البعث والتاريخ
محاولة لفهم العلاقة والموقف
عزالدين بن حسين القوطالي
تونس
إنه لمن البديهي أن يكون التاريخ موضوعا ذو أهمية قصوى في البحث والتنقيب والدراسة ذلك أن فهمنا لحاضرنا وإستعدادنا لمستقبلنا يقتضيان أن تكون معرفتنا بالتاريخ وحوادثه ومحطاتة وشخصياته وقوانينه معرفة عميقة شاملة ودقيقة الى أبعد الحدود وأقصاها ؛ فكلما تعمّقنا في دراسة قوانين التاريخ كلما إتضحت صورة المستقبل الذي نصنعه بأيدينا وسواعدنا وعقولنا فنحن في نهاية المطاف نتاج لتاريخنا بسلبياته وإيجابياته ؛ إنتصاراته وإنكساراته ؛ صعوده وهبوطه ؛ ونحن إضافة الى ذلك جزء من التاريخ تاريخ البشرية في تطورها وتقدمها المستمرين الى أن يرث الله الأرض وما عليها .
ولقد تناول العلماء والباحثون والفلاسفة موضوع التاريخ وسبل الإستفادة منه من خلال محاولاتهم المتعددة لتفسيره وإكتشاف القوانين المحركة له والضابطة لتطوره وهذا ما أفرز ما يسمى بفلسفة التاريخ التي شكلت وعاءا للعديد من المدارس والمذاهب والإتجاهات المثالية والمادية والواقعية .
ووسط هذه المدارس المتشعبة والمتعددة والمتناقضة تبرز مدرسة البعث العربي الإشتراكي التي جاءت لتقدم الإجابة القومية التقدمية على جملة التساؤلات الفلسفية المطروحة خصوصا بالنسبة للوطن العربي كفضاء جغرافي يحتضن أمة مجزأة مضطهدة تتجاذبها التيارات وتتكالب عليها المصالح وتتنازعها الإرادات .
ولهذا فإن المهمة الحقيقية التي وضعت على عاتق مدرسة البعث العربي الإشتراكي كانت ولا زالت تحمل صبغة الرسالة الحضارية والتاريخية المتجددة دوما والخلاقة أبدا والإنقلابية بإستمرار وإمتياز والتي تتنزل في إطار تصحيح التناول الدارج للمشكلة التاريخية على الصعيدين النظري والتطبيقي وعلى صعيد الفكر والممارسة وكذلك وهذا هو الأهم على صعيد المنهج المتميز الذي ولد نتيجة للمعاناة والصراع والتفاعل الفكري الخلاق مع التيارات الفلسفية السائدة والتي حاولت تفسير التاريخ العربي من خلال أدوات وقوانين أفرزتها المجتمعات الأجنبية وفق ظروفها التاريخية الخاصة .
ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن مدرسة البعث العربي قد إنزوت بنفسها وإستقلّت برجا عاجيا أو أنها إنطلقت من فراغ بعد إستبعادها للقوانين العامة المحركة للتاريخ البشري ذلك أن مثل هذا القول ينفي عن مدرسة البعث أصالتها وعلميتها وواقعيتها وقابليتها للتفاعل الإيجابي مع بقية المدارس والمذاهب الفلسفية .
وعلى هذا الأساس فإن تناول البعث للمسألة التاريخية كان عبر إدراك القوانين الأساسية المحركة للتاريخ وفهمها ودراستها ومن ثمّة ملاءمتها مع مقتضيات وحقائق الميدان المتعلقة بتطور المجتمع العربي والحضارة العربية ؛ ولعلنا لا نضيف جديدا حين نقول إن أحداث التاريخ لها أسباب تدفعها الى الحدوث وهي لا تحدث صدفة أو من تلقاء نفسها وإنما تنتظم جميعها في إطار مجموعة من القوانين التي نسميها بقوانين التاريخ وهذه القوانين وإن كانت تختلف عن قوانين الطبيعة إلا أنها تعتبر في النهاية قوانين بأتم معنى الكلمة مثلها مثل القوانين العلمية والفيزيائية مع إختلاف الموضوع المستهدف للبحث والدراسة وكما قال الدكتور منيف الرزاز رحمه الله فإن : (( المنطق العلمي في التاريخ مثله مثل المنطق العلمي في الطبيعة ينطلق من دراسة الظواهر التي تقع في ميدانه ثم يربط بينها وبين ظواهر مشابهة ثم يضع قانونا يحدّ هذه الظواهر ويحدد العلاقة فيما بينها وعلى رغم أن التاريخ يخلـــــــو من مختبر مجهز يمكن أن تقاس فيه صحة هذه القوانين فإن تطور التاريخ نفسه يحلّ محلّ هذا المختبر ))-(1)-.
وقد يفهم من هذا القول إن البعث العربي يتبنى النظرية المادية للتاريخ وبصفة خاصة ما يطلق عليه إسم الحتمية التاريخية التي تعتبر أن كل الأحداث التاريخية حدثت وستحدث حسب قوانين وقواعد ميكانيكية لا دخل للإنسان والإرادة الإنسانية فيها ولا سيطرة له عليها بحيث أنه إذا عرفنا جميع قوانين التاريخ فإنه بإمكاننا التعرف مسبقا على مستقبل الظواهر التاريخية وإحتمالات تطورها وزمن حدوثها .
إلاّ أن تصوّر البعث العربي يختلف عن هذا الفهم على الأقلّ من ناحيتين إثنتين : أولاهما أن قوانين التاريخ هي في الخلاصة قوانين نسبية بإعتبارها تدخل ضمن نطاق ما يعرف بالعلوم الإنسانية وهي علوم غير صحيحة ؛ وثانيهما أن قوانين التاريخ ترتبط بالضرورة بالدور المركزي للإنسان والإرادة الإنسانية بمعنى أن للعامل الذاتي دور مهمّ وجوهري يكاد يعادل أو يفوق دور العامل الموضوعي.
ومن هناك فإن التطور التاريخي ليس رهينا فقط بتطور العوامل الموضوعية ّأو ما تسمّيه المدرسة الماركسية الأورثوذكسية بالمادية التاريخية وإنما هو كذلك مرتهن بتطور العوامل الذاتية المتعلقة بالإنسان ودوره في التغيير وبصمته الثابتة في كلّ حدث تاريخي ولهذا فإن نسبية القوانين التاريخية تفضي الى حقيقة مهمة للغاية وهي أن تلك القوانين نفسها في تغير وتطور مستمرين بفعل الإنسان والإرادة الإنسانية فكلما تطور التاريخ وخلقت أوضاع مستحدثة كلما إستنبط الإنسان بالمقابل قوانين جديدة تختلف عن تلك التي كانت سائدة قبل حدوث التطور والتغيير وبالتالي يصبح الإنسان فاعلا ومولدا للحركة التاريخية بعد أن كان منفعلا ومتولدا عنها وهكذا في علاقة جدلية يكون منطلقها ومنتهاها الإنسان كغاية ووسيلة بوصفه عنصرا أساسيا من عناصر التطور التاريخي ؛ هذا التطور الذي يشكل أساسا لفاعلية الإنسان لأن القوة المعبرة عن حيوية التاريخ تكمن في أولائك الذين يمارسون أدوارهم في المراحل التاريخية المتعاقبة بوعي وحرية وإرادة وإختيار دون أن يكبلوا أنفسهم بقوانين ميكانيكية أو يتّكؤوا على العوامل الموضوعية مكتفين بمراقبة عملية التطور وإنتظار تحققها التلقائي تحت تعلّة ما يسمى بالحتمية التاريخية .
فمن العبث والحالة تلك إلغاء دور الإنسان والعامل الإنساني في التاريخ وإعتباره مجرد أداة ووسيلة منفذة لإرادة أعلى ولقوانين لا تأثير له عليها ؛ ومن التعسّف كذلك جعل الإرادة الإنسانية والفكر الإنساني مجرّد إنعكاس للمعطيات والعوامل المادية وتمثّل لها لأننا بذلك نكون قد أعدمنا أي تأثير أو دور للعوامل الذاتية في التاريخ وجعلنا من هذا الأخير نتاج حتمي لجملة من القوانين الموضوعية المستقلة تماما والمنفصلة عن اّلإنسان ودور الإنسان وفاعلية الإنسان .
ومن هنا يأتي تأكيد مدرسة البعث العربي الإشتراكي على دور العامل الذاتي ودور الفكر في إحداث الإنقلاب التاريخي من خلال التفاعل الحي والجدلي مع المعطيات الموضوعية المتعلقة بكل مرحلة من مراحل تطور المجتمع العربي والحضارة العربية إذ يقول القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق رحمه الله : (( الفكر في حدّ ذاته قوة تاريخية وقوة ثورية فمجرد وضع القضية العربية في صيغة فكرية شاملة كان أول مساهمة في تركيز الحركة الثورية على أسس صلبة )) –(2)- .
وهنا يبرز دور الفكر وتأثيره في إحداث الإنقلاب على مستوى البنى التحتية والفوقية معا ذلك الدور الذي أنكره البعض وإستبعده البعض الآخر بتعلة تأثير البنى التحتية على البنى الفوقية والعوامل الموضوعية على العوامل الذاتية والعامل الإقتصادي بصفة خاصة على بقية العوامل الإجتماعية والثقافية والنفسية والدينية بشكل أصبح معه العامل الإقتصادي محور التاريخ وسبب حركته وتطوره ؛ وهؤلاء الذين يقولون بمبدأ التأثير المطلق للعامل الإقتصادي في إحداث التطور التاريخي هم أبعد ما يكون عن الفهم العلمي المدروس للنظرية الماركسية نفسها وقد كان هؤلاء محلّ إنتقاد " إنجلز’" في رسالته الشهيرة الى " بلوخ " بتاريخ 21/09/1897 حيث قال : ((وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، فان العنصر النهائي المحدد للتاريخ هو انتاج الحياة الواقعية وتجدد انتاجها ، ولم يؤكد ماركس ولا أنا اكثر من ذلك ابدا، ومن هنا فاذا استخدم احد هذا القول ليعني به أن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدد الوحيد ، فانه يحول هذه القضية الي عبارة حمقاء مجرد فارغة لامعني لها…)) -(3)-.
ولقد أثبتت الوقائع التاريخية صدق ما تنبّأ به البعث العربي الإشتراكي من إستحالة الإعتماد على عامل واحد ووحيد في تفسير التطور الحضاري والتغيّر التاريخي ذلك أن الحركة التاريخية كانت ولا زالت تعتمد في تطورها وتقدمها على جملة من العوامل الذاتية والموضوعية المتظافرة والمترابطة والمتشابكة والمتداخلة مع بعضها البعض والخاضعة الى مبدأ التأثير والتأثر المتبادل فلا وجود لعامل منفرد قادر بذاته على أن يحدث الصدمة المؤدية الى التغيّر التاريخي أو التطور من مرحلة الى مرحلة أخرى أعلى وأرقى ؛ بل إن ترابط العوامل المولدة لذلك التطور والتغيّر هي الحقيقة الوحيدة القائمة على مسرح الحياة الإنسانية ؛ وعندما نقول العوامل المولدة للتطور فإن القصد يتجه مباشرة الى دور الفكر والثقافة والدين والإقتصاد والتراث كمجموعة من الحلقات المرتبطة ببعضها البعض في سلسلة واحدة لا تنفصم إلا لتفقد فاعليتها وجدواها ورونقها وقيمتها التي تكمن أصلا في ترابطها الأبدي وتفاعلها الذاتي الجدلي بحيث تتأثر كل حلقة من حلقاتها بالحلقة الأخرى وتستمد منها وجودها وتضمن من خلالها بقاءها .
فالتاريخ إذن هو نتاج للتفاعل الخلاق بين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية وبين البنى الفوقية والبنى التحتية وبين الإنسان ومحيطه الطبيعي والإجتماعي والإقتصادي وهو إضافة الى ذلك كلّه سلسلة من الحلقات المترابطة والمراحل المتصلة والعصور المتلاحقة التي تشكل مسرحا للصراع والتطور والتغيير وإرادة البناء والتقدّم ومحاولات الجذب الى الخلف وتعطيل حركة الإنسان بإتجاه إحداث الإنبعاث وهذا ما يجعل من التاريخ حقلا خصبا للبحث والإعتبار والتجربة والإستفادة والإستنباط والخلق والإبداع ضمن قوانين نسبية أرساها الفكر الإنساني والمجهود البشري لتحكم مرحلة تاريخية معينة ثم تترك المجال لولادة قوانين جديدة كلّما مرّ الإنسان بمرحلة جديدة في إطار حركة التطور الجدلي للتاريخ وهذا ما يؤدي بالضرورة الى رفض الحتمية التاريخية كمنهج ونظرية ذلك أن حوادث التاريخ بصفة عامة لا تتكرر ولا تعيد نفسها وكما يقول الأستاذ حازم طالب مشتاق فإنه : (( لا وجود للحتمية التاريخيـــــة إلا حتمية الإرادة الإنسانية العاقلة العاملة المقاتلة فالتاريخ يقوم على الممكنات التي يرسمها الإنسان ..))-(4)-.
ومن هذا المنطلق فإن البعث العربي الإشتراكي لم يدّعي في يوم من الأيام أنه يمتلك الحقيقة المطلقة كما لم يزعم أبدا بأن الإيديولوجية العربية الثورية قد وصلت الى الكمال النظري وأمسكت بكافة خيوط قوانين التاريخ ومحركاته وأغلقت بما وصلت إليه وأمسكت به باب الإجتهاد والتطوير والتكيف والتلاؤم مع خصوصيات المراحل التاريخية المختلفة ؛ إضافة الى ذلك فإن البعث العربي لم يضع نفسه في زاوية مغلقة تحكمها القوالب الجامدة والأحكام المعزولة عن سياقها التاريخي ومعطيات الواقع المعاش لأن من شأن مثل ذلك التوجه أن يجعل من الحركة التاريخية مجرّد صنم أو هيكل عظمي مفتقد الى الروح وعبارة عن فلسفة لا علاقة لها بالواقع وتفاصيله وتناقضاته.
ولهذا حرص منظروا البعث ومفكروه




















