقق والفردية،فللتشيع كمذهب بنية تتشابه مع البنية الدينية الإيرانية إلى حد بعيد خاصة في قضية الذات التاريخية المتضخمة للأئمة،والنسل المُطّهر،ومفهوم الإنتظار،إلى غير ذلك،من المفاهيم التي إستفادت منها العقلية الإيرانية لتتوحد تماماً مع السمات الدينية المذهبية للتشيع.وهذا ما سنحاول طرحه على جانبين رئيسيين.
ـ كوزمولوجية(أسطورة) الخلق في الزرادشتية والتشيع:
تعتمد الديانة الزرادشتية المنسوبة للمبشر أو نبي الديانة (زرادشت) على فكرة الفصل بين النور والظلمة،فالنور هو أصل كل الكائنات ورمزه في الديانة (أهورامزدا) ويعني العقل الكامل أو الوجود المطلق، والمقابل له (أهريمن) وهو رمز الظلمة أو كل ما هو ضد النور بوصف أن النور أصل الحياة فبالتالي يكون أهريمن هو العدم في المقابل،بمعنى أنه كيان شيطاني له عالمه الموازي لعالم النور وتحكي الأسطورة أن أهريمن لم يكن على علم بوجود عالم النور أو (اهورامزدا) ولدى علمه له بالمصادفة قرر أن يهاجمه،رغم العلم الكلي لإله النور الذي به يعلم بوجود أهريمن الشيطان ولكنه لم يحاول نفيه أو مهاجمته،مع قدرته الكلية على ذلك فهو إن لم يكن الإله الأوحد فهو الإله الاكبر،ولكن كانت للقضية حكمة،فبقرار الشيطان تلويث عالم النور الإلهي تم عقد هدنة بين الطرفين لمدة ثلاثة ألاف عام بعدها تبدأ المعركة،وفي هذه الفترة خلق (أهورامزدا) كل المخلوقات وجعلهم في حالة سكون،وبدأت الحركة في الكون بعد هذه المدة،أي أن أصل نشأة العالم كانت عن طريق النور لمحاربة الظلمة،ومن جانب أخر لولا أهريمن الذي يرمز للعدم لنالت كل المخلوقات الخلود،وهذا لا يتسق مع الطبيعة الإلهية (لأهورامزدا)،فكانت وظيفة الشيطان خلق المرض والتعب،والموت وذلك حتى تكتمل الطبيعة الفانية للبشر،وكأن الشيطان في الزرادشتية هو المتمم للخلق الإلهي النوري،وفي نهاية المعركة سيفنى الشيطان ويخرج كل النور من الأجساد الفانية للعودة للسماء الإلهية ثانية لتنعم الأرواح بالخلود السماوي المقدس،ويسكن الكون من جديد.ففكرة الثانوية التي شاعت عن الزرادشتية لا تمت لها بشكل كامل بمعنى أن مع التراكم التاريخي إزدادت أ























