العفلقية: نظرية الثورة العربية المستمرة

العفلقية: نظرية الثورة العربية المستمرة
الدكتور محمد أحمد الزعبي
(عضو قيادة قومية أسبق- وزير إعلام سوري أسبق -ألمانيا - لايبزغ )
كان من المفروض أن تنشر هذه المقالة في شهر نيسان الماضي حيث شهد اليوم السابع من هذا الشهر عام 1947 انعقاد المؤتمر التأسيسي للحزب.. بيد أن ظروفا خاصة خارجة عن إرادتي حالت دون ذلك.
(1)
إن الوقوف مع فكر ميشيل عفلق، الأستاذ والفيلسوف والمناضل، إنما هو وقوف مع فكر النهضة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، بما لهذا الفكر وما عليه. ويرغب كاتب هذه المقالة أن يشير هنا إلى الملاحظتين التاليتين:
الأولى، هي أن كلمة العفلقية إنما تستخدم هنا على سبيل التغليب وليس الحصر، ذلك أن الأفكار والنظريات التي باتت مرتبطة باسم القائد المؤسس، إن هي واقع الحال، إلا آراء كوكبة من المفكرين البعثيين والقوميين العرب الرواد، والذين يأتي في طليعتهم الأستاذ المرحوم صلاح الدين البيطار. أما الملاحظة الثانية، فهي أن المفارقة بين النظرية والممارسة الذي طبع تاريخ بعض فروع الحزب، ولا سيما في القطر ين السوري والعراقي بعد وصول الحزب إلى السلطة فيهما، لا يعيب الأسس النظرية للحزب، ولا يقلل من أهميتها التاريخية والمعرفية والأيديولوجية، بل إن مثل هذه المفارقة غالبا ما تصاب بها النظريات الكبرى ذات البعد الإنساني، نظرا للمسافة التي يمكن أن تنطوي عليها مثل هذه النظريات بين المرغوب والممكن.
(2)
ولد ميشيل عفلق عام 1910 في حي شعبي في دمشق، ابناً لتاجر معروف، ليس هو بالغني ولا بالفقير، وكان ـ أي الوالد من المساهمين النشطين في الحركة الوطنية خلال فترة النضال ضد الاستعمار الفرنسي في سورية.
سافر ميشيل عفلق عام 1928 مع صديق عمره ورفيق نضاله صلاح الدين البيطار إلى فرنسا للدراسة، وذلك كنتيجة لفوزهما في مسابقة حكومية. وبعد قضاء خمس سنوات في فرنسا عادا ليعملا كمدرسين في دمشق حتى عام 1942 حيث استقالا من عملهما، وانصرفا كلية للنضال الفكري والسياسي والقومي.
لقد خضع ميشيل عفلق في فرنسا، لجملة من التأثيرات الثقافية التي تركت فيه انطباعات متباينة، ثم لما عاد إلى الوطن خضع أيضا لتأثيرات محلية، قومية ودينية وسياسية مختلفة، وكانت حصيلة هذه التأثيرات الداخلية والخارجية المتباينة أن وقع مع زميله البيطار تحت وطأة "أزمة روحية وفكرية عميقة استمرت عامين" (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، القومية العربية وموقفها من الشيوعية، دمشق 1944، ص 9/10) انقطعا خلالها عن كل كتابة. إن جوهر الأزمة التي كان يعاني منها المؤسسان في تلك الفترة هي الموقف من الشيوعية ومن الحزب الشيوعي السوري والذي كان قائما بالفعل.
يقول ميشيل عفلق حول هذه النقطة: "كان لا بد لحركتنا منذ التعبير الأول عن فكرتها أن تتخذ موقفا أساسيا ومحددا من الشيوعية كنظرية معدة للتطبيق، وكنظرة إلى الإنسان، ذلك لأن الشيوعية أظهرت نفسها كخلاصة للفلسفات التي عرفها البشر، وكدين جديد لمستقبل الإنسانية، فتحديد موقفنا منها كان مفروضا علينا من هذه الاعتبارات" (ميشيل عفلق وجمال أتاسي، موقفنا السياسي من الشيوعية، القاهرة 1957، ص 3). ولقد جاء تحديد موقف حركة البعث من الشيوعية، على النحو التالي كما جاء على لسان الأستاذين ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار في المرجع الذي سبق ذكره (راجع ص 3 ـ 15)
ونعتذر للقارئ عن طول هذا النص نظرا لأهميته:
"في عام 1928 كنا طلابا نعجب بالوطنيين، ونعمل في صفهم، لأننا لم نكن نفهم القضية الوطنية يومئذ إلاّ أنها نضال بين الأمة والمستعمر (…) ثم انتقلنا إلى ديار الغرب للدراسة (…) ولم نكن نلق عطفا على قضيتنا إلا من بعض النواب الاشتراكيين والشيوعيين في البرلمان الفرنسي، فكان ذلك السبب الذي حببهم إلينا، دون أن نعرف شيئا عن نظرياتهم الاجتماعية والسياسية (…) والتقينا بالاشتراكية عن طريق الفكر والعلم (…) ثم لما عدنا إلى بلادنا حملنا إليها ـ دون انتباه ـ شيئا من هذا الغرب (…) فلنقل إذن أننا عدنا إلى الوطن نحمل الفكرة الاشتراكية كتعبير عن الغايتين اللتين وقفنا أنفسنا على تحقيقهما: مكافحة الاستعمار الأجنبي، ومكافحة الرجعية الداخلية بكل أشكالها. وقد فهمنا عن طريق تلك الفكرة، أن النضال ضد المستعمر لن يكون صادقا شاملا مجديا إلا إذا كان نضالا شعبيا (…) وفهمنا أيضا أن هذا النضال مرتبط أوثق الارتباط بحالة الأمة الفكرية والأخلاقية، وإنه لا بد لنجوع النضال ضد المستعمر من تهيئة انقلاب فكري يغير المفاهيم القديمة العقيمة (…) كنا بالرغم من نفورنا من الشيوعية… نرى فيها فائدة من جهتين: أولا، لأنها ضربة تصيب الاستعمار الأجنبي، وثانيا، لأنها ملقح ومحرك للفكر العربي الجامد الآسن تهزه بتطرفها هزا عنيفا.
كان هذا شأننا نحوا من ثلاث سنوات، أي لغاية 1936، ثم حدث من الحوادث الخارجية والداخلية ما قادنا إلى إعادة النظر في كثير من أفكارنا (…) ونحن بالرغم من كل التحفظات التي أبديناها على الفكرة الاشتراكية، نقول أن ميلنا إليها كان صادقا وعميقا، وأنها كانت في وقت من الأوقات مناسبة ومجالا لإظهار ما فينا من نزعات للخير وتفكير في الحق (…) ولكن التبدل الأساسي هو في أننا بنتيجة تلك الأزمة صرنا نعرف بوضوح أن ما نشدناه في البلاد الأجنبية إنما هو موجود في أرضنا وفكرنا وتاريخنا، وأن ذلك القلق الممض الذي كان يساورنا ليس إلا دليلا على أن النفس العربية لا يمكن أن تستشعر الاطمئنان والحرية، وأن تبدع وتخصب إلا إذا استرجعت رسالتها، وتنفست في جوّ هذه الرسالة وهوائها (…) ونحن حريصون هنا أن نذكر ومنذ الآن ما كان للفلسفة الألمانية من فضل علينا في توجيه فكرنا لما هو أعمق من الظواهر المادية والعلاقات الاقتصادية في تفسير التاريخ ونمو المجتمع، وأنها كانت معدلة لأثر الفل






















