العراق… والبعث… والمقاومة… والثورة الذهبية
العراق… والبعث… والمقاومة… والثورة الذهبية
بقلم د. عز الدين دياب
أستاذ جامعي وباحث في القضايا العربية المعاصرة
يسألونك عن الثورة الذهبية، قل فيها أراء كثيرة، ووجهات نظر متباينة شأنها في الذهن: قوة النفس. ذلك شأن مفاهيم العلم الاجتماعي، والأنثروبولوجي والفلسفة، والسياسة، وسائر مفاهيم ومصطلحات العلوم النظرية التي لم تصل حتى هذه اللحظة الى مستوى مفاهيم العلوم التجريبية، والرياضية… الخ.
وإذا أردت القول الصحيح في الثورة الذهبية لابد أنك آت الى الثقافة الذهنية التي تعني أول ما تعني سيطرة الفكر العلمي أو الديني، والعقلاني على كل مظاهر الحياة، وما فيها من أنماط سلوك، ونظم، وقيم، وتلعب فيها القيم والايمان دوراً هاماً أو أساسياً، مثل فكرة الإله، وفكرة الطبيعة، والخلق، والكون..الخ.
وعندما نقول الثقافة فإننا نقصد على وجه التحديد ما أتى به العلم الأنثروبولوجي من معان ومقاصد، مثل قوله: إنها ذلك الكل الذي يمثل العادات والتقاليد والأعراف، والنتاج الفكري والمادي لمجتمع من المجتمعات خلال تاريخه وتجربته الاجتماعية.
ونقترب من تعريف الثورة الذهنية بما قالته قواميس الفلسفة، والعلم الاجتماعي/الأنثروبولوجي عن الذهن Espriet بأنه: 1- عند الحسيين والتجريبيين الذهن: قوة النفس.. تشمل الحواس الظاهرة والباطنة، معدة لاكتساب العلوم أو استعداد تام لإدراك المعارف بالفكر – تعريف الجرجاني 2- مجموع نواحي النشاط التي عن طريقها يستجيب الفرد باعتباره نظاماً Systeme ديناميكياً كاملاً للقوى الخارجية دون إغفال ماضيه ومستقبله.
3- يجري استعماله بمعنى العقل:
أ- ذهني ماله صلة بالذهني سواء في مظهره الوظيفي كالإدراك والمخيلة والذاكرة والإرادة.
ب- ما يجول في الخاطر مقابل الظواهر الحسية والفيزيقية".
د- مراد وهبي – المعجم الفلسفي – ط 3 – 1979 دار الثقافة الحديدة – القاهرة".
ويقودنا تعريف الذهن الى أن الثورة الذهنية تتمثل في تنوير العقل وملكته وعملياته، والارتقاء به عن طريق التثقيف الذهني الذاتي، والتعليم المستمر، وتفعيل القدرة العقلية النقدية حتى يتمكن العقل من فرز المعطيات والظواهر فرزاً عقلانياً دقيقاً قائماً على ادراك هذه الظواهر والمعطيات كما هي في مكانها وزمانها وشروطها، والقوانين التي تقودها، وأن تستوي في الذهن جودة التمييز بين الأشياء المدركة والملموسة سواء كانت في الطبيعة، والحياة الاجتماعية، والبناء الاجتماعي بكل أنساقه.
والثورة الذهنية أيضاً تقوي استعداد الانسان لادراك ما في الحياة من معطيات وظواهر وعلوم ومعارف، فيقترب من الأشياء اقتراباً سليماً، ويفسرها بأسبابها. كل سبب بقده وحجمه، ودوره، ووظائفه.
ولا يفوتنا أن ثورة ذهنية بهذه القدرات، والوظائف، والفعل العقلي تقوي قيمة الايمان في جوانية الانسان وتفعل كل مستحقاتها، وشروطها، ومستلزماتها الأخلاقية والوجدانية" د. جيرار جهالي – موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب – ط1 – 1998 – مكتبة لبنان/ناشرون – بيروت.
والانسان الذي يمتلك هذه القيمة امتلاكاً صحيحاً وسليماً، ويخزنها في ذهنه لتمارس وظائفها خلال حياته اليومية، وعلاقاته الاجتماعية، فإن المواطنة عنده تبلغ الذروة في محدداتها الثقافية/الاجتماعية، مثل الولاء للوطن، والايمان بالآخر والاعتراف به، وبدوره، وتنوعه الثقافي. التعايش السلمي الخلاق بين أبناء الوطن الواحد. الانفتاح الذهني على الثقافات، والمعارف، والتفاعل معها إيجابياً، يأخذ منها، ويعطيها بناء على القيم العليا للمجتمع التي تشكل ضوابط للأخذ والعطاء، وعملية الاتصال والنقل.
والثورة الذهنية مالكة لقوة المراجعة للوقائع والأحداث والظواهر التي تحسب على التجربة الاجتماعية التي يعيشها الانسان، سواء داخل أسرته، وبيته، ومدرسته، وجامعته، وحزبه.. الخ.
وفي المراجعة عودة الى الماضي القريب والبعيد لتفحصه، ومعرفة أين الخطأ، والزلل، ومواقع النجاح والفوز والتقدم.
والثورة الذهنية بعد كل هذا تقدم الدليل على أن الانسان الذي يمتلكها يفوز بالقدرة على تجاوز الأحداث والأخطاء وبلوغ المواقع التي تجعله يسبق سبقاً ومعافى للحدث، والفعل فيه، والسيطرة عليه، وسوقه على النحو التي تسوغه المصالح العليا للوطن والأمة، وما يتفق مع وجهتها، ويتناغم مع حاجاتها.
والثورة الذهنية تزيح من الانسان، بل قل من عقله وعملياته العقلية المفاهيم الخاطئة مثل: لو.. وبس، وغيرهما من المفاهيم الرجاجة غير المدركة والمحددة.. إن الإنسان الذي يغلق عقله على هكذا مفاهيم ينتمي الى الماضي بتخلفه التاريخي، ويعيش حياة ملتبسة فوضوية، قراره فيها بين أخذ ورد، والتجربة محسوبة بحسابات الخطأ، والظن، والانفعال، وردود الفعل المجانية التي لا تجدي نفعاً على الإطلاق، اللهم إلا ما تثيره من مشكلات، وانقسامات، وردود فعل قبلية لإمكان فيها للعقل والعقلانية.
وأخيراً وليس آخراً الثورة الذهنية، هي الصفاء الذهني الذي يجعل الانسان يستريح على مجموعة منن القيم العليا: الوطن، المواطنة، الأمة، الرأي الآخر، التي تربطه بأمته ربطاً قائماً على الفداء، والولاء، والانتماء، والالتزام بثوابت هذه القيم ومحدداتها التاريخية، وفلسفتها الحضارية.
وفي الثورة الذهنية الارتقاء والتصعيد القيمي والأخلاقي والالتزام العقائدي، واحتراف الجهاد والمناضلة، حتى تظفر الأمة بمستحقاتها التاريخية، وبثرواتها، والانسان فيها أولاً، وبدورها الحضاري الذي يشكل مستقبلها بكل ما يعني هذا المفهوم من معان ومعطيات، وتراث، وحقوق، وواجبات، وحضور قومي إنساني، والدور بالنسبة للأمة العربية، يشكل أحد أهم مبررات وجودها واستمرارها، لأنها أمة رسالة.
وإذا كان كل ما قيل حتى هذه اللحظة عن الذهن والعقل، والثورة الذهنية، فما علاقة هذا بالبعث.. والعرق… والمقاومة؟
أحاديث تجري بين القطاع الجدي من أبناء الأمة العربية، المهموم بالشأن القومي عن العراق.. وعن البعث.. وعن المقاومة التي بدأت بقرا ر من البعث في أعقاب ليل اليوم الأول من الاحتلال، لأن المقاومة المسلحة قدر العراق وبعثه، وككل قواه الاجتماعية الحية، في التصدي للاحتلال الامبريالي القادم الى العرق بقرار صهيوني لمنعه من ممارسة دوره االحضاري، في جدلية تبادل الأدوار، والمهام الحضارية بين الأقطار العربية، فإذا تمكنت الامبريالية من ضرب النهضة في هذا القطر وذاك فإنها لا محالة آتية قطر آخر يعد نفسه لممارسة دوره الحضاري في دائرة القانون القومي























