حول إقامة الإشتراكية في قطر عربي واحد
تمهيد :
إستجابة لنداء الواجب وسعيا الى تعريف الشباب العربي بالمنطلقات الفكرية والعقائدية والسياسية لحزب البعث العربي الإشتراكي ونظرية العمل البعثية على مستوى الفكر والتطبيق نقدّم بعضا من أطروحات الشهيد القائد صدام حسين بل وأهمّ أطروحاته حول إشتراكية البعث والطريق العربي للإشتراكية وإمكانية تطبيق الإشتراكية في قطر عربي واحد .
راجين أن يستفيد منها الشباب العربي الذي لم يعايش التجربة الثورية التقدمية في العراق العظيم زمن الثورة ويستخلص منها العبر وينهل من أصالة التجربة وعمق النظرية ما يعينه على النهوض بأعباء المعركة الفكرية والعقائدية مع رموز الرجعية والتخلّف والظلامية في وطننا العربي الكبير …
الأستاذ عزالدين بن حسين القوطالي
تونس
*****
حول إقامة الإشتراكية في قطر عربي واحد
الشهيد القائد صدام حسين
كنّا قررنا في إجتماع سابق أن نفرد جلسة خاصة لمناقشة إمكانية إقامة الإشتراكية في بلد واحد من البلدان العربية ؛ ونتحدث عن هذا الموضوع في إطار ما نفهمه من عقيدتنا وما يعكسه هذا الفهم من خصوصية التجربة التي قدناها ومن خلال النضال والبناء .
علاقة الإشتراكية بالوحدة :
تطلق أحيانا تعابير فضفاضة وغير دقيقة من قبل بعض الرفاق ويجري الحديث عن العلاقة الجدلية بين الوحدة والحرية والإشتراكية بشكل مهزوز وغير دقيق كذلك وبخاصة في علاقة الإشتراكية بالوحدة ؛ فمنهم من يقول بعدم إمكانية إقامة الإشتراكية في بلد واحد من البلدان العربية ولكي تتحقق الإشتراكية يجب أن تتحقق الوحدة ويفهم من هذا أنه لا يمكن تحقيق خطوات إشتراكية حقيقية ما لم تتم الوحدة العربية وفي هذا الفهم قصور فاضح بالتأكيد .
إن مفهوم الحزب لهذه المسألة يتحدد في أنه لكي تأخذ الإشتراكية كامل مداها وتتحقق إمكاناتها المقتدرة على مواجهة التطورات العالمية والكتل الكبيرة ومخاطرها وكذلك على توفير إمكانات التطور المادية والمعنوية في المجالات كافة من أجل الصيرورة الجديدة لقاعدة الثورة العربية ؛ لا بدّ من نضال قومي يحقق الوحدة يترافق مع النضال والبناء الإشتراكي . ولكن هل بالإمكان تطبيق الإشتراكية التي نريد في أي بلد عربي في هذه المرحلة بمجرد توفر الإرادة السياسية لتحقيق الإشتراكية ؟؟؟ الجواب لا يمكن تطبيق الإشتراكية بمداها الواسع في أيّ من البلدان العربية بمفرده وخارج إطار النضال القومي .
السير في تطبيق الإشتراكية :
هل بالإمكان السير في تطبيق الإشتراكية في قطر عربي واحد والإكتفاء بحدود إمكانات ذلك القطر دون أن يشكل هذا ردّة كبيرة على مفاهيم النضال القومي ؟؟؟
وبتخصيص أكثر ؛ هل بالإمكان السير في بناء الإشتراكية في القطر العراقي مع إستمرار نضالنا على طريق الوحدة العربية ؟؟؟
نعم بالإمكان إقامة الإشتراكية في القطر العراقي بقيادة حزب البعث العربي الإشتراكي مع إبقاء راية النضال القومي مرفوعة وبذلك يكون تطبيق الإشتراكية أحد العوامل المركزية في تقوية أرضية النشاط الفعال والمؤثر للنضال القومي الوحدوي بطريقتين : تهيئة المستلزمات المادية وتفجير الطاقات الإنسانية على نحو إستثنائي لتقوية الشروط الفعالة لنضال الوحدة من ناحية ؛ وخلق النموذج المطلوب كأنعكاس لأفكارنا المركزية بما يسهل المهمة لتواصل التفاعل النفسي والفكري إيجابيا مع القاعدة المحررة والإشتراكية للنضال العربي من ناحية أخرى .
وعلى أساس هذا التوضيح والفهم فإن قولنا بإمكانية إقامة الإشتراكية في القطر العراقي بقيادة حزب البعث العربي الإشتراكي ليس بديلا عن الطموح الذي نسعى إليه في تحقيق الوحدة لعربية أو في تحقيق الإشتراكية في كلّ ساحة للوطن العربي وإننا في نفس الوقت لا نعتقد أنه بمجرد تطبيق الإشتراكية التي تنهي الإستغلال في القطر العراقي نكون قد حققنا النظام الإشتراكي المتقدم الذي تتوفر فيه كل الشروط المادية والمعنوية للتطور والصمود بوجه التآمر الدولي والذي يشكل الأساس المركزي لبناء الحضارة الجديدة للأمة العربية وعلى هذا الأساس لا بدّ أن نعيد السؤال بالكيفية التالية :
هل بالإمكان تطبيق الإشتراكية المقتدرة في القطر العراقي والتي ترسم كل الصورة التي نطمح إليها أم بإمكاننا أن نحقق الإشتراكية بالممكن فقط ؟؟؟
إعطاء صورة الطموح :
الجواب على ذلك هو أن إقامة الإشتراكية في القطر العراقي ممكنة وضرورية ولكنها تبقى قاصرة عن إعطاء صورة الطموح التي نريدها في الوطن العربي الكبير ولا تغطي كل الإمكانات المادية التي نريد توفرها لبناء دولة عصرية مقتدرة ومتمكنة من العيش والإستقلالية الكاملة والشاملة في مجتمع التكتلات الدولية الكبيرة .
وإتساقا مع نفس الموضوع ولإكمال الصورة لا بدّ أن نسأل : هل إقامة الإشتراكية الآن في اليمن أو قطر أو الإمارات أو ليبيا … إلخ ممكنة بمجرد توفر الإرادة السياسية لهذا الغرض وبهذا الإتجاه ؛ على الطريق الذي أشرنا إليه ؟؟؟ ولا بدّ أن يكون جوابنا بالنفي عندما يتجاوز فهمنا وبرنامجنا للتطبيق الإشتراكي وبناء دولة العرب المقتدرة ؛ مجرد رفع ورفض الإستغلال وإلغاء مجتمع الطبقات ؛ وعندما تكون سياستنا المركزية قائمة على التمسك بالإستقلال الكامل رافضة للقبول بالتأثيرات والتيارات السياسية والإقتصادية للدول الأجنبية بطريق الإقتحام أو التسلل ؛ الذي قد يؤدي الى حد القبول بالقوانين الأساسية العامة لدور الدول الكبرى وحساباتها في التبعية ولنفوذ ويضعف دورنا الإنساني في التأثير في المجتمع الدولي وبناء الحضارة العربية الشامخة .
إن بناء الإشتراكية وفق طريقنا الخاص ووفق منطلقات حزب البعث العربي الإشتراكي من شأنه أن يثير عملا مضادا واسعا من قوى الإستقطاب الدولي وبخاصة قوى الإمبريالية لأنه يشكل تهديدا خطيرا لمصالحها وأستراتيجيتها ويشكل ظاهرة مشجعة للإستقلال والتحرر لبلدان العالم الثالث عن طريق الإمكانات الوطنية دون الحاجة الى الإنضواء تحت لواء مظلات أو تأثيرات مراكز الإستقطاب الدولي من أجل الحماية أو قبولا بالإستغلال والإبتزاز والإستعمار ؛ وحالة من هذا النوع لها متطلباتها لأغراض البناء والصمود في كافة الميادين مما يجعل إمكانات الكثير من الأقطار العربية إن لم نقل جميعها غير قادرة على توفيرها منفردة .
تأثير ومكانة التجربة :
ونحن كبعيين في القطر العراقي أو في أي مكان يجب ألآّ نوقف تأثير ومكانة التجربة التي تصنع في القطر العراقي على المدى لقومي فحسب وإنما يجب أن نطمح ونسعى في أن تكون مكانتها عالمية ؛ لا عن طريق الإقتباس والنقل أو تكوين الولاءات الفكرية خارج الوطن العربي من غير شعبنا ؛ وإنما عن طريق الإقرار بطريقها الخاص والمجدي وتأكيد دور تجربتنا في إغناء الإنسانية تطبيقا وفكرا أي أن يستفاد من تجربتنا لكي تكون مؤشرا على طريق بناء تجارب الخصوصيات الوطنية والقومية في بلدان أخرى من العالم وبخاصة في دول عدم الإنحياز ؛ وطموح من هذا النوع بحاجة الى جهد فكري وسياسي بالإضافة الى ما يبذل على طريق تحقيق المكاسب التقدمية والبناء الإشتراكي .
إنسجام التطبيق مع الأفكار :
وعندما نتحدث عن الإشتراكية لا بدّ أن نؤشر بدقة مراحل وأسس تطبيقها وإنسجام التطبيق مع الأفكار وفي نفس الوقت الإستفادة من التطبيق لإضافة أفكار جديدة وتطوير الأفكار مسألة تأخذ عناية خاصة من قبلنا لذلك فإن الكتابة في هذا المجال وبشكل عميق وجريء وواضح ودقيق مسألة مهمة بالنسبة لرفاقنا البعثيين لأنه أمام حالة لصراع الديمقراطي من أجل كسب الشعب كما يجري في القطر العراقي حيث تنشط أحزاب وحركات أخرى الى جانب حزبنا مستفيدة من الأجواء الديمقراطية التي وفرتها الثورة ؛ تزداد أهمية فرص وإمكانات الأطراف المتنافسة ديمقراطيا وبالتالي تزداد أهمية تعميق الأفكار ووضوحها والإهتمامات بالجانب الإجتماعي في أفكارنا ونضالنا القومي .
النظرة الشمولية :
إن نظامنا في البرامج المركزية والمنطلقات هو نظام إشتراكي لذلك فإن الأمر يستوجب أن تكون الأرضية الفكرية للخطوات الإشتراكية واضحة تماما لدى جميع العاملين في كل المستويات وفي كافة الميادين وفي المقدمة منهم البعثيون ؛ وعلى أساس النظرة الشمولية للإشتراكية لا بدّ أن نفرق بين مجرد إمكانية إقامة المجتمع الإشتراكي الخالي من إستغلال الطبقات داخيا وبين إقامة نظام إشتراكي قوي ومقتدر وقادر على الإشعاع والتأثير والصمود أمام التحديات وبناء حضارة العرب الكبرى لا سيما إذا ذكرنا أن الإشتراكية ليست مجرد نظام إقتصادي وإنما هي تصور وحلّ شامل للحياة في كل ميادينها .
ونحن في القطر العراقي لسنا بعيدين عن حضن الأمة وروحها في التطلع الى الأمام بل إننا نقود هذا الإتجاه ونؤكده يوميا في سلوكنا وفي مناهجنا مثلما أكده حزبنا في منطلقاته ؛ فإننا ونحن نفعل كل ذلك لا ننسى أننا جزء من الأمة على طريق النضال والتفاعل القومي . ولذلك بالإمكان السير في إقامة الإشتراكية في القطر العراقي بقيادة حزبنا مع بقاء راية النضال القومي مرفوعة دون أن ننسى أو نتهاون في العمل وفق التصور القائل إن بناء الدولة والمجتمع الإشتراكي القادر على التطور والحماية الذاتية وذي المكانة الدولية والتأثير الدولي والقادر على تحقيق حضارة العرب الجديدة الكبرى يتطلب إستمرار نضال الوحدة وتحقيقها مثلما يتطلب إستمرار النضال من أجل بناء الإشتراكية كأساس مركزي لتسهيل مهمة الوحدة وإسعاد الشعب .
إرتكاز الإشتراكية على الأخلاق :
إن من جملة المرتكزات المعنوية المهمة في نظرتنا لإقامة الإشتراكية إرتكازها على أخلاقنا وتقاليدنا بما يؤدي الى بناء حضارة جديدة للأمة تتواصل بالماضي وتتفاعل مع لحاضر وتمتد الى المستقبل .
والأخلاق من وجهة نظرنا كبعثيين لا يمكن أن تنفصل عن مراحل تطور المجتمع وعن المضمون الإجتماعي للنضال الوطني والقومي ومستلزماته وإنما تكون قاعدته أيضا ؛ وإن من أهمّ شروطها في هذه المرحلة إلغاء الإستغلال عن طريق تدخل الدولة وسيطرتها الواسعة في تشريك وسائل الإنتاج الأساسية وتوجيه نشاطات المجتمع وإقامة وتوفير مستلزمات إقتصادية وإجتماعية تجعل الإنسان العربي قادرا على أن يسهم إسهاما غير إعتيادي في تشكيل وتكوين علاقات إنسانية جديدة على صعيد العالم أجمع بالإضافة الى تفجير طاقاته الكامنة على نحو إستثنائي لبناء تجربته الحضارية .
ومرة أخرى نعود للقول : هل بإمكاننا إقامة نظام إشتراكي في القطر العراقي ؟؟؟ أنا أقول إنه بإمكاننا إقامة مثل هذا النظام وإبقاء الكثير من حلقات النمو والتطور مفتوحة لإستقبال وإستيعاب التطورات الإقتصادية والإجتماعية في الوطن العربي وإبقاء راية النضال القومي والتربية القومية والعمل الوحدوي مرفوعة كذلك ونعمل في ظلها ومن أجل تحقيق أهدافها . ولذلك لو سئلنا هل بالإمكان أن نقيم صرحا لحضارة عربية قادرة على أن تعبر عن ضمير الأمة ورسالتها وطموحها كما يجب ؛ بالإمكانات العراقية وحدها مع بقاء راية النضال القومي مرفوعة ؟؟ فإن جوابنا سيكون بالنفي لأنه رغم ما للعراق ذب الإثني عشر مليونا من إمكانات إقتصادية كبيرة وما لديه من إمكانيات صمود محلية ضمن ظروف الحال فإن إمكاناته هذه غير قادرة على بناء الطموح الذي نريده عربيا ودوليا . فعندما نأخذ المسألة على أساس الطموح ورسالته – والطموح هنا يتعدى الوطن العربي الى الدور الإنساني العالمي – فإننا نجد أن الإمكانيات العراقية غير قادرة من هذا الموقع أن يكون لها الدور والتأثير لكن بإمكاننا بالإمكانيات الإقتصادية الراهنة والوضع الإجتماعي الراهن أن نمنع الإستغلال ضمن القطر العراقي ونقيم دولة مزد























