
صحابيون يتامى من اصل بعثي
إذا طعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة
مثل عالمي
صلاح المختار
تلقيت الكثير من الرسائل منذ عام 2004 بعثها لي مواطنون عرب واجانب ، من اوربا وامريكا الشمالية واستراليا ، وكان السؤال المشترك والمتكرر فيها هو : ما هو السر الذي جعل البعث يبقى ويتجدد ويتسع شعبيا وتنظيميا ويحمل السلاح ويقاتل الغزاة ، رغم انه تعرض لحملات ابادة لم يتعرض لها اي حزب او جماعة في الوطن العربي وفي اغلب بلدان العالم وكان يعتقد في كل منها انه زال وابيد ؟ والبعض تسائل ايضا في رسائله : لم زالت احزاب وطواها النسيان ، بعضها كان اقدم من البعث وبعضها كان اكبر من البعث تنظيميا ، وبعضها كانت لها عقائد معروفة ، وبقي البعث كالعنقاء ينبعث من رماده كلما احرق وابيد الالاف من مناضليه ، ويقدم للشعب العربي اجيالا من القادة العظام كلما اغتيل القادة او ماتوا ، ويغذ السير على طريق تحرير الامة العربية وبناء حضارتها الجديدة تحت راية الله اكبر ؟
هذا السؤال المتكرر يدور ، دون ادنى شك ، حول هوية البعث والتي تحدد حقيقته ومكوناته ( الجينية ) واسرار بقاءه رغم الحملات ( الصليبية )* الدموية الشاملة والمتكررة التي شنت ضده في العقود الخمسة الماضية ، خصوصا حملات امريكا وايران والكيان الصهيوني التي اتخذت ، في اخر طبعة لها ، شكل غزو مشترك ، امريكي – ايراني – صهيوني ، للعراق في عام 2003 وتنفيذ اخطر واوسع هولوكوست ضد الامة العربية هو هولوكوست البعث ، كانت ابرز مظاهره وصول عدد شهداء البعث الى اكثر من 150 الف شهيد بعد غزو العراق فقط ، وهي خسارة لم يتعرض لها اي حزب او جماعة عربية على الاطلاق ، بل انه رقم اكبر من اعضاء اي حزب في الوطن العربي ، دون اي استثناء ، واكبر من عدد اعضاء كل الاحزاب في العراق سواء كانت عميلة او وطنية ، قديمة او حديثة .
ان الاسئلة مهمة جدا وموحية بعمق والجواب عليها يقدم للعالم الحقيقة الكاملة حول طبيعة البعث وهويته الحقيقية التي اراد العدو المشترك التعتيم عليها ، بعد ان فشل في تزويرها عبر خطة معروفة وشهيرة اطلقت عليها تسمية ابليسية هي ( شيطنة البعث ) تقوم على تشويه صورته بنسج الاكاذيب حوله وترويجها على نطاق واسع ، مع حرمان البعثيين واصدقاءهم من حق الدفاع والرد . لذلك فان افضل طريقة للاحتفال بالعيد الثاني والستين لميلاد البعث هي اهداء هذا التحليل ، الذي يوضح اسباب خلود البعث وانبعاثه كلما جرت محاولة لاغتياله ، الى محبي البعث في الوطن العربي واصدقاءه في العالم ، ومن لديه فضول كبير مشروع حول تفسير سر بقاءه وتجدده وانبعاثه كلما ظن البعض انه اغتيل او دفن .
من هم أعداء البعث ؟
لكي نفهم الطابع الاستثنائي والفريد لقوة من يعادي البعث علينا ان نعيد التذكير بهم : ان اعداء البعث ، وكما اثبتت التجربة التاريخية في نصف القرن الماضي ، هم الغرب ( الولايات المتحدة الامريكية واوساط اوربية نافذة خصوصا بريطانيا ) والصهيونية العالمية والنخب الفارسية الحاكمة في ايران ، ومن يتبع هؤلاء من عرب وعجم . وبما ان الغرب والصهيونية تمثلان اعظم قوى العصر الحديث ، عسكريا واشدها شراسة سلوكيا واكثرها تقدما علميا وتكنولوجيا وثراء ، فان عراق البعث واجه ، والبعث بعد احتلال العراق يواجه ، حربا شاملة ومستمرة هي الاشرس والاخطر والاصعب في التاريخ كله ، يشنها عليه تحالف قوى مضادة يتكون من حوالي اربعين دولة عظمى وكبرى ووسطى وصغرى ، وهو تحالف يملك الثروة الاعظم في العالم ، ولم يواجه اي طرف اخر او دولة او تحالف دول في التاريخ كله مثل هذا التحالف على الاطلاق من حيث سعته وقوته وتفوقه ، فلا النازية ولا الشيوعية ولا الفاشية واجهت اعداء بهذا العدد وبهذا التقدم وبهذا الثراء وبهذه القوة العسكرية الجهنمية وبهذا التقدم التكنولوجي المذهل .
ان القوى التي حاربت النازية والفاشية والشيوعية اقل بكثير واضعف اكثر من التي حاربت وتحارب العراق ومن يريد ان يفهم الحقيقة المخفية التي تحرك الصراع الرئيسي في منطقتنا وهو الصراع العراقي - الامريكي لابد له من الانتباه الى ما سبق وقلناه ، واذا كان هناك من يشك بصحة ذلك ليقدم لنا مثالا واحدا عكس ما قلنا .
منذ عام 1991 وجد العراق بقيادة البعث نفسه في مواجهة مصيرية مع اعظم قوة في التاريخ ، واكثرها وحشية وعنفا وسفكا للدماء ، وهي الولايات المتحدة الامريكية ، مدعومة باغلب اوربا ، وبدول اسيوية وافريقية وامريكية لاتينية عديدة وبقدرات الصهيونية العالمية ، وبمنظمات دولية واقليمية كالامم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ، وبحقد ايراني عنصري توسعي . هذا التحالف الدولي – الاقليمي الاكبر والاقوى والاعظم في كل التاريخ الانساني شن حربا شاملة على العراق ما زالت مستمرة رغم مرور 18 عشر عاما على اندلاعها . مرة اخرى نذكر بان الحلفاء والمحور ، وهما الطرفان اللذان تحاربا في الحرب العالمية الثانية ، لم يكونا بقوة وباتساع التحالف الذي تكون ضد عراق البعث ، عدديا ونوعيا ، رغم ان الحلفاء والمحور كانا يتكونان من دول متقدمة تحكمت في العالم وقتها ، خصوصا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة من الحلفاء ، والمانيا واليابان من المحور .
ان السؤال المهم هنا هو : ماهو وزن العراق السكاني والمالي والصناعي والعسكري والتكنولوجي مقارنة بوزن المانيا واليابان اللتان خاضتا الحرب الحرب العالمية الثانية ضد الحلفاء في حرب استمرت اربعة سنوات ؟ ان الجواب واضح وهو ان العراق كان قطرا ناميا ، صغير عدديا محدود الامكانيات المادية مقارنة بالتحالف الدولي والاقليمي الذي حاربه ، ولا يملك قاعدة صناعية متطورة ولا موارد ضخمة غير النفط ، ولا حلفاء اقليميين ودوليين ، ومع ذلك خاض الحرب لمدة ثمانية عشرعاما وصمد وغير وجه العالم بصموده في الصفحة الثانية من الحرب الطويلة وهي صفحة حرب العصابات التي بدأت بدخول القوات الدولية الضخمة ارض العراق في عام 2003 .
هل هذا كل شيء ميز عظمة عراق البعث ؟ كلا فالمتحاربين في الحرب العالمية الثالثة ضد العراق استخدموا اسلحة وخدمات تكنولوجية متقدمة جدا تعد تكنولوجيا واسلحة الحرب العالمية الثانية مقارنة بها اسلحة وتكنولوجيا بدائية جدا . كان القمر الصناعي ومازال هو رمز الحرب الحديثة حيث تدار المعارك عبره وبواسطته ، وتطلق الصواريخ وتوجه الطائرات به ، وتحدد مواقع العدو بدقة بنظاراته ، ولو ان فرنسا او امريكا واجهتا طرفا يملك اسلحة مشابهة لما ملكته امريكا ، واستخدمته بكامله ضد العراق ، لكان بالامكان تصور هزيمة فرنسا في يومين وامريكا في 3 ايام ، كما اعترف قادة ستراتيجيون امريكيون واوربيون ، وكما تؤكد كل الوقائع الميدانية .
اذن الحرب العالمية الثالثة المستمرة حتى الان منذ 18 عاما ، التي تدور بين العراق وتحالف دولي واقليمي ضخم جدا ، تطرح تساؤلات منطقية لا يجوز لمن يمتلك ذرة موضوعية ان يقفز من فوقها وهي : مالذي جعل هذا التحالف الدولي والاقليمي يقف ضد العراق ويصر على محاربته كل هذا الزمن ، معرضا العالم برمته للاضطرابات الخطيرة ، واهمها مؤخرا الانهيارات المالية العالمية وتحطم سمعة امريكا والغرب عموما نتيجة الوحشية المتطرفة في التعامل مع العراق ، والفشل الفضائحي في دحر المقاومة العراقية الباسلة ؟ هل العراق تحت قيادة البعث دولة عظمى ونووية ؟ هل عدد سكانه وحجم موارده يوازي عدد وموارد من يحاربونه ؟ وهل هو متطور عسكريا وتكنولوجيا بحيث يحفز ذلك التحالف المضاد له لخوض حرب هي الاكثر تكلفة في تاريخ الحروب كلها ؟ لقد قدرت تكلفة الحرب على العراق بحوالي 3 – 4 تريليون دولار حسب عالم اقتصاد امريكي حصل على جائزة نوبل ، وحرب فيتنام ، وهي اكثر حروب الاستعمار الامريكي تكلفة ، لم تصل تكلفتها الى تريليون واحد !
ان العراق قطر صغير سكانه عددهم 26 مليون نسمة ، بقدر سكان ولاية كاليفورنيا الامريكية تقريبا ، وموارده اقل من موارد كاليفورنيا ، وتطوره العسكري محدود جدا مقارنة بتطور امريكا ، لذلك يبقى السؤال المحير لمن لا يعرف هو لم هذ الحرب المستمرة ضد العراق اذن ؟ لم هذه التكلفة الفريدة التي تتجاوز كثيرا حسابات امريكا اخذين بنظر الاعتبار ان الحروب بالنسبة لامريكا هي حروب نهب ولصوصية وليست حروب استنزاف لها ؟
والسؤال الاخر المهم هو : هل امريكا وبريطانيا وايران بشكل خاص ، وهي ابرز القوى التي تحارب العراق منذ عام 1991 ( ايران ابتدأت الحرب على العراق ، بتشجيع ودعم امريكي – صهيوني اصبح ثابتا الان ، في عام 1980 كممهد للحرب العالمية الثالثة ) ، تخوض حربا ( عبثية ) ضد العراق لا هدف لها ولا فهم لكوارثها وخسائرها ؟ ام انها تدرك ما تفعل وتقدم التضحيات الضخمة في سبيل اهداف كبيرة وذات طبيعة ستراتيجية تتعلق بمستقبل النظام الاستعماري العالمي ؟ كما ان سؤالا اخرا مهما يفرض نفسه وهو : لم تتحد امريكا وايران وتتعاونان ضد العراق رغم ادعاءهما وجود تناقضات كبيرة بينهما ؟ الا يعني ذلك عمليا ان عراق البعث تعده امريكا العدو الاول لها وليس ايران ؟ الا يعني هذا ان العراق تعده ايران العدو الاول لها وليس امريكا ؟
هل يوجد اصدقاء دوليين للبعث ؟ هذا السؤال مهم ايضا فكل القوى التي تحاربت في العصر الحديث كان لها حلفاء ولم تقم حربا عالمية على الاطلاق ضد دولة واحدة ، ومع ذلك فان الواقع يشهد ان عراق البعث يخوض حرب الوجود العربي منفردا ، وهي حرب عالمية منذ 18 عاما لم يسبق لها مثيل ابدا ، بلا حلفاء ولا اصدقاء حقيقيين .
ومن حق من انتبه لما سبق ان يطرح سؤالا منطقيا وهو : هؤلاء البعثيون ( اليتامى ) عربيا وعالميا هل كان بامكانهم الصمود وتحقيق الانتصارات بالمقاومة المسلحة لو لم يكونوا صحابة العصر الحديث الذين يذكروننا بصحابة الرسول محمد ( ص ) وتضحياتهم وبطولاتهم وتنكرهم للذات ؟ وهل كان بامكان صحابة العصر الحديث ، وانموذجهم الاول سيد شهداء العصر الصحابي الجليل صدام حسين ، تحقيق الانتصارات وايصال اعظم القوى في التاريخ الانساني الى الانهيار والهزيمة العسكرية لولم يكن الشعب العراقي قد تبناهم ودعمهم بلا حدود ؟
هنا نتوقف عند تساؤل اخير : لم يتعرض البعث لحروب وتحديات لم تتعرض لها اي قوة او دولة او حزب في التاريخ ؟ ما لذي فعله البعث كي يحتل هذه المكانة في الصراعات الدولية والاقليمية ؟
مميزات البعث :
ان الاجوبة على الاسئلة والتساؤلات السابقة نجدها في مبادئ البعث وعقيدته وفي سياسات البعث ومانفذه في العراق اثناء حكمه له في الفترة بين 1968 و2003 واهمها ما يلي :
1 – امم النفط وبذلك مس ( قدس الاقداس ) بالنسبة للقوى الاستعمارية الغربية التي كانت تنهب نفط العراق ولا تعطي لشعبه سوى حصة تافهة ، ويحدد تفاهة هذه الحصة السيد تايه عبدالكريم وزير النفط العراقي الاسبق بالقول ان موارد العراق من النفط قبل التاميم كانت حوالي 400 مليون دولار واصبحت بعده اربعين مليار دولار ! ان تأميم النفط عد من قبل القوى الاستعمارية الغربية اكبر تحد لها ولمصالحها غير المشروعة في الوطن العربي لانه اعاد المال للشعب العراقي ، فاستحق العراق من وجهة نظرها ان يعامل كعدو خطير .
2 – سخر البعث موارد النفط لاعادة بناء الانسان العراقي ثقافيا وعلميا وتكنولوجيا واجتماعيا وعسكريا ، فتقدم العراقي الى العرب والعالم بعد سنوات انسانا مختلفا عن الانسان التقليدي في العالم الثالث حيث الاعتماد الطفيلي على الغرب ، والتبعية التامة له . عراق البعث بفضل ثروة النفط اصبح متقدما وخاليا من الفقر والامية والتعليم فيه مجاني كليا والزامي ، والطب العلاجي والوقائي يقدم لكل انسان بلا ثمن . والاخطر ان موارد النفط مكنت البعث من انشاء اعظم واخطر جيوش العرب وهو ( جيش العلماء والمهندسين والفنيين ) الذي قدر عدد افراده ديفيد كي ضابط المخابرات الامريكية ورئيس فريق التفتيش النووي باربعين الف مؤهل . بنشوء هذا الجيش في العراق ادرك الغرب ان عراق البعث تجاوز كل الخطوط الحمر التي وضعها هو والصهيونية للعرب ، واهمها منعهم من الحصول على العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة ، كي يبقوا تابعين وطفيليين لا دور بارز لهم في العالم .
3 – رسخ البعث التزام الشعب العراقي التقليدي بالرابطة القومية العربية وناضل من اجل الوحدة العربية ، وخصص جزء من ثروته للعرب الفقراء ، ووضع خطط تنمية عربية تكاملية تمهد لقيام دولة الوحدة العربية ، واصر على رفض التفريط بحقوق العرب في فلسطين واهمها تحريرها من البحر الى النهر . وهكذا مس قدس اقداس الصهيونية التي عدته العدو رقم واحد .
4 – وضع البعث اسس مجتمع عادل يتجه نحو الاشتراكية التي تكفل منع عودة الفقر والامية بعد ازالتهما كليا من العراق ، وجعل العدالة الاجتماعية تتمثل في دولة الخدمات المجانية او شبه المجانية ، ورفض العبودية الطبقية وكافة اشكال الاستغلال . لقد طور البعث مفهومه القومي للاشتراكية الذي فصل الاشتراكية عن الالحاد وجعل الايمان مكون اساسي للفكر الاشتراكي – القومي . وهكذا قدم البعث اشتراكية تجتذب الفقراء وتعزز ايمانهم الديني بنفس الوقت ، فحل التناقض المفتعل بين الاشتراكية والايمان الذي وقعت في فخه الشيوعية .
5 – اعد البعث الشعب العراقي لمواجه القوى المعادية فسلحه بالثقافة القومية من جهة ، ودربه على القتال بكافة اشكاله من جهة ثانية فامتلك العراق حوالي عشرة ملايين عراقي مدرب على حروب الشوارع والعصابات واصبح في كل بيت عراقي اكثر من قطعة سلاح ، هك
المزيد