
خيارات الحركة الوطنية العراقية
في المرحلة القادمة
اللواء الركن طلال القيسي
رئيس هيئة البحوث والدراسات
الإستراتيجية في جامعة البكر – سابقا
المقدمة :
لابد أن نتطرق إلى إن الاحتلال للعراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بموجب الذرائع والمسوغات الكاذبة والشعارات الرومانسية كتصدير الحرية والديمقراطية ومقاومة الإرهاب لم ينتج حركة وطنية عراقية، فنحن أمام حركات وطنية عراقية وفصائل وكتل وجبهات تختلف في فكرها وبرامجها السياسية إلا إنها تكاد تتفق بثوابتها وبأكثر من قاسم مشترك كوحدة العراق/ورفض الاحتلال والطائفية و المحاصصة والدستور والعملية السياسية ويقف على رأس قائمة الثوابت هو رفض الاحتلال وبكل أشكاله وأدواته في العراق.نستطيع أن نقول أن هناك مشروع وطني يمكن أن يكون فاعلا بتوافق واجتماع الحركات الوطنية بصياغة آلية يمكن أن تتحمل عبء المهمة الكبيرة ألا وهي (التحرير) والكلمة مثقلة لا تصلح أن تكون مجرد شعار يحمل الرومانسية الثورية ينضوي تحت لوائه الثوار والمجاهدين بدون أن تعطى الأبعاد الحقيقية والميدانية وتجيش لها الإمكانيات الغير اعتيادية لان ما حصل في العراق هو استثنائي وبكل المقاييس يكفي أن يوصف بأنه تغيير كوني استهدف تدمير العراق كمنظومة قيم قبل تدميره سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
إن ظهور الحركات الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال بداخل وخارج العراق وفي طليعة هذه الحركات تقف المقاومة العراقية شامخة رغم تفاوت معايير المنازلة ورغم إن هذه الحركات الوطنية والمقاومة مكفولة بشرعيتها دينيا وأخلاقيا ووطنيا إلا أنها تعيش في بيئة صمت مطبق وتجاهل متعمد على كافة المستويات إقليميا ودوليا ولأسباب معروفة يقابل كل ذلك عدم شرعية الاحتلال وما ينتج عنه دوليا وقانونيا وأخلاقيا وهذه تعتبر ميزة حاكمة في الصراع لصالح الحركات الوطنية كونها تمتلك (القضية العادلة) وهي عنصر قوة سيكون له ثقلا نوعيا إن لم يكن اليوم فغدا.
من خلال الرصد لمجمل الأحداث التي دارت وتدور اليوم على الساحة العراقية لم تتبلور لحد الآن شكل الحركة الوطنية الجامعة التي يمكن أن تكون مرجعية سياسية تنتظم تحت شرعيتها كل المشاريع الوطنية صغيرها وكبيرها. رغم إن هذا التشظي مبرر ويتناسب مع حجم الانفجار الحاصل بالعراق ولكن الغير مبرر والذي ينبغي أن لا يكون هو بقاء هذا التشظي رغم وجود القواسم الوطنية المشتركة ووحدة الهدف وهو تحرير العراق.
سأترك الشأن السياسي إلى أساتذتنا أصحاب الاختصاص ولكنني أردت أن أشير على الأطر العامة التي إن توفرت فستصبح الرؤية واضحة لرسم مسارات المرحلة القادمة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن الورقة العسكرية التي تحمل نفس الهم مضاعفا لكونها المسؤولة عن القتال وتحقيق المهمة وهذه المسؤولية تعززها الفكرة التي تقول (إن الشأن العراقي بات من الخطورة بمكان ينبغي أن لا يترك للسياسيين وحدهم)
كما نتمنى أن يوظف السياسيون هذه المقولة لصالحهم (فأن الشأن العراقي بات من الخطورة بمكان أن لا يترك للعسكريين وحدهم)
إن تضافر الجهد السياسي الناجح سيؤدي حتما إلى استخدام امثل للقوة في بناء الدولة والدفاع عنها والجميع يعلم أن العقيدة العسكرية هي نتاج العقيدة السياسية وبدون عقيدة سياسية واضحة ستنسحب سلبا على العقيدة العسكرية ومستوى أدائها
وهذا ما دفعني أن أضع إصبعي مؤشرا على الجانب السياسي مع الاعتذار إلى الإخوة أصحاب الاختصاص.
خيارات الجيش العراقي
في المرحلة القادمة
توطئة
إن حل الجيش العراقي بقرار (بريمر) الحاكم المدني الأمريكي وباقي المؤسسات الأمنية الأخرى احدث فراغ خطير كان غياب الجيش العراقي عن الساحة العراقية عاملا مساعدا لتداعيات عسكرية وسياسية واجتماعية وانفلاتا لتكوينات طائفية واثنيه رفعت سقوف طموحاتها الغير مشروعة على حساب وحدة العراق وقوته ومساس سافر لسيادته ورهن كامل لمستقبله ولأمنه الوطني والإقليمي كما إن غياب الجيش العراقي حفز وساعد على أن تأخذ التدخلات الإقليمية مدى شاسع وجرت على الساحة العراقية تصفية حسابات دولية وكانت إيران ولازالت لاعبا مؤثرا وفاعلا فهي تحاول أن توظف ورقتها في العراق للضغط على الدول الأخرى فيما يخص برنامجها النووي وتأخير استهدافها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وتحاول أيضا أن تكون شريكا استراتيجيا وليس لاعبا استراتيجيا فيما يخص الشرق الأوسط سيما وهي تلوح بحضورها ووجودها في دول مهمة تقع على الطوق العراقي والعربي ولأجل مناقشة الخيارات المتاحة للجيش العراقي ففي المرحلة القادمة لابد أن نتطرق إلى المحاور التالية :-
1. أوضاع الجيش العراقي اليوم.
2. ما ينبغي أن يكون عليه الجيش العراقي في الزمن المنظور.
3. السيناريوهات المحتملة لانسحاب الجيش الأمريكي وما يترتب عليه.
4. الاستنتاجات.
5. التوصيات.
6. الخاتمة.
الجيش العراقي بين جدلية السياسة والواجب المقدس
أوضاع الجيش العراقي اليوم :
العودة للماضي القريب ستكون الغاية منها ربط المفاهيم وليس للاستعراض التاريخي الذي بات معروفا لجميع العراقيين والمراقبين الإقليميين والدوليين.
إن ما انسحب من تشضي على القوى والحركات الوطنية والمقاومة الباسلة انسحب بدوره على المؤسسة العسكرية التي زجت بمواجهة غير متكافئة وبكل الموازين وتوقف إرادة القتال بعد (21) يوم من الدفاع عن بغداد ولأسباب أود التطرق إليها باختصار لأنني أجد إن من الأمانة الأخلاقية الدفاع عن الجيش العراقي لا دفاعا نقابيا بل دفاعا تاريخيا وسأجمل ذلك بالنقاط التالية :-
1. التفوق الساحق لقوات الاحتلال وخاصة على المستوى التكنولوجي الذي مكن العدو من :-
أ. التحرك ليلا ونهارا بنفس الكفاءة والتأثير لوجود معدات رؤية ليلية غاية في التطور.
ب. تحقيق السيادة الجوية المطلقة التي حرمت قطعاتنا من العمل والمناورة وكانت أيضا سيادة مقرونة بتكنولوجيا فائقة من ناحية الرصد واستخدام الصواريخ الذكية.
ج. شل وتعطيل منظومة القيادة والسيطرة بشكل كامل مما أدى إلى تبعثر القطعات وغياب القيادة الميدانية كما إن العمل اللامركزي للفرق والألوية كان محدودا جدا.
2. انحطاط المعنويات بعد أن استخدم العدو وسائل الحرب النفسية بشكل واسع والتي كانت موجودة قبل عام 2003.
3. الرتل الخامس في الداخل من الخونة والعملاء فعل بشكل مؤثر قبل ابتداء العمليات.
* إن (21) يوما للدفاع عن بغداد يعتبر زمن نوعي أمام حشد كوني.
* الجيش لم ينهزم بل انسحب من معركة محكوم عليه بالإبادة إذا لم يتورع العدو من استخدام (القوة المفرطة) في حالة المواجهة لأنه ليس من السهولة بمكان قبول الإدارة الأمريكية وحلفائها بالهزيمة من قبل دولة صغيرة محسوبة على دول العالم الثالث وهي تعمل لمشروع الشرق الأوسط الجديد والكبير وهي عراب العولمة والتهيئة للقرن الأمريكي القادم.
* الجيش غير مواقعه من القتال في الجيش النظامي إلى مواقع القتال في المقاومة ودعم جبهات الرفض فنشأت بذلك قيادات ميدانية في الداخل وخارج حدود الوطن وخاصة بعد قرار حل الجيش وقرار اجتثاث البعث ودخول المليشيات المختلفة الولاء لتصفية الحسابات مع الأساتذة والعلماء والطيارين وضباط الجيش العرقي الذين كانوا ركيزة القوة للدولة العراقية ليس في زمن (صدام حسين) رحمه الله بل منذ تشكيله عام (1921) والدليل حضوره التاريخي الفعال في كل التغييرات السياسية التي حصلت في العراق حيث كان الجيش يمثل إرادة الشعب مناصرا له مدافعا عنه ولم يكن سلاحا قمعيا بيد السلطات كما كان له الحضور المشهود في الهم العربي عموما.
* فكما تشضت الحركة الوطنية إلى مشاريع وقادة سياسيين انسحب ذلك على المؤسسة العسكرية التي توزعت على شكل قوارب وطنية وقيادات عسكرية وكالتالي :-
1. مع حزب البعث العربي الاشتراكي بانقساماته.
2. مع المقاومة الباسلة في الداخل.
3. مع زعماء كتل سياسية تمثل جبهات الرفض للاحتلال
4. تواجد قادة من الجيش في دول المنفى.
5. العشائر.
* الذي يطمئن إن هذه القيادات رغم خنادقها المتعددة تحمل نفس الثوابت الوطنية وهدفها هو تحرير العراق وإعادة بناء الجيش العراقي بعقيدة وطنية واحدة وكل الذي يلزم لهذه القوارب القتالية هو التوحيد تحت راية واحدة لتكون بتجمعها معبرا كبيرا يمكن أن يشكل مع الحركة السياسية الوطنية مشروع العراق الجديد.
ما ينبغي أن يكون عليه الجيش العراقي في الزمن المنظور:
ليس كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
والتمني هنا لا يأتي من باب الرؤيا التي تقع خارج الواقع وهو ليس تمني المفلسين بل إن مقومات وأدوات التمني ليكون حقيقة حاضرة بكل أشكالها وصورها وكل ما نحتاجه هو إجراء المراجعات وبحث القواسم المشتركة ووضع الآليات ليجري التنسيق كمرحلة أولى يتبعها وضع مفاعيل التجمع للمباشرة بالعمل وسيكون هذا موضوع المبحث الحالي.
ينبغي أن نضع المسلمات لكي لا ندخل في مساجلات النقاش الذي سوف لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشويش والتقاطع وقد يؤدي إلى الاختلاف فدعونا نبحث عن (كلمة سواء).
1. على ضوء ما أفرزته الساحة العراقية وخلال ستة أعوام فإن الجيش العراقي ينبغي أن يكون حصة كل العراقيين بكل مللهم ونحلهم وخلاف ذلك ستكون لدينا إن جاز التعبير (محاصصة وطنية في الجيش) وهذا غير مقبول لأنه لن يحدث فرقا عن المستهجن الموجود الآن في جيش الدولة (مع الفارق).
2. بما أن عقيدة الجيش لا يمكن وضعها واعتمادها إلا بوضوح العقيدة السياسية فعلى الحركة الوطنية أن تجمع كل المشاريع أو على الأقل أثقلها وتضع آلياتها لبناء العقيدة السياسية وتضع تصورها الواقعي لبناء الدولة.
3. تكمن قوة الجيش (بوحدة القيادة) والسؤال هو هل من صالح الزعماء السياسيين والعشائر أن يكون لهم جيش وتنظيم عسكري وهل سيقع واجب التحرير على هذا الحزب أو تلك الكتلة أو ذاك التجمع أو هذا التيار بمعزل عن الآخرين من الوطنيين الجواب قطعا سيكون كلا ولا يفسر ذلك إلا قصورا في فهم خصوصية واستخدام القوات المسلحة أو يفسر على انه وجاهة سياسية وأكيد إن ذلك ليس في صالح جمع القوة وتفعيل إمكانياتها لا سيما ونحن نواجه مأزق كبير ومهمة صعبة اسمها تحرير العراق
المزيد