
الطليعة العربية
الصفات والمقوّمات
وجود الطليعة تعبير صادق عن يقظة وجدان الأمة، وشعورها بمسؤولياتها ، ووجود المناخ الطبيعي الذي تتنفس منه، لتعيش فضائلها وطاقاتها و لتأخذ مداها الكامل في النضال والعطاء والإبداع والإفصاح عن ذاتها .
وإذا ما اتجه تنظيمنا إلى ايلاء الطليعة هذه العناية الفائقة فذلك لأنه عرف عبر نضاله الطويل بأن الحل الثوري لا يمكن أن يبدأ إلا بالطلائع وانه لا يمكن أن يكون الحل للتجزئة والتخلف ثوريا يقتلع جذور الواقع الفاسد ليقيم مكانها الواقع الامثل…
والطليعي الذي نتكلم عنه ليس إنسانا غير عادي ، ولم نخلقه من الخيال انه يتجسد في غالبية أعضائنا، ذلك لأنه ولد في هذا المجتمع الفاسد، ولكنه لم يرض عن فساده ، فثار ضده وتسامى عليه، وشذب بعض عاداته التي ورثها دون ارادته وفي غفلة من وعيه ، وقضى على الكثير من مظاهر الضعف في شخصه ، ونمى طاقاته الخيرة المبدعة ليكون مؤهلاً للنضال والثورة ، فبدا إنسانا جديداً …
وكل عضو في تنظيمنا مؤهل لان يكون هذا الطليعي إذا ما قسا مع نفسه ولم يستسلم لمغريات الواقع، ومن الخطأ الاعتقاد أننا في دعوتنا إلى الطليعة نستسلم لمنطق الأقلية الثائرة بل على العكس إننا نناضل في سبيل نجاح مبدأ الأكثرية الثائرة ، وما الطليعة إلا مدرسة النضال للشعب، وخمرته التي تصونه وتقويه، تصونه من الدس والدجل والمزاودة ليبقى أليف الصدق والوضوح، وتقويه بنضالها المتواصل واتصالها العميق فيه لتجعله مؤهلاً للنضال الخلاق…
فالطليعي هو المواطن العربي، الأخلاقي ، الثائر، ا لوحدوي الاشتراكي ، الواعي ، المتفائل ، الملتزم .. ونعني بـ :
المواطن:
حين يحيا المواطن في ربوع وطنه، لابد وأن يتحقق التفاعل بينه وبين أبنائه، فيقاسمهم السراء والضراء، ويشترك معهم في المواقف العامة ويتحسس بأحاسيسهم، ويرتبط مصيره بمصيرهم…
إن هذه الحياة مهما كان لونها ومستواها فهي لابد من أن تكون قادرة على صهر المواطن في وطنه لأنها تحمل له ثروة كبرى من الذكريات تدفعه دفعا لان يتكيف مع هذا الوطن ويخلص له، ذلك أن المواطنية بالإضافة إلى كونها اشتراكا في الحياة فهي تجاوب كامل إزاء مطالبها ومسؤولياتها . ساحة النضال الحقيقية هي هذا الوطن الذي يتآمر عليه المتآمرون من داخله وخارجه، وتبذل المساعي لتجزئته وسلب حريته واقتياده نحو التخلف والضعف، فإذا هرب المواطنون من ساحة النضال (بلادهم) ينشدون الدعة والاستقرار بعيدا عنها فقدوا شرف الانتساب إليها .
كيف يمكن إن يكون طليعة للمناضلين ذلك الذي تفتقده ساحة النضال والمسؤولية فلا تجد له أثرا في ربوعها، وهي المكان الطبيعي التي يتخرج منها الطلائعيون وبواسطتها !!…
العربي:
والدا المواطن لا يدلان دائما على طبقته أو مستواه الاجتماعي فكم من كادحين كانوا حرباً عواناً على طبقتهم ، وأكثر هدماً فيها من الخصوم ! ..
وفي مجال الانتساب للأمة نستطيع القول بأن الأبوين واللغة والسكن لا تحقق وحدها صفة المواطنية، ولا تحقق وحدها صفة العروبة ، فكم من مواطن انتسب إلى أبوين حازا صفة المواطنية في الوطن العربي وتكلما لغته ، ثم كان حربا على الأمة بتجاهله مصالحها ومطالبها!..
إن عروبة اليوم ليست شكلاً جامدا يتوارثه الأبناء عن الآباء ، ولا يمكن إن يكون الحكم على العروبة قيد نفوس المواطن ، ذلك لأنها اليوم ميزة نضالية قبل أن تكون ميزة مادية…
أنها إيمان بطاقات امتنا التي لا تنضب ونضال متواصل في سبيلها، وانسجام كامل مع أهدافها في الوحدة والاشتراكية ، وتضحية من أجل هذه الأهداف …
إن من يسخر من أمته ، أو من ينال من مواقفها ، أو لا يثق بطاقاتها ، لا يعبر عن ضعف هذه الأمة بل يعبر عن نأيه عنها وفقدان العلاقة بينه وبينها ذلك أن العروبة حياة قبل إن تكون انتساباً …
انه مهما كان دين العربي وطائفته ، ومهما كانت ظروفه الفردية والاجتماعية ، ومهما كانت مواقعه يجب إن يحترم العروبة ، ويناضل في سبيل وحدة العرب بمحتواها الاشتراكي الديموقراطي ..
فالعربي هو من تبدو عروبته في سلوكه : قولاً وعملاً ومواقف …
هو من تبدو عروبته في كل خطوة يخطوها ، وفي كل منعطف من حياته الزاخرة بالعطاء ، والتضحيات … وهل عربي اليوم إلا الوحدوي الاشتراكي . هذا الذي يرى الوطن العربي كله وطناً له ، ومواطنيه في مختلف أقاليمه شعباً واحداً ، والذي يرى في الاشتراكية العربية وسيلة العرب الكبرى والوحيدة للتقدم ونشر العدل والمساواة ..
الأخلاقي :
الأخلاق لا تتجزأ ، لذلك يعرف الطليعي في مواقفه ، في المنزل والشارع ، مع جواره ومع خصومه ، في عمله وخارجه ، وفي كل مكان …
انه صورة واحدة مع الناس جميعاً ، يحكم عليه الجميع حكماً واحداً ، ذلك لأنه يحيا قضيته بصدق ووضوح واستقامة …
سلوكه العام وحدة لا تتجزأ لأنه منسجم متكامل ، فهو في سلوكه الفردي نفسه في سلوكه الاجتماعي ، وإذا ما شدد تنظيمنا على أخلاقية الطلائع فما ذلك إلا لأن سمعتها جزء رئيسي من سمعة التنظيم إذا أساءت التصرف أساءت إلى التنظيم نفسه وأضعفته …
1- والأخلاقي حين يخيّر بين مجانبة الأخلاق في سبيل النصر يؤثر الالتزام بالأخلاق مع الفشل على الموقف اللا أخلاقي مع النجاح ، فهو عدو الرأي القائل ( الغاية تبرر الواسطة ) ، لا يمكن أن يكون للغاية الأخلاقية إلا الوسيلة الأخلاقية ، وحين تجيز لنفسها الوسيلة اللاأخلاقية لا تكون في موقف المدافع عن أخلاقية الهدف بل تكون معبرة عن انحطاطه وتخلفه لأنه فقد أثمن ما يملك … وإذا جاز للبعض أن يقول : إن أخطاء الفرد لا تؤثر في التنظيم لأن التنظيم ملك الجميع ، ملك التاريخ ، فإننا نقول بأن الفرد جزء من التنظيم وما التنظيم إلا مجموعة أفراد ، فإذا ما أعطي بعض هؤلاء الأفراد النموذج السيء ، وهم أعضاء في التنظيم ولم يتخذ التنظيم موقفاً منهم دل هذا على رضاه عن هذا السلوك وبذلك تردى في المهاوي التي لا تخلق الطلائع بل تجمع الانتهاز والتبعية …
2- الأخلاقي متواضع :
والتواضع الذي نعنيه يجب إن يكون أصيلا في النفس ، فلا يشعر أن فيه امتيازاً على سواه من الناس .
فالمتواضع يحتقر التملق والمداهنة، ويرفض برجولة الثناء المفتعل . والمديح المعاد أو المبالغ فيه … ذلك أن المتواضع لا يزيده الثناء قوة ولا حاجة له به ولا يسمح به ولا يسكت عليه .
والمتواضع أيضا لا يتحدث عن نفسه إلا في حدود ضيقة ونادرة ، في سبيل سرد موقف مطلوب منه وتصحيح واقعة معينة.
والمتواضع أخيرا، بعيد عن الغرور، بعيد عن التعالي على الناس والأعضاء، بعيد عن الحديث عن نفسه، يهرب من الأضواء والشهرة يتعامل مع الأعضاء كالأخ مع الأخ ، إذ لاشيء يقتل التنظيم ويسلبه مقومات البقاء والانسجام مثل إن تسوده عقلية الأستاذ والتلميذ حيث يقبل مبدأ التعالي والفوقية .
3- الأخلاقي غيري :
والغيرية ظاهرة إنسانية عليا، لأنها تسام على المصلحة والرواسب المكتسبة من المجتمع، إن الطليعي الذي يحصر القيادة في شخصه أو في مجموعة ضئيلة من الناس ولا يفسح المجال للكثيرين أن يعبروا عن كفاءاتهم وطاقاتهم ليس قائداً ناجحاً ولا صادقا ، لأنه يحقق قيادته تحت غبار كثيف من كبت الآخرين وخنق طاقاتهم …
فالقائد الناجح هو الذي يفسح المجال لسواه إن يحل محله كلما أمكنه تحقيق ذلك ، ذلك إن القيادة المثالية لا تسير فوق رؤوس الأعضاء بل معهم .
وما الغيري أخيراً إلا الذي يتجاوز ذاته إلى الغير وهل الغير إلا أبناء أمته ( العرب ) وما الغيري إلا الذي لا يمكن أن يكون أنانياً أو مصلحياً ، ذلك لأن سلوكه كله ينبع من إيمانه بالقضية والمثل التي يؤمن بها …
4- والأخلاقي يتصف بالحب:
والحب الذي نعنيه هو الظاهرة الايجابية الأولى للبناء والموضوعية ، وما الحقد إلا ظاهرة سلبية تعبر عن العجز أكثر من تعبيرها عن القوة ، ذلك أن القوي يبني أضعاف ما يهدم، إما الضعيف فيهدم ويبالغ بالهدم ليخفي ضعفه في مجال البناء…
فالبداية الطبيعية للنضال هي محبة الأمة العربية والشعب العربي، والإخلاص لهما، والنضال من اجلهما، وطبيعي أن تقود هذه المحبة إلى إيجاد الوسائل التي تنهض بالأمة والشعب ، وان تقود أيضا إلى معاداة اعدائهما ، لذلك يجب إن يتغلغل الحب في نفوس أبنائنا لأنه يدفعهم إلى تلمس طريق النضال وأهدافه، ولأنه يعصمهم من الانحراف في مهاوي السلبية و العقم .
فالعداء للرأسمالية والإقطاعية ، لا بل الحقد الطبقي والنضال ضد الاستعمار ، إن لم تبدأ كلها من الإيمان بالشعب، والإخلاص له، والنضال من أجله فهي ولا ريب أسلحة لا تجيد التصويب لأنها سترتد حتماً إلى الوراء .
فالحب صفاء وعطاء وايجابية، والحقد عقد وفراغ وسلبية…
في الحب ثبات لأنه يقوم على الإيمان، أما الحقد فتقلب لأنه يقوم على الجحود…
لذلك دعونا إلى الصفاء والعطاء والايجابية والإيمان، لأنها هي التي تقود حتما إلى البطولات، وتعصم من الجنوح والانحراف، وتخلق المواطن الأخلاقي الثائر …
الثائر :
وحين نقول عنه انه ثائر فإننا لا نعني مواطنا أوتى امكانات معينة في القوة والجرأة أو في الفكر والثقافة، وألا صف الثوار مع قطاع الطرق آناً ومع المفكرين النظريين آونة اخرى ، بل نعنى من يملك طاقة التغيير الجذري .
ومن يملك هذه الطاقة يخضع نفسه هو إلى عمليتي التغيير والتطوير فيشذب أخلاقه ببتر المعوج والمتخلف منها ويثبت السليم والصحيح ، ويضيف كل ما ينسجم وأخلاق النضال ومستوى الرسالة. وثورته لا تعنى العصمة، بل تعني انه إنسان عادي معرض للخطأ والفشل ، إن من يناضل دائماً ويتخذ المواقف الواضحة في مختلف الميادين لابد وان يخطيء ويفشل ، وخطأ الطليعي غير خطأ الآخرين . لأن الطليعي يستفيد من مناسبات الخطأ والصواب ، ومن مناسبات النصر والإخفاق لأنها كلها دروس تزيد من خبرته ، وتنمي مداركه ، وتزيد في ثروة معارفه .
والطليعي يعترف بأخطائه برجولة ، ويستفيد من الخطأ ليتحاشاه بعدئذ لا يرضي غروره حسن تحليل الموقف أو تفسير الواقع ، ولا يلهيه الإصلاح الجزئي والتطور البطيء عن الحل الكبير، ولاتحد من اندفاعه العثرات مهما جلت والمغريات مهما عظمت ، ولا يتلهى بالمواقف الجزئية أو الشخصية لأنه رهن الحل الكبير، ومواقف ا لتنظيم وخطته…
والطليعي متجدد دائما وأبدا …
يمثل أصدق تمثيل روح التنظيم ودفقة الحياة الثرة فيه.
حيث يثبت في كل يوم يمر أنه أكثر ثورية من الأيام الماضية ذلك لأنه يزداد خبرة وصقلا، وتزداد بالتالي طاقاته و امكاناته..
وطبيعي إن الطليعي المتجدد المتطور المبدع لا يمكن إن يجتر ماضيه ويعيش على فتاته ليستعمر الأعضاء وغيرهم بمواقف نضالية مر بها، لان حياته زاخرة بكل جديد طريف، ولان اجترار الماضي تعبير عن إفلاس الحاضر وليس لمناضل أن يباهي بنضال خاضه وإنما المباهاة باستمرار النضال.
إننا نحترم الطاقات الدائمة الحرارة التي لا تؤثر فيها برودة الجو النضالي و اضطراب الظروف ورداءة الأحوال، إما الطاقات التي تفقد حيويتها وتجددها فإنها لا تفقد احترامنا وتقديرنا بل تفقد سلطتها في التوجيه والقيادة ، لأنها فقدت حرارتها وأصبحت تاريخاً وحسب .
إن تطور الطلائع وتقدمهم ضرورة أولى لبقاء صفة الثورة فيهم ، وما لم يلجا الطليعي إلى تغيير ذاته بصقلها ورفع مستواها وتشذيب انحرافاتها وتقوية ضعفها فهو عاجز كل العجز عن تغيير المجتمع وصنع التاريخ الجديد حيث يجب إن تبدأ أول ما تبدأ عملية التغيير- كما أسلفنا- من الذات فيستطيع الطليعي بعدئذ التأثير في الدائرة الكبرى .
إن من يحمل أثقال المجتمع وأوزار الماضي عاجز عن إنقاذ المجتمع لأنه هو نفسه بحاجة إلى الإنقاذ.
لن يبني مجتمع الأحرار إلا الحر، ولا مجتمع الثوار إلا الثائر، وان لم يكن كذلك فهو لا ريب سيرى الانحراف قدرا لا مفر منه، لذلك لابد وان يحيا في مهاوي الإصلاح
المزيد