
ذكريات مع المناضل التونسي
أحمد بن صالح
أحمد بن صالح في سيمنار الذاكرة الوطنية
يتحدثون عن تاريخ عشناه ولم نجده في كتاباتهم
لم أكن شيوعيا.. التعاضد ليس ايديولوجيا… ومنهجنا كان وسطيا وتونسيا خالصا
«جئت لتصحيح بعض الاخطاء» هكذا تحدث السيد أحمد بن صالح الوزير متعدد الحقائب في الستينيات من القرن الماضي والمناضل النقابي ذائع الصيت وطنيا ودوليا ورجل السياسة الذي «تذوّق» المناصب الوزارية والسجن والمنفى.
حديث بن صالح كان في مؤسسة التميمي للبحث والمعلومات التي خصصت له يوم السبت 25 اوت 2007 احد منتدياتها المسماة بـ «سيمنار الذاكرة الوطنية» علما ان تقديم الدكتور عبد الجليل التميمي للندوة ولاحمد بن صالح كان مبتورا حيث اعتنى بوصفه بـ «الرجل الاستثنائي» وبذكر خصاله ومزاياه دون أن يكشف لنا عن السبب الحقيقي لهذه الاستضافة.
لكن أسئلة بعض الحاضرين وفي مقدمتهم السادة محمد ضيف الله وأحمد الجدي وعبد اللطيف الحناشي وعلية العلاني (اساتذة جامعيون مختصون في التاريخ المعاصر) بالاضافة الى السيد عمر فضة دفعت بالضيف للكشف عن انه طلب من الدكتور التميمي ان يفتح له هذا المنبر لتصحيح بعض الاخطاء الواردة في عدد من المجلات والصحف التونسية والعربية في ما يتعلق بثلاث قضايا رئيسيه، الاولى عن تجربة التعاضد وخفاياها وملابساتها والثانية عن علاقته باليهود والثالثة عن موقف الاتحاد العام التونسي للشغل من «الصراع البورقيبي ـ اليوسفي»
ومن الطبيعي ان يكون الحديث في هذه القضايا الثلاث الكبرى ذا شجون، ونظرا للكم الهائل من المعلومات والمعطيات والحقائق التي كشف عنها السيد احمد بن صالح في لقاء الساعات الست فقد اخترنا في جريدة «الشعب» ان نؤمّن نقلا تفصيليا لما جاء في هذا اللقاء ـ المرجع وذلك حتى نمد عموم قرائنا والنقابيين بشكل خاص بما يمكن ان نسميه بالوثيقة المرجعية التي سننشرها على أكثر من حلقة.
الكذب من التاريخ الى الواقع
استهلّ الاستاذ احمد بن صالح مداخلته الاولى التي تجاوز مداها الزمني الساعتين بالتذكير بمحتوى نص للعلاّمة عبد الرحمان بن خلدون عن حقيقة التاريخ كان قد اعطى منه نسخة للدكتور التميمي حتى يوزّعه على الذين «يكتبون التاريخ الذي عشناه ولم نجده في كتاباتهم» مبرزا ان نتائج الكذب في التاريخ اشد وطأة من الكذب في الواقع لان النوع الاول من الكذب تترتب عنه نتائج وخيمة تنطلق من التاريخ ذاته لتمتد الى الواقع.
وعبّر بن صالح عن انه صُدم في كثير من الهزات برجال ونساء من ذلك ان استاذة جامعية جلست اليه وسألته عن سبب «تبنّي» بن صالح للشيوعية؟! وقد انفق ثلاثة ارباع الساعة ليوضح لها انه لم يكن شيوعيا في اي مرحلة من مراحل حياته من ذلك انه عندما كان في العشرين من عمره كان كاتبا عاما لشعبة دستورية (بفرنسا) وقد رفض الذهاب مع «بعض الاخوة الشوعيين لحضور اجتماع خاص بالاتحاد الفرنسي (يجمع بين جميع المستعمرات الفرنسية).
سبب الرفض الاساسي يعود ـ كما جاء على لسان المتحدث الى ان ذلك المطلب لم يكن ضمن برنامج حزبنا ولا ضمن برنامج الحركة الوطنية، وخلف هذا الموقف آثارا سلبية في علاقة بن صالح بالشيوعيين وصفه بـ «نوع من النفور وليس عداوة» واوضح المتحدث للاستاذة الجامعية ومن ورائها كل من شارك في السيمنار ـ انه عندما حاولنا بناء توجه للتنمية الاقتصادية في برنامج متكامل ـ وقد بدأ اتحاد الشغل في القيام بعديد العمليات في هذا الاتجاه قبل الاستقلال ـ لم نسع الى تبنّي اي ايديولوجيا خاصة لا شيوعية ولا اشتراكية ولا ليبرالية فقد قمنا اولا بدراسة المجتمع التونسي القاعدي من خلال الجولات والتواصل مع القواعد النقابية وغيرها.
وعلى هذا الاساس اخترنا منهجا يرتكز على وضعية المجتمع التونسي في ذلك الوقت وتابعنا المسار حتى جاء الاستقلال وحاولنا ان نجد حلاّ لوضعنا الاقتصادي ونجحت تونس بالفعل في ان تختار منهجا يمكن ان نسميه بـ «الوسط» وبالرغم من ان الحزب اختار ان يسمي نفسه سنة 1964 بالاشتراكي فإن خيارنا الاقتصادي ركّزناه على الوسطية وسميناه التعاضد بين الدولة والخواص والتعاونيات
هذه الطبقات الشعبية المجتمعة في هذه القطاعات الثلاثة يمكن ان تفرز قوى سياسية حزبية مختلفة.
الأكذوبة الكبرى
وشدّد السيد أحمد بن صالح على انه لم يقع اعطاء هذا «الوسط» ما يستحق من اهمية بسبب ما سماه بـ «المسح» الذي بدأ اواخر سنة 1969 (عند التخلي عن التعاضد)، ثم بدأت الاكذوبة الكبرى التي تتحدث عن افتكاك الاراضي خاصة من الفلاحين او المالكين الصغار.
وأكد المتحدث ان كل ما قيل محض كذب منذ سنة 1961 الى سنة 1969 لم يصدر رأي قرار بل انه لم يقع الحديث البتّة عن تعميم التعاضد.
هذا الكذب كان احيانا تونسيا وفي احيان اخرى بدفع قوي من السفارة الفرنسية بتونس واعوانها سواء كانوا فرنسيين او تونسيين. فبعض التونسيين يعتبرون انهم لم يحصلوا عن «حقهم كمناضلين» من اراضي المعمّرين في الوقت الذي حاولت الدولة حماية الاراضي وان تجعل منها نواة لتجميع اراض اخرى خاصة في الشمال العربي.
فعندما جاء منداس فرانس واعلن استعداد فرنسا للتفاهم مع القيادات التونسية حول الاستقلال الداخلي في مرحلة اولى شرع جلّ المعمّرين الفرنسيين في طرد العمال التونسيين علما ان بعضهم يملكون اراضي فلاحية اي أنه وقع نوع من «النهم» لحيازة اكثر ما يمكن من المساحات الفلاحية.
واكد بن صالح في مداخلته ان تجربة التعاضد كانت تجربة اقتصادية بحتة من ذلك انه في وثائق المخطط لا نجد اي تعاضدية للانتاج وانما تعاضديات استثمار فقد اردنا حماية المساحات الفلاحية الهامة من نهم الاشخاص خاصة اننا على علم بان صغار الفلاحين هم في الحقيقة اصحاب الارض الحقيقيين.
التجربة انطلقت بـ 15 وحدة فقط دون ان يكون هناك قانون منظم للعملية علما انّ القانون صدر سنة 1963، وقد اكدنا ان الوحدة تبقى على ملك الدولة مدّة 5 سنوات ثم توزع على المتعاضدين مع الاخذ بعين الاعتبار التوازن في نسبة الاراضي التي سيقع توزيعها على كل فلاح بالاضافة الى ضرورة ان يحتفظ كل شخص بوثيقة ملكية للارض وشدّد بن صالح بشكل قطعي على انه لم يقع انتزاع اي وثيقة للملكية.
من التمويل الى المكيدة
وبعد ان نجحت التجربة قمنا ـ والكلام لبن صالح ـ بدراسة 300 ملف لوحدات إنتاجية في الشمال الغربي، ففي تلك المناطق لم يكن بوسع التونسي ان يجد فيه «أي حبّة طماطم او رن فلفل او كعبة تفاح» فقد كان الشمال الغربي مخصصا للحبوب من اجل تصديرها الى فرنسا.
فالسبب الاصلي لتطوير هذه التجربة بشكل تدريجي في الشمال الغربي هو تنويع الفلاحة، ذلك انّ هذا الهدف لا يمكن تحقيقه على أيدي اشخاص لا يملكون الاّ مساحات محدودة (هكتار او اكثر بقليل) وبتطوير التجربة الى 300 وحدة انتاجية برزت مشكلة التمويل فما كان منّي الا ان تجاسرت واقترحت على البنك الدولي ان يمول التجربة علما انه (اي البنك الدولي) لم يدفع اي دولار للفلاحة منذ إنشائه، فقد كانت إجابته سلبية وبالرغم من الرفض اقترح بن صالح تكوين لجنة ثلاثية من تونسيين والبنك الدولي ومنظمة الاغذية والزراعة لدراسة التجربة التونسية بما هي احدى اولويات التنمية الاقتصدية وقد اثمرت هذه اللجنة قرارا بتمويل التجربة بـ 20 مليون دولار (مبلغ ضخم في ذلك الوقت).
ووصف بن صالح تمويل البنك الدولي للتعاضد الفلاحي بأنه «ثورة جديدة» بكل ما للكملة من معاني، لكن كانت المكيدة لإجهاض التجربة.
هذه المكيدة كانت تحاك في السفارة الفرنسية وتحديدا من السفير الفرنسي الذي شغل المنصب مدة 8 سنوات كوّن خلالها شبكات تم القاء القبض على البعض منها فيما بعد وتحدث الوزير متعدّد الحقائب عما وصفه بـ «لقاء تعيس جدّا» مع السفير الفرنسي وذلك عندما قرر الرئيس الحبيب بورقيبة تأميم 400 الف هكتار دفعة واحدة دون ان يحيط بن صالح علما وقد تزامن هذا القرار مع استرجاع بن صالح والمنجي سليم 150 هكتارا من الفرنسيين، وفسّر بن صالح صغر هذه المساحة بان طاقتنا للهضم كانت محدودة واوضح انه خلال اجتماع اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري (سنة 1968) اي اثناء الاعداد لمخطط التنمية 69 ـ 1972 وفي الوقت الذي اثبتت تجربة الوحدات الانتاجية نجاحها وحققت اهدافها في تنويع الفلاحة وتجديدها وذلك بفضل سياسة التدرج، طلب الرئيس الحبيب بورقيبة الكلمة قبل ان تنتهي الاشغال معلنا ضرورة تعميم التعاضد بدءا من هذه السنة (1969) وبالرغم من الجهود الذي بذلها بن صالح لتمديد هذا التعميم على كامل المخطط حتى تكون لنا «مساحة من الوقت للتراجع عن القرار او تكييف الامور» قامت القيامة وكثر الحديث عن ان احمد بن صالح استغل مرض الرئيس لاصدار قانون الاصلاح الزراعي
ويسترسل بن صالح في الحديث ليوضح بان الوزير الاول السيد الباهي الادغم اضطر للتدخل ليبين للمجتمع السياسي وللمواطنين بانه لا صحة لما قيل فالقوانين لا يقع سنها من خلال صياغة شخص واحد لها ثم امضاؤها من الرئيس بل ان الامر يتطلب اجراءات معقدة ومطولة وبمشاركة السلطة التشريعية.انتقال السيد احمد بن صالح من الاشارة الى «اللقاء التعسفي جدا» الى ما جدّ في اجتماع اللجنة المركزية للحزب لم يكن مجانيا وانما لتوضيح ملابسات لقائه مع السفير الفرنسي.
فاللقاء تم بعد اعلان تعميم التعاضد عل الـ 400 الف هكتار وقد استغرب بن صالح كيف ان السفير طلب اللقاء عن طريق وزارة الخارجية، ولذلك طلب الوزير بن صالح من الخارجية ان يكون مرفوقا بمسؤول منها، وقد حضر اللقاء السيد الطيب السحباني كاتب عام الخارجية في ذلك الوقت.
رقبة السفير كانت طويلة جدا وبدا متجهما ومتحديا وبادر بن صالح بالقول وهو يصيح «اذن هل تفعل ما تريد !!» فلم يملك بن صالح ان يواري غيظه ليرد غاضبا من انت؟ الا تعلم اين انت موجود.. هل هذه هي الديبلوماسية ثم ضرب الوزير على الطاولة (بالطبع اثناء اللقاء مع السفير).
واضاف ان السفير لم يكن يتوقع رد الفعل وذكر انه قال بصوت خافت ومن المحتمل ان السفير سمعه «خسارة ما عنديش مروحة» وقد عمّت ارجاء القاعة قهقهات اثر نطق بن صالح بهذه الكلمات.
وإثر اللقاء بدأت «الحرب المعلنة» عن التعاضد ومن تجلياتها تقرير اصدرته السفارة في 60 صفحة فيه تشنيع بالسياسة الاقتصادية التونسية «مع ابراز الرأس الذي يجب ان يطير».
مع جيسكار ديستان
وكشف بن صالح عن سرّ علاقته المبتورة بجيسكار ديستان وذلك في إطار ابراز الدور السلبي الذي قام به السفير الفرنسي فقد استدعى فالبري جيسكار ديستان عندما كان وزيرا للمالية (سنة 1964) احمد بن صالح إلى فرنسا وجمعه به لقاء ودي بعد الغداء منع خلاله وزير المالية الفرنسي سفير بلاده بتونس من حضور خلوته ببن صالح حيث كشف المسؤول الفرنسي عن ان «الخارجية الفرنسية ستكون صعبة في التعامل معه ومدّه برقم هاتفه الخاص للاتصال به عند اي طارئ.
لكن بن صالح فوجئ باشعاره بان مدة إقامته بفرنسا انتهت فما كان منه الا التهديد بالاتصال بفاليري جيسكار يستان فتم التراجع عن القرار.
هذه العلاقة الودية سرعان ما تحولت الى قطيعة دامت 15 سنة بسبب تحميل بن صالح مسؤولية ادخال الـ 400 الف هكتار ضمن التعاضد.
وبعد 15 سنة من التعاضد بعث فاليري جيسكار ديستان صديقه الشخصي المحرر الاقتصادي في لومند بول فابرا وكان اللقاء بأروشا (تنزانيا) وقد كشف بن صالح لفابرا سبب القطيعة قائلا «اذا كان هناك شخص مؤهل لمعرفة الحقيقة وملابساتها فهو فاليري جيسكار ديستان فاذا كنت وزيرا لبورقيبة فقد كان وزيرا لشارل ديغول ورئيس الدولة يأخذ في كثير من الاحيان اجراءات دون استشارة خاصة وان له شعبية كبرى وشرعية تاريخية ومعرفة وتجربة.
واستدرك الوزير التونسي السابق ليقول ان بورقيبة كان يقبل النقاش والجدل في القضايا الكبرى لكن دون فضيحة وانا شاهد على ذلك لكنه بيّن ان الكثير من الوزراء لا يريدون المغامرة خوفا على العديد من الاشياء في حين ان الوزارة مجرّد هدرة فارغة والعياذ بالله»
فقد استغرب بن صالح ان يعيب عليه فاليري جيسكار ديستان امرا كان ضحيته واردف الى المبعوث الفرنسي قائلا ان ما حدث دليل على ان الفرنسيين لم يتخلصوا من الاستعمار مسقطا حوار الامس بين واقع اليوم وما تعيشه عديد البلدان العربية مع الاستعمار الجديد من ذلك ما يحصل حاليا في لبنان.
الكارثة الحقيقية
وفي إطار شرحه لسياسة التعاضد اشار الى التنويع في الفلاحة الذي شهدته منطقة الشمال والى غرس 6 ملايين شجرة زيتون والى بعث 40 صندوقا تعاونيا للفلاحين الذين لم يدخلوا منظومة التعاضديات معتبرا ان الكارثة الحقيقية وقعت عند الاحتفال بميلاد البنك الزراعي وكل (تصفية) هذه الصناديق التي كانت تمثل بندا هاما للفلاحين الخواص علما ان احمد بن صالح اقترح الحفاظ على الصناديق ومن هنا بدأت عملية
المزيد