فلسطين، أسطورة الموت والانبعاث
فلسطين، أسطورة الموت والانبعاث
قراءة لمذكرات فرانسواز كيستمان "الموت في سبيل فلسطين"
ترجمة: عبد الرحيم حزل
قراءة: هند عروب
ولا تزال، وستظل الأرض –كي تزهر- في ظمإ لأكفان بيضاء، وشرايين تموزية، تُفجى وتلحم، ما دامت الشمس في المجرى تنحط وترتفع، وما دام البحر الذي يبتلعها ينسجها مجددا. فيعيدها إلى الحياة، ثائرة شابة تحل بمرافئ البشرية، تنتصر على الموت وتمنح الأشياء الحياة الأدبية، لأن الثورة مسافر لا يضاغطه منطق الحدود أو التأشير أو الجنسية، لا عبر المكان ولا عبر الزمان، فليست آخر ثورة في هذا العصر أو ذاك آخر ثورة في تاريخ بني البشر، إذ الألم أنينه ينشر عبر شتى اتجاهات البوصلات الزمكانية، فجميعا، نحن، ثوار من أجلنا جميعا. وكل من آمن بحرية الطين إن كان أديما أو آدميا، اعتنق عقيدة الجهاد الإنساني، بغية اعتناق رحم الأرض الذي هو دائما في انتظار حياة جديدة، وهكذا يغدو الفدائي والأرض تشخيصا فزيكيا لتموز وعشترون، الابن والأم والشريكان في زواج إلاهي، يزرع شرايينه لتخلق هي العالم وليحيى هو بها، وينبعث من رحمها أنيسا، أو آدونسيا أو أدونا أو أوزوريسا، وكلهم أسماء مختلفة لإلاه واحد "تموز أو الابن الحق للمياه العميقة". وهكذا هم من افتدوا أنفسهم في سبيل فلسطين، أسماء مختلفة، أوردة عدة أعمار متباينة، فالمقابر الفلسطينية تشكل هرما سكانيا بكل المقاييس وكذا جنسيات جمة، إذ لم يته هياما، ولم يقض من أجل الأراضي المقدسة الفلسطينيون والعرب وحدهم، بل حتى منتمين إلى جلدة من تسببوا لفلسطين أرضا وشعبا في هذا العذاب والتشرذم.
فهذا الشاعر اليوناني "ياتيس ريتوس" صاحب قصيدة إلى "المقاتلين الفلسطينيين الأبطال" يقول:
"آه فلسطين، يا فلسطين، في البدء كان اسمك.
فحين نقول:
إنسان، نهر، سماء، فأنت التي نعني.
إنما أنت التي نذكر، وأنت التي بها نفكر ونؤمن.
ولا بد أن تجدي مرة ثانية ترابك وبيتك وأشجارك وأغانيك".
وهذه فرنسواز كيستمان تموت في سبيل فلسطين. فمن تكون؟
فرانسواز، تبعث فلسطين قذيفة إلى العالم:
"يبدو لي أنني أتجه نحو الموت المحقق، بل إنني لأعلم ذلك علم اليقين، وأطلبه ولسوف تكون تلك أجمل ميتة، مثلما هي حياتي هاهنا.. ولو شاء الله أن يقبضني إليه فسأكون أكثر حياة في هذه اللحظة".
إنها نغمة في سلم إيقاع مدو للكاتبة الثائرة الفرنسية، ذات الأربعة والثلاثين ربيعا، والتي دونت مذكرات رحلة عبورها من الضفة المستعمرة إلى الضفة المستعمرة، بين أحضان الموت الانبعاثي ألا وهو "الموت في سبيل فلسطين"، فكانت حياتها قصيدة، قصيدة، صعقة، بالنسبة للعالم الغربي وهي المنتمية إليه، والثائرة على وحشيته، بصوت متحد، مؤمن، إنساني، معتنق آلام الآخر في كفاحه..، فكما كتب "روجي كارودي"، مقدما هذه المذكرات (فلم يعد في مقدور فرانسواز حينها، أن تلوذ بصمتها، حتى عندما وضعوا الدبابات فوق كلماتها، مثلما تطوق الآلاف من دبابات شارون بيروت المجردة من السلاح، لتنفث فيها عساكرها.
إن صوتها ليتناهى إلينا من وراء الموت.
صوت يبشر بنهار جديد من نهارات الحياة)
صوت صهر ذاته بصوت الفدائيين الفلسطينيين، فنطق ضمير الجماعة نحن، مؤكدا معقولية يستعصي إدراكها باستثناء المستثنيين، وتكمن هذه اللامعقولية المعقولة أو الخطاب العجيب، كما وصفه "جون لوي جوانا". زوج :فرانسواز" (في مقدور المرأة أن تكون فرنسية وفلسطينية، فرنسية بالكامل، وفلسطينية بالكامل، وإن ذلك لهو فحوى خطاب فرنسواز العجيب إلينا).
ولعل هذه الخصوصية الاستثنائية إضافة إلى محور المذكرات المتجلي في الكفاح الفلسطيني ككفاح إنساني، نقول إن هذه اللغة الفوق متماهية المكتنفة للوجد، كانت مثار جذب دافع للترجمة، بعد أن كان المترجم قارئا للكتاب، إذ يصرح في كلمته (صار هذا الكتاب عندي حوار امرأة تعتنق قضية "ليست لها! وتموت في سبيلها" مع ذاتها في صوت مسموع، لا بل صارخ!
لقد أصبح الكتاب عندي خلفية للنفوذ إلى حياة صاحبته وسبر أغوار الحيوانات (مع خصوصيتها في المكان والزمان)، التي خبرتها، لا تهم فيه طبيعة التجربة، إلا بما تحبل من زخم، وما تتسم من عمق.
إن الذين اصطلوا بنار فلسطين قد حملواها في الجسد والروح حالة (كما هي عند فرونسواز كستمان)، ربما كانت عندهم صنوا لكل مستحيل من قيم الجمال والخير في الزمن الحاضر).
اتخذت رحلة فرانسواز إلى الأقاليم المضطهدة شكل سفر ذي أهداف معرفية، إذ كانت من





















