لن يرضوا .. حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ

أغسطس 4th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

لن يرضوا .. حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ

 

 

 

نقولا ناصر / كاتب عربي من فلسطين

 

بنقله محور التركيز في مهمته من الدعوة إلى الوقف الكامل للاستيطان الاستعماري اليهودي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بالضفة الغربية إلى الدعوة لخطوات تطبيع عربي تدريجي فورية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، أكد المبعوث الرئاسي الأميركي ل "السلام في الشرق الوسط"، جورج ميتشل، خلال جولته الثالثة الأخيرة في المنطقة خلال ستة أشهر صحة التقارير عن نجاح دولة الاحتلال وجماعات الضغط اليهودية – الصهيونية الأميركية والعالمية في احتواء حملة رئيسه باراك أوباما الدبلوماسية والسياسية والإعلامية الضاغطة – دون أن تكون مقترنة بأي إجراء "عملي" للضغط – لوقف الاستيطان منذ "تعهد" أوباما لممثلي الجالية اليهودية الأميركية في الثالث عشر من الشهر الماضي باعتماد مبدأ مبادلة التطبيع بوقف الاستيطان كتعبير عن "التوازن" بين طرفي الصراع كما طالبه الزعماء اليهود الأميركيون.

ولم يجد ميتشل في العجز العربي – الفلسطيني ما يسوغ أي تردد في الدعوة إلى التطبيع العربي صراحة ودون مواربة من فوق المنابر الجمهورية والملكية في العواصم التي زارها، ليعلن: "إننا نجتمع مع قادة كثير من الدول العربية في المنطقة لتشجيعهم على اتخاذ خطوات حقيقية نحو التطبيع"، قبل أن يضيف مستدركا بحذر: "ونحن لا نطلب من أحد إنجاز تطبيع كامل في هذا الوقت"، والمراقب لا يعزو استدراكه إلى تردد في الموقف العربي الرسمي بقدر ما هو استدراك متوقع من دبلوماسي عريق مثله يأخذ في حسبانه تجنيب القادة العرب أي حرج مع جماهيرهم الرافضة للتطبيع كاملا كان أم تدريجيا، فوريا أم مؤجلا.

وإذا كان رفض المملكة العربية السعودية يوم الأربعاء الماضي، وقبله بيومين رفض الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، لدعوة ميتشل مبعث راحة مؤقتة للرأي العام العربي المقاوم للتطبيع باعتباره مؤشرا إلى أن قطار التطبيع العربي الرسمي لم يفقد كوابحه جميعها بعد، فإن أي راحة متسرعة كهذه سرعان ما تتبدد عند التدقيق في الموقف العربي - الفلسطيني الرسمي، الذي يربط بين التطبيع وبين وقف الاستيطان، وهذا موقف قاصر بالتأكيد إذا ما قورن مثلا بموقف فرنسا التي أعلن المتحدث باسم وزارة خارجيتها، فريدريك ديزانيو، يوم الأربعاء الماضي أن بلاده تحث دولة الاحتلال على تجميد الاستيطان ولا تربط هذا التجميد بتطبيع العلاقات بينها وبين العرب

فميتشل لم يكن بحاجة إلى بذل أي جهد حقيقي لتمهيد الطريق أمام دعوته، فقد أعفاه من بذل أي جهد كهذا المجلس الوزاري للجامعة العربية في اجتماعه الأخير بالقاهرة عندما "قرر أن الدول العربية ستدرس الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها من أجل التجاوب مع الخطوات الإيجابية التي قد تتخذها إسرائيل، وأن التجاوب يجب أن يكون متدرجاً وأن تعمل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على حمل إسرائيل على اتخاذ إجراءات إيجابية قبل أي تطبيع عربي”، حيث أكد المجلس بذلك أولا القبول العربي الجماعي بالتطبيع من حيث المبدأ، وأكد ثانيا مبدأ مبادلة التطبيع بوقف الاستيطان، وأكد ثالثا مبدأ التدرج في هذه المبادلة.

وهذه هي تحديدا المبادئ الثلاث التي استند ميتشل إليها في دعوته، ليتجاهل هو والمجلس الوزاري العربي معا ليس فقط مبادرة السلام العربية التي اشترطت مبادلة التطبيع بإقامة دولة فلسطينية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في الجولان السوري والجنوب اللبناني، واشترطت كذلك أن يكون التطبيع لاحقا لا سابقا لانسحاب قوات الاحتلال الإسرائي

المزيد


اليمن والوحدة اليمنية في دائرة التآمر

مايو 25th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

 

 

 

 

 

اليمن والوحدة اليمنية في دائرة التآمر

 

 

 

الدكتور غالب الفريجات

 

 

ما من وحدة بين جزئين أو قطرين عربيين الا وكانت مقدسة ، فكيف اذا كانت بين أجزاء الوطن الواحد كما هي في اليمن الشقيق ؟ ، فقد كان اليمنيون قبل الوحدة يغضبون ، عندما تسأل أحدهم هل أنت من اليمن الشمالي أو اليمن الجنوبي ؟ ، وجوابهم على الدوام اليمن واحد ، وهكذا نحن نرفض منطق البوليساريو على سبيل المثال ، التي تطالب بدولة في الصحراء المغربية ، لان وحدة التراب المغربي أفضل بكثير من وجود دولة هلامية في قلب الصحراء ، فالأرض باقية والأنظمة الى زوال .

 

لقد تمت الوحدة بالتراضي ، وتم الدفاع عنها بالدم منذ خمسة عشر عاما ، أمام نكوس بقايا الحزب الحاكم فيما يسمى باليمن الجنوبي ، الذين تآمروا على جميع الاتجاهات القومية بدعم سوفياتي ، فعاثوا في هذا الجزء من  اليمن خرابا وفسادا ، وبعد الوحدة عندما فشلوا في الانتخابات ، افتعلوا معركة الانفصال بمساعدة ودعم من دول عربية رجعية لا تريد خيرا لليمن ، وما زالت فلول هؤلاء تقاتل الوحدة لاعادة تجزأة البلاد وتدميرها ، ومن ثم تدمير الوطن اليمني على رؤوس جميع اليمنيين .    

 

واليوم يتم استهداف اليمن بالتخريب من الحوثيين ، الذين يتلقون الدعم الفارسي ، الذي يدس أنفه في كل ما يضعف العرب ويمزق شملهم ، فالتقت الأهداف الفارسية مع فلول المتمركسين ، الذين نقلوا بندقيتهم من الكتف السوفييتي ، الى كتف اكثر النظم العربية رجعية وفسادا، كما فعلوها في العراق ، عندما غيّروا وجه قبلتهم من موسكو الى واشنطن ، فارتضوا ان يكونوا عملاء للاحتلال ، وأعضاء في مجلس بريمر، ممثلين طائفيين ، فانقلبت الشيوعية الى شيعية ، وتحالفت الطائفية الشيعية مع أدعياء الشيوعية  . 

المزيد


قسطنطين زريق والفكر القومي العربي

ديسمبر 25th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

zourai

 

 

قسطنطين زريق والفكر القومي

  

 

 

  

زياد حافظ

 

 

المهمة التي أوكلت إليّ اليوم كبيرة ولا أدري إذا سأكون منصفا للراحل الكبير الذي نحيي ذكراه بمناسبة مئوية ولادته. وبالفعل، كيف تُقيّم أحد عمالقة النهضة العربية ؟ كيف تتكلّم عن من كانت لائحة مؤلفاته تزداد عن ستين صفحة(1)؟ وما يمكنك أن تقول عن إنسان كُتب عنه العديد؟ فلائحة تلك المؤلفات والمقالات عن الدكتور قسطنطين زريق قد تصل إلى صفحات عديدة!(2) وإذا كنت معنيا اليوم بعرض ملامح فكره القومي فلا بد من الاعتراف أن ذلك الفكر مرتبط ارتباطا عضويا بقراءته للتاريخ الإنساني والحضارة والتربية والحداثة التي لا يمكنني أن أتناولها في هذه المداخلة لضيق الوقت والمساحة.

قسطنطين زريق رجل نهضوي بامتياز. فكتاباته تستذكر التاريخ خدمة للمستقبل. ويستشهد الكاتب الكبير بآية قرآنية تعبّر عن دوافعه: فإنَّ الذِكرى تَنْفَعُ المُؤمِينين(3). فالعلم والإيمان في صميم فكره وهاجسه تحقيق رفاهية الإنسان العربي في مجتمع حضاري يؤدي رسالته للإنسانية. فالرجل النهضوي ينظر دائما إلى الغد ويأخذ العبر من الماضي والحاضر ولكن المستقبل هو هاجسه الأكبر إن لم يكن الوحيد. وقرائتُه لمستقبل الأمة التي يذكرها دائما في كتاباته تدّل عن وعي بالمتغييرات التي حصلت والتي ستحصل حتما وتأثيرها على مسار الأمور. فما يميّز كتابات الدكتور قسطنطين زريق هو حداثتها بمعنى أنها تجسد الحداثة كما سأبينه لاحقا. وهذه الحداثة تجعل فكره يصمد أمام امتحان الزمن والتاريخ. فما كتبه مثلا عام 1953 في القضية العربية كما حددها آنذاك والتي سأعرضها لاحقا ما زالت صحيحة وكأنها كتبت في الظرف الحالي. هذه الحداثة تحمل في طيّاتها دينامية خاصة تجعل فكره القومي صالحا حتى اليوم، وبالتالي حيا لأنه فكر إنساني نابع من وجدان الإنسان ولأنه عقلاني (وقد أقول رياضيا) ومبني على الوعي والعقل النقدي الحر الذي لا يخلو من الروحانية.

عندما تقراء فقرة من فقرات مؤلفاته يتخيّل لك أنك تنظر إلى منظومة رياضية بفرضيتها وبرهانها وخلاصتها. فلا يمكنك أن تحذف سطرا أو جملة دون الإخلال بالمعنى وبالنتيجة. هذا ما يضيف صعوبة في تلخيص أفكاره لدسامة كتاباته. فأسلوب الدكتور زريق يتميّز بالاقتضاب دون إغفال شتّى النواحي المعقدة والمركبة للأفكار التي يشرحها. فكتاباته لا تخلو من البعد التاريخي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وحتى الفلسفي، كل ذلك في منظومة شبه رياضية. فهو أكّد حرصه على عدم تبسيط الأمور، وعدم الإخلال بروابطها بين بعضها البعض، ومع العناية بإيلاء موقع المركز للأمور الجوهرية من دون الأمور الجانبية أو العارضة، خلا ما ارتبط منها بالأساسي والجوهري أو ما دلّ عليه(4).

إن السمة الأساسية لكتابات الدكتور زريق وخاصة تلك التي تتناول الفكر القومي وقضاياه، هذه السمة هي الطابع التثقيفي التربوي البعيد عن الخطاب التعبوي التحريضي. والتحريض عند الدكتور زريق هو تحريض للعقل والعقل الناقد قبل اي شيء غير أنه يقدّر حماسة المثقفين العقائديين التعبويين ويقارنهم بالرسل والأنبياء(5). فكان يرى في القومية العربية مطهرا للروح. وقد اعتبر البعض أن هذا النوع من الكلام شبيه بالمواعظ التي تلقى في مدارس الأحد. وكالعادة يخطئ المحللون والناقدون في اجتزاء الكلام عن سياقه التاريخي السياسي والاجتماعي والثقافي السائد عندما كتب الدكتور زريق. فكاما أشار الدكتور العظمة فإن خطابية زريق، على تقشف ظاهرها وعدم مشهدية إلقائها (ولهذا دلالات)، جاءت في سياق سياسي واجتماعي محدد….، وأنها رمت إلى جعل مفهومي الواجب والإرادة مناطا للعمل القومي في وضع عربي وسمته عصبة العمل القومي التي استلهما زريق غير مرة في افتتاح بيانها التأسيسي بأنه يشهد تفسخا خلقيا كاد يقضي على الرجولة ويعمم روح التخنث وانحلالا جسيما كاد يقضي على معالم القوة. ويضيف العظمة ولذا كانت الخطابة واستنهاض مكامن الإرادة والشعور بالواجب متجهين نحو إنشاء نواة تتجسد الفكرة القومية في حيوات أفرادها بالجد والانضباط والوعي والعلم والتضحية(6). هذه العبارات الخمسة تؤكد ما قلته في مطلع الحديث عن حداثة فكر الدكتور زريق. فالتشخيص الذي أورده عام 1943 ما زال صالحا وإن إختلفت الظروف العربية والدولية.

بعد هذه الملاحظات عن أسلوب الرجل وكما يقال في فرنسا: الأسلوب هو الرجل (le , c’est l’homme) أنتقل إلى بعض ملامح الفكر القومي عند الدكتور زريق لأنني لا استطيع أن أنصف الكاتب والمفكر لغزارة فكره في الوقت المتاح لي. والمواضيع التي سأتكلم عنها هي التي تشير بوضوح إلى السمة الأساسية لفكر الدكتور زريق والتي اشرت إليها سابقا ألا وهي الحداثة. فالكتابات التي تعود أحيانا إلى أكثر من سبعين سنة ما زالت في رأيي قائمة كما أن تشخيصه لحالة الأمة عام 1953 ما زال صالحا بل أقول وكأنه كتبها اليوم لو كان بيننا. فالمواضيع التي سأتحث عنها باقتضاب هي الوعي القومي وبعض ما جاء به في الكتاب الأحمر والقضية العربية وعلاقة القومية بالدين.

الوعي القومي

ينطلق الدكتور زريق دائما من تشخيص لحالة الأمة ومن ثمة يعطي الحل المنشود. ففي مطلع مؤلفه عن الوعي القومي يقول: لم يبق خافيا على أي من ينظر في حالة الأمة العربية أنها تجتاز اليوم دورا من أشد أدوار حياتها دقة وأعظمها خطرا، وأنها تتخبط في فوضى فكرية بعيدة المدى بليغة الأثر(7). هذه إشارة أولى في هذه المداخلة لحداثة فكر الدكتور زريق! فما كان صحيحا عام 1939 ما زال ساريا المفعول عام 2008! والسبب في تلك الفوضى الفكرية هو فقداننا الشعور القومي الصحيح الذي يوحّد جهودنا، وينظّم قوانا الروحية، ويفيض على نفوسنا صفاء وركونا واطمئنانا(8). ويتساءل كيف يمكن أن يكون ذلك الشعور مفقودا عندما تكون شؤون الأمة العامة على كل لسان يتحدث بها الكبير والصغير والغني والفقير. أفننكر بعد هذا كله الشعور القومي، وسريانه في قلوب الأمة ونفوسها؟ ويجيب أن كل ذلك لا يبلغ قرارة النفس، ولا يكيّف صورة الحياة. فمعظم المهتمين في الشؤون العامة أصحاب غايات وأطماع دنيوية والقلة الباقية موزعة بين فريق يتخذ القضايا القومية ملهاة يملأ فراغه ويسرّي بها عن نفسه عندما يفرغ من عمله الخاص فيجلس إلى صحبه ويبادلهم الأحاديث الجدية أو غير الجدية، ويوهم نفسه وصحبه أنه يؤدي بذلك واجبه الوطني ويلتحق بصفوف العاملين في حقل القومية الصحيحة(9). أما الفريق الآخرفتلتهب في نفسه عاطفة وطنية صادقة لكنها لا تخرج من حيز الشعور إلى حيز العقل، فتراه مدفوعا بشتى الانفعالات النفسية والتأثرات العاطفية دون أمن أو استقرار(10). تلك المجموعات التي تتحرك إما بدوافع شخصية أو لملء فراغ وقتها أو بدوافع عاطفية آنية لا يمكن أن تكون أساسا متينا يبنى عليه كيان الأمة ويشاد صرحها الجديد11. فالشعور القومي الصحيح هو الذي يبتعد عن أدران المادة ويرتفع إلى حيّز العقل ليصبح شعورا يدعمه الفكر، أو بالأحرى فكرا يذكّيه الشعور، وسرت في جوانب النفس كلها، فملأتها ‘وعيا’ قوميا12.

فعلى ماذا إذا يقوم ذلك الوعي القومي؟ فيجيب أنه يقوم أولا على معرفة ماضي الأمة معرفة صحيحة، وفهم العوامل الطبيعية والتاريخية التي كوّنتها حتى جعلتها في حالتها الحاضرة، والكشف عن مصادر قواها الروحية الخاصة التي تمتاز بها عن غير الأمم13. أما المقوّم الثاني لذلك الوعي فهو اللغة. وتماشيا مع ضرورة معرفة ماضي الأمة فلا بد أيضا من معرفة من أين نشأت اللغة، وكيف انتشرت، والتيقن بميزاتها على غيرها من اللغات، والقوى الخاصة التي جعلتها تسود سيادة تامة على الأقطار العربية الشاسعة14. فاللغة ليست من المسلمات التي لا تستوجب الدراسة والدليل على ذلك في رأيي الانحطاط الذي يسود الخطاب المكتوب والمرئي والمسموع. كما أعتبر أن انحطاط اللغة من انحطاط الثقافة وانحطاط الثقافة من انحطاط الحضارة وانحطاط الحضارة من انحطاط الأمة وانحطاط الأمة من انحطاط الإنسان.

لم يأت كلام الدكتور زريق من الفراغ. فهو ابن النهضة العربية التي بدأت في القرن التاسع عشر والتي بدأت بتجدد اللغة العربية مع الفكر عامة والفكر الديني خاصة. فأعمال اليازجي والبستاني تتجسد في كلام الدكتور زريق. ويوضّح المفكر أن اللغة ليست سوى مظهر من مظاهر الثقافة. والوعي القومي يتطلب أن يكون لنا فهم صحيح لجوهر الثقافة العربية. فيضيف أن لا بد من أن يكون وراء هذه الميزات قوى روحية خاصة….لندرك حقيقة هذه الثقافة التي ورثناها عن السلف، والتي تكوّن اليوم القسم الأكبر والأبرز من شخصيتنا15. وينتهي بالقول أن الوعي القومي الملتفت إلى الماضي أن نلمس روح تاريخنا ونتصل بالعوامل التي كوّنت هذا التاريخ16. من الواضح أن الوعي القومي عند الدكتور زريق بعيد كل البعدعمّا يردد كثيرا من التغنّي بمآثر السلف والإشادة بفضل الأجداد، والاعتزاز العاطفي بالماضي المجيد والتاريخ الزاهر. فالدكتور يتطّلع دائما إلى صنع المستقبل عبر العقل والعلم ولكن بعد المعرفة الحقيقية للماضي. فيتساءل آنذاك، وسؤاله مازال في رأيي قائمأ: كم من بيننا من يعرف معرفة صحيحة من نحن، وكيف تكوّنا، وما هي حقيقة شخصيتنا وجوهر روحنا؟ كم من بيننا، بكلمة أخرى، من تفتّح في نفسه الوعي القومي الملتفت إلى الماضي؟17

أريد هنا أن أستطرد بعض الشيء. إن الملاحظة الأخيرة تتناول في رأيي بشكل خاص المثقفين العرب. أو بالأحرى تساؤل منّي إن كان هناك من مثقفين عرب؟ فمعظمنا (وأنا منهم) من المثقفين الغربيين الناطقين باللغة العربية لأن معظم مرجعياتنا الفكرية الفلسفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مرجعيات غربية. فعندما نتكلّم عن الحداثة والعقلنة والترشيد الاقتصادي وما إليه من أفكار تحدد معالم الحضارة الحالية نعود دائما إلى المراجع الغربية متجاهيلين عن قصد أو غير قصد تراثنا الفكري في الفلسفة والسياسية والاقتصاد والاجتماع والثقافة إلخ. الغزو الغربي لعقولنا وصل إلىى حد محو شخصيتنا العربية والكسل الفكري الذي يعمّنا يؤدي بنا إلى الذهاب إلى سوبرماركت الأفكار المعلّبة واستهلاكها في محيطنا العربي. على كل حال هذا موضوع مطروح للنقاش ولكن لا بد لي من الإقرار أن ما قاله الدكتور زريق في ذلك الأمر قبل سبعين سنة ما زال صحيحا ولا أدري لماذا يستمّر المثقفون العرب في تجاهل تلك الحقائق؟

عودة إلى مفهوم الوعي القومي عند الدكتور زريق فهو يدخل عاملا جديدا في تكوين ذلك الوعي. وذلك العامل الذي يتفاعل في الشخصية العربية هو الغرب. والغرب واقع لا يمكن تجاهله على حد قول الدكتور زريق فهو محيط بنا من جميع النواحي. ويعتقد أن معظم العرب لم يفهم الغرب بعد فهما صحيحا ولم يصل بإدراكه إلى لبّه، بل مازال مأخوذا بمظاهره الخارجية وأنواره الخلابة18. في الأدبيات المعاصرة قد نقول أن ثقافة الاستهلاك هو المستورد الأساسي من الغرب! غير أن ما يقصده الدكتور زريق هو النظام الاقتصادي الذي يقف وراء كافة المظاهر التي تجذب العرب. ذلك النظام الاقتصادي المتشابك الناتج عن الثورة الصناعية (وقد أضيف اليوم عن الثورة العلمية والمعلوماتية والمواصلات والاحتساب- اي ثورة العلم والمعرفة). إن الثورة الصناعية التي يتحدّث عنها هي تلك التي تستغّل الموارد الطبيعية ومواهب الإنسان وقابلية الآلة الحديثة في سبيل زيادة الإنتاج19. والمفارقة في رأيي أن العرب لم يباشروا إلا في حالات قليلة لبناء اقتصاد إنتاجي مثل الاقتصاد الغربي غير أن تمّ تدميره من الخارج (أقصد هنا مصر محمّد علي، ومصر عبدالناصر، وعراق صدّام، والجزائر في فترة هواري بومدين). فالاقتصاد العربي اقتصاد ريعي مع ما كل ما يرافقه من ثقافة تحدّ من الابداع والإنتاج وتفشي ثقافة الفساد. لقد بيّنت ذلك مؤخرا في ورقة20 أدعو فيها إلى مراجعة البنى الأساسية للفكر الاقتصادي العربي والأنماط والنماذج الاقتصادية القائمة التي لا توّلد إلا ثقافة الاستهلاك والإستدانة والانكشاف الخارجي واللجوء إلى الأمن المستورد وما يرافقة من فقدان السيادة والقرار المستقل.

المهم في كلام الدكتور الزريق هو تشديده على العلاقة بين العلم والاقتصاد. وبما أن ذلك الكلام يعود إلى آخر الثلاثينات من القرن الماضي فإن التوترات الاقتصادية العالمية آنذاك والناتجة عن الكساد الكبير أضحت بانتقادات نحو النظام الاقتصادي الرأسمالي. المهم في كل ذلك عند الدكتور زريق أن وراء اقتصاد الغرب، علم الغرب21. وما يقصد به هي الطريقة في التفكير، وذلك الأسلوب في التحليل الذي يثبت في العقل ويشيع في النفس عندما يعاني المرء التدريب العلمي الصحيح22. وأعتقد أن الدكتور زريق من القليلين إن لم يكن الوحيد من المنظّرين في القومية العربية الذي أدخل الاقتصاد في جوهر تفكيره. ذلك لأنه كان يعتقد، وهو محقّ في ذلك، أن الأمة العربية مازالت قيد التكوين وإن كانت عناصر التكوين موجودة في وجدان أبناء الأمة. فالمجهود المطلوب لتحقيق ذلك الهدف يعني أنه ليس هناك من حتمية ولا من أزلية لهذه الأمة إذا ما غاب المجهود في تكوينها. الأمة التي تستمدّ روحها من تاريخها بحاجة إلى بناء مستمر مبني على العلم. فالمصلحة تقضي بذلك والاقتصاد هو التعبير لتلك المصلحة.

يتبين لي من ذلك السرد السريع لأهم ملامح تحديده للوعي القومي أن ما قاله منذ سبعين سنة مازال ساريا المفعول مما يؤكد حداثة فكره. وبالتالي ليس من المستغرب أن يحتوي الخطاب القومي المعاصر في بداية الألفية الثالثة عن كثير ما جاء به الدكتور زريق منذ بدا

المزيد


التكامل بين الدين والقومية والصراع مع الطائفية

ديسمبر 11th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

taifia

 

 

 

التكامل بين الدين والقومية

والصراع مع الطائفية

 

 

عراق المطيري

 

 

من الأمور غير القابلة للجدل إن امتنا العربية مقسمة إلى مجموعة من الدول المستقلة عن بعضها في كافة الصعد وغير المستقلة عن النفوذ الأجنبي، ويحكم فيها حكام متباينو الأهواء والنزعات والطباع ودرجة الولاء للأجنبي ورغم إن الولايات المتحدة الأمريكية هي السيد الذي يفرض نفوذه في منطقتنا الآن إلا إن ولاءات أخرى تفرض نفسها على الحكام العرب لهذه الدولة أو تلك وبدرجات متفاوتة أيضا ولكنها غير بارزة إلى سطح الأحداث بشكل ينافس الولاء لأمريكا، وهيمنة أمريكا ليس على النظام الرسمي العربي فقط بل أخذت تنسحب إلى ما أصبحنا نتعارف على تسميته بمنظمات المجتمع المدني التي أصبحت بديلا للنقابات والمنظمات والاتحادات المهنية من خلال ما يقدم لها من دعم مادي ومعنوي أيضا وهذه المنظمات ولطبيعة عملها وساحات نفوذها تمتلك من سهولة التغلغل والانزلاق بين صفوف الجماهير فتنشر أفكار القائمين عليها أشخاصا أو منظمات أو دول وتحصل من خلال ما تنفق من أموال على من يساندها من بين بسطاء الناس الذين يعانون من الفقر والمعوز المادي والبطالة إضافة إلى افتقارهم إلى الثقافة المناسبة التي تحصنهم من الوقوع في شباك تلك المنظمات، وفي مثل هذه الظروف ليس من المستغرب أن تتغلب عوامل التفتيت والتفسخ فتسهل عملية التباعد بين الأقطار العربية ويسهل التباعد الأكثر خطورة، وهو التباعد بين أبناء الشعب الواحد وفق أسس عرقية أو طائفية.

إن امتنا اليوم تمر بمرحلة صراع ستكون نتائجه بالتأكيد حاسمة بين القوى الغربية التي تهيمن على مصادر القوة والسلطة في مجتمعاتنا وتقود حملات منظمة تشمل كل جوانب الحياة اليومية وبين القوى الوطنية والقومية التي تعمل على الحفاظ على الأمة بهويتها وصفاتها ومقومات وجودها، فالجبهة الأولى تدعم التجزئة والطائفية وتمزيق وتميع الولاء للوطن أو للقومية لصالح ولاءات أخرى غاية في الخطورة، وتحاول تثبيت نفسها كجرثومة خبيثة في جسد الأمة من خلال عملائها الذي ينتشرون في اغلب الأقطار العربية ويتظاهرون بالصراع الطائفي والتشبث بالبدع والخرافات التي تثير العواطف وتستجدي الشفقة وما طرحه القزم الأمريكي بوش اثر اعتداء جيشه الهمجي على العراق عام 2003 من إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط هو جزء من ذلك الصراع، حيث يعمل التحالف الأمريكي – الصهيوني – الفارسي على تحقيقه، وجبهة ثانية تمثل مشروع نهوض الأمة المتمسك بهويتها القومية ويحافظ على هويتها وخصوصيتها ويتفاعل مع الحضارة الإنسانية ويساهم في رفدها بما يطورها.

في مطلع خمسينات القرن الماضي كانت الولايات المتحدة تعمل على إحاطة الفكر الشيوعي المتمركز في الاتحاد السوفيتي السابق بجدار عازل يمنع تقدمه باتجاه مناطق الشرق الأوسط الدافئة بينما كانت الصين تغفو في عزلتها داخل سورها فعملت على إقامة تحالف سمي حينها بحلف بغداد

المزيد


الإستعمار والإستحمار

نوفمبر 26th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

chrt

 

الاستعمار والاستحمار

 

 

جميل قاسم     

 

 

   بنى الدكتور شريعتي جدلية الاستعمار والاستحمار على النقد الاجتماعي للاستعمار القديم والجديد. فالاستعمار هو الامبريالية التي تقوم على السيطرة على المستعمرات بغية التوسع على صعيد عالمي، من خلال فتح الاسواق لمنتجاتها الرأسمالية، ونهب موارد الشعوب، والمواد الخام النادرة على أنواعها، من الذهب الأصفر، والأبيض (الماس)، الى الذهب الأسود (النفط) وما يترتب على هذا الاستعمار في مرحلة دمج رأس المال الصناعي برأس المال المالي، في هدف السيطرة على المعمورة.  أما الاستحمار فهو الاستعمار ـ الجديد، القائم على السيطرة النفسية والروحية غير المباشرة على الشعوب والجماعات والأفراد في العالم. تقوم حركة التاريخ بنظر شريعتي على صراع يتجاذبه ـ رمزياً ـ هابيل ويمثله (الناس) او الشعب، وقابيل وتمثله السلطة بأبعادها الثلاثة القائمة على الاستغلال والاستعباد على طول (فرعون، قارون، بلعم بن باعورا) السلطة السياسية يمثلها ـ رمزياً ـ فرعون او الملك او الحاكم، والسلطة الاقتصادية ويمثلها قارون أو »المالك«. والسلطتان تستعينان بالسلطة الدينية (بلعم بن باعورا) وهو كناية عن كاهن البلاط.

وكما استعان ملوك المجتمعات القديمة بالكهنة والسحرة في استحمار الناس، واستعان القيصر بالقساوسة، وبالتجار (شيلوك الرأسمالي »تاجر البندقية« رمز الرأسمالية الربوية في العصر الوسيط)، فان الرأسمالية المعاصرة، تسخّر منطوق حضارة الاستهلاك للسيطرة على الفكر والوعي والارادة، من خلال عملية من الاستحمار النفساني بآلياتها الخفية، بحيث يقوم الطرف القابيلي (أو الأوليغارشي أي السلطة القائمة على المال والسياسة والدين) بتسخير الناس كالحمير، ومن هنا جاء معنى الاستحمار، وهي سيكولوجية نفسانية نجد لها في القرآن الكريم مثالا (كالحمار يحمل أسفاراً) ونجد لها في المأثور الشعبي حكايات جحا، وقراقوش، التي يستحمر فيها الحكام والملوك عامة الشعب بحيث لا نعد نعرف من يحمل من؟ الحمار أم الانسان؟ وكذلك قصة جبران خليل جبران عن »(حمار أنطاكية) الذي مر على الجسر ووجد النصب المكتوب عليها هذا ما بناه الملك الروماني فلان. فيقول الحمار: »كان الأحق ان يكتب هذا ما بناه »حمار انطاكية« بالأحرى!

والشعوب، والطبقات الدنيا، والمضطهدون والمستضعفون هم بمثابة »حمار أنطاكية« للقوى المالكة، والحاكمة، والمهيمنة والمشعوذة.

على هذا الأُس والأساس وجد شريعتي ان إشكاليات العصر الحديث ترتبط بصورة مباشرة او غير مباشرة بالاستعمار الحديث، وأن الآلية المحورية للاستعمار الحديث هي (الاستحمار) عينه أو الاستعمار ـ الجديد (السيكولوجي او التربوي، او الثقافي).

ما هي ماهية الاستحمار بنظر شريعتي؟

الاستحمار يعني تزييف ذهن الانسان ووعيه وشعوره وحرف الانسان عن ذاته ووعيه للوجود وغاياته، بما تنطوي عليه من شبكة من العلاقات بين الانسان والمجتمع، والانسان والطبيعة، والانسان والله.

إن عملية الزيف الذي يتعرض له الانسان، تجعل من العالم جاهلا لكونه يظن أنه »ختم العلم« لمجرد حصوله على الشهادة الأكاديمية، او الألقاب البارزة كالدكتور والمهندس والبروفسور… وثمة فرق ما بين المستوى الفكري والدرجة العلمية او الاكاديمية. فقد يكون الأستاذ او الفيلسوف او الصوفي الكبير، او الأديب او المؤرخ دون المستوى الفكري المطلوب، بالرغم من حصوله على أعلى المناصب والمراتب والألقاب البارزة. وثمة فرق ما بين العلم والفكر، او بكلمة أخرى العلم الحقيقي من العلم المزيف، العلم الأصل والعلم التكنوقراطي.

وبناء على ذلك يطرح شريعتي اشكالية العلم التقني، القائم على الصناعة، والرأسمال، والاستثمار، والعلم كطريقة تقوم على الإيمان، والعقيدة والالتزام بمصالح الشعوب المستضعفة. ويرى شريعتي ان المجتمعات التي انطلقت من مصالحها وهويتها، قد توصلت الى القدرة على تأكيد الذات والوصول الى مستوى الحضارة، لكن المجتمعات التي اقتدت بالحضارة الغربية بدون وعي اجتماعي، او شعور انساني بالوعي الفردي (والجماعي) وبدون عقيدة.. قامت على نهضة كاذبة، وظلت مسخرة للحضارة الغربية، خاضعة لدورتها الانتاجية، ومستهلكة لمنتجاتها على

المزيد


مشكلة الهوية في الفكر العربي المعاصر

نوفمبر 15th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

anaara

 

 

 

مشكلة الهوية

في الفكر العربي المعاصر

 

 

حامد خليل

 

إن الراصد غير المتعمق لما يجري في الساحة الثقافية والاجتماعية العربية الراهنة يصطدم بوجود وجهات نظر متباينة كثيرة حول مسألة الهوية، الأمر الذي يجعله يخال أنه في مواجهة هويات متعددة تشكّل كل واحدة منها فضاءً قائماً بذاته، لا رابط بينه وبين الفضاءات الأخرى. فهل يدفعنا ذلك إلى الاستنتاج بأننا نعاني أزمة هوية في الوطن العربي هي السبب في تدهور الحالة التي وصلنا إليها، أم أن فشل العرب في مواجهة التحديات الحقيقية الداخلية والخارجية الراهنة هو الذي أفضى إلى تذرر المجتمع العربي على النحو الذي يبدو فيه وكأنه مجتمعات ذات هويات مختلفة، وليس مجتمعاً تشكل الهوية لحمته وسداه؟‏

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد لي من الاعتراف بأن الفكر العربي المعاصر تتجاذبه الآن أنواع متعددة من الانتماء تشكل بمجملها ساحة صدام وصراع بين التيارات الأيديولوجية القائمة، الأمر الذي ينذر بخطر شديد يتهدد الجسم العربي، يصعب التنبؤ بمستقبله إن لم يتم تداركه قبل فوات الأوان.‏

فبسبب التركة الثقيلة التي خلّفها الاستعماران التركي والأوربي، انصبّ اهتمام المفكرين القوميين على إيقاظ صورة الماضي المدبجّة بوشم الانتصارات، فكانت النتيجة أن اصطبغت دعوتهم القومية بصبغة ما … تسمِّر عندها الفكر القومي منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة الراهنة إلا في حالات نادرة وفردية في كثير من الأحيان.‏

وعلى الرغم من أن التاريخ العربي لم يمتثل لأوامر ذلك الفكر، وسار باتجاه مغاير لإملاءاته، فإن الفكر القومي المذكور لم يتزحزح عن موقفه، ولم يقم بمراجعة نقدية له، وظل يعاند التاريخ مستغرقاً في تأملاته، ومستسلماً لنزعته الإرادوية.‏

فعوضاً عن النظر إلى الهوية على أنها صنعتها الأحداث التاريخية السالفة، مثلما تصنعها الآن، وستظل تصنعها في المستقبل، تصبح رسالة الأمة العربية عند أصحاب هذا الفكر إماطة اللثام عن ذلك الجوهر الذي حجبته عن وعينا تلك الأحداث، ولحقه من التشويه ما يستدعي القيام بحركة ثورية لاستعادته نقياً كما كان. (عفلق: في سبيل البعث ص160).‏

وبسبب هذه النزعة الميتافيزيقية لهذا الفكر، واستنساخه أحياناً لفكر الآخرين، فقد نظر إلى الأمة على أنها أمة متجانسة مكونة من أصل واحد، ومن ثقافة مشتركة واحدة، أما ما يبدو من فوارق قائمة بين أبنائها، فليس سوى فوارق عرضية زائفة تزول جميعها بيقظة الوجدان العربي (دستور حزب البعث) وقد أدى هذا الإنكار للتمايز إلى أن أصبحت فكرة التنكر للذاتية الثقافية للجماعات المختلفة المكونة للجماعة القومية الواحدة هي أساس الممارسة السياسية في الوطن العربي، الأمر الذي أفضى عملياً إلى بناء السياسة العربية على غش متبادل، أي على خدعة تعكس في الواقع جو الحرب الكامنة في كل صراع سياسي عميق الجذور.‏

(برهان غليون: المسألة الطائفية. ص8-9).‏

أما فيما يتعلق بمضمون عملية التوحيد القومي، فإن الفكر المذكور تجاهل واقعة التعدد والاختلاف في المجتمع العربي. إذ بدلاً من النظر إلى انقسام هذا المجتمع إلى قبائل وعشائر وجماعات إثنية وأديان ومذاهب وطوائف ومتحدات إقليمية مغلقة، وطبقات وفئات اجتماعية على أنه واقعة تاريخية يتعين البحث في عملية تجاوزها في إطار من الوحدة التي تقبل بالتنوع داخلها، تراه يكتفي بتوجيه الإدانات الأخلاقية لها، دون القيام بدراسة علمية دقيقة لعملية تشكلها، وكيفية تجاوزها.‏

وقد تحكمت بالفكر المذكور معضلة العلاقة بين العروبة والإسلام؛ متمثلة في الخلاف المستمر حول أيهما الذي يحمل الآخر، العروبة أم الاسلام، الأمر الذي جعلها قنبلة قابلة للانفجار في كل لحظة.‏

كذلك تحكمت بالفكر المذكور معضلة أخرى تتعلق بآلية التعامل مع الهوية القطرية، ومع الدولة القطرية كمؤسسة قادرة على البقاء بالرغم من المشاكل التي تواجهها والرفض المعلن لهما.‏

فقد غلبت السمة الدعائية على خطابه بهذا الشأن؛ حيث لم تزد الكتابات القومية عن التنديد بالدولة القطرية، وإدانتها باعتبارها كياناً مصطنعاً مأزوماً لا طاقة له على مواجهة أزمته خارج الإطار القومي العربي الشامل.‏

وإلى جانب هذا التيار تشكل شيئاً فشيئاً تيار آخر يجعل من القطرية هوية جديدة تحل محل الهوية القومية العربية، وترقى بالكيانات القائمة إلى مستوى الأمم. وقد ظهر هذا الفكر في كل من مصر ولبنان وتونس وعلى لسان مفكرين ذوي مكانة اجتماعية وثقافية مرموقتين، ويظهر من جديد في أقطار أخرى من الوطن العربي.‏

كذلك يوجد تيار ثالث مناقض للقومية، ولصالح هوية أكثر شمولاً لا حدود جغرافية لها هي الهوية الإسلامية. وقد بنى بعض أصحاب هذا التيار موقفهم على أساس عقيدي مؤداه أن القومية مقولة علمانية تناقض العقيدة والدين، وأن أواصر الجنس والأرض واللغة والمصالح المشتركة إنما هي عوائق حيوانية سخيفة، وأن الحضارة لم تكن يوماً عربية وإنما كانت إسلامية، ولم تكن يوماً قومية وإنما كانت عقيدية (سيد قطب)، بينما اعتبر البعض الآخر موقفهم على أساس أن النزعة القومية مصدرها الاستعمار الصليبي، وأن نصارى الشام هم الذين روجوا لها (د.يوسف القرضاوي). وقد بلغ التطرف عند بعضهم إلى حد اتهام الدعوة إلى القومية العربية بالكفر الصريح، واتهام كل من انتسب إلى حزب عقائدي، وكل من اعتنق فلسفة غير الإسلام بالتهمة نفسها (صالح سرية).‏

لكن يوجد داخل هذا التيار من يدعو إلى التعامل مع المنطقة كوحدة ذات مصالح وهوية مشتركة، ودفعها باتجاه تحقيق الوحدة العربية (راشد الفنوشي)، كما يوجد من يدعو إلى التوفيق بين العروبة والإسلام (د. حسن الترابي).‏

ويوجد تيار رابع يدعو أيضاً إلى الهوية نفسها، ولكن على أساس وحدة الطبقة في العالم، بدعوى أن الدعوة إلى هوية قومية، إنما هي دعوة شوفينية أطلقتها البورجوازيات الأوربية للحفاظ على مصالحها عبر الهيمنة على شعوبها، وتسويغ استعمارها للشعوب الأخرى، غير أنه تظهر دعوات جديدة بين الفينة والأخرى صريحة أحياناً وخجولة أحياناً أخرى لإعادة النظر بهذه المسألة.‏

ومجدداً، وبسبب التذرر المجتمعي الذي أشرت إليه قبل قليل بدأت تظهر في الساحة الثقافية العربية دعوات صريحة تتخذ من الإثنية العرقية أو اللغوية أو الدينية هوية جديدة لها، لكن الأخطر من كل ذلك أن التطورات التي حدثت على الساحتين العربية والعالمية، وخاصة بعد حرب الخليج الثانية وسقوط الاتحاد السوفييتي، بدأت تعزز حالة جديد من النظر إلى مسألة الهوية.‏

فاستجابة لفكرة التحول الذي حاولت الصهيونية إيهامنا بحدوثه في أيديولوجيتها، حاول بعض المثقفين العرب حرف تيار الثقافة العربية العريض عن مسارها، ودفعه باتجاه التخلي عن هويته القومية لصالح هوية أشمل هي ما أطلقوا عليه اسم الهوية الإقليمية أو الشرق أوسطية. وقد أسسوا مشروعهم هذا بالإعتماد على عدة ركائز؛ منها إيهامنا بأن ثمة اتجاهاً غالباً في إسرائيل يعمد إلى تقييم الصهيونية، عقيدة وفكراً وبناء وسلوكاً، برؤية نقدية تأخذ في اعتبارها المتغيرات الإقليمية والدولية بغية إعادة بلورتها شكلاً ومضموناً، بحيث تفضي إلى المشاركة في إنتاج هوية ثقافية لسوق إقليمية كبيرة.‏

وحتى لا نكون أقل تفهماً لروح العصر، فقد رأى أولئك المثقفون أنه يتعين علينا اتخاذ الموقف النقدي نفسه تجاه فكرنا السابق وتغيير هويتنا على هذا الأساس بأن نناقش باجتهادات مختلفة كيف نستعيد عافية العروبة وحيويتها في ضوء التجارب والمتغيرات معاً، وفي الوقت نفسه نشارك الآخرين بقوة في بلورة الهوية الثقافية للسوق الإقليمية الكبيرة في الشرق الأوسط (لطفي الخولي).‏

أما الركيزة الثانية فإنها تقوم على نبش كل ما هو سلبي في تاريخنا لإقناعنا بأن الهوية العربية التي ندعو إلى الت

المزيد


عقلنة الدولة في الوطن العربي

أكتوبر 6th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

3makal

 

مسوغات عقلنة الدولة في الوطن العربي

 

 

حسن أحمد الحجوي

 

 

  إن الأزمة التي تعيشها الدولة في الوطن العربي  هي أزمة مفهوم المضامين الجديدة للدولة في تفاعلاتها الطبيعية بين واقع السلطة وتجليات الفكر السياسي التقدمي كأدوات لبعث نهضة التحديث ودمقرطة المؤسسات لبناء دولة الحق والقانون، ومن ثم أصبح من الضروري الأكيد تولية الاهتمام لهذا الوضع السكوني لمعرفة أسبابه الموضوعية والبحث عن الحلول الناجعة والمشروعة لرد الاعتبار لشعوبنا العربية.

  من الخطأ الاعتقاد بأن أحدا لم يهتم بالبحث عن هذه الحلول بل إن الفكر السياسي العربي منذ بداية النهضة الفكرية والعلمية مرورا بتفجر الأفكار الثورية التقدمية نتيجة الهزات الاستعمارية ومخلفاتها الإيديولوجية، ثم عبر نكستي فلسطين وحرب الخليج وما خلقناه من تمزيق الإيديولوجية، ثم عبر نكستي فلسطين وحرب الخليج وما خلفتاه من تمزيق في الجسم العربي، أقول عبر ذلك كله انبعث الفكر العربي واتسع وتعمم على مستويات متعددة ومتباينة احتوته الصحف والمجلات والمؤلفات مما لم يعد خافيا على كل مثقف.

   لكن هذا الانبعاث حسب ما يراه عبد الله العروي لم يثمر شيئا، أو كما يراه فاضل الجمالي لم يوضع موضع التطبيق ليعرف أكان نجح أم أخفق.

  لاشك أن الدولة العربية قطعت مرحلة لا رجعة فيها في اقتباسها من الدولة الغربية لمظاهرها الهيكلية ومؤسساتها الجوهرية ذات الطابع  الديمقراطي، لكن ولاقتصار الدولة العربية على الأخذ بالهياكل والمؤسسات دون الأخذ بالمظاهر الثقافية والسلوكية للمجتمعات الغربية، وهو شيء طبيعي، فإنها أي الدولة العربية المعصرنة ما فتئت تنعت  بكونها مجرد جهاز مستعار دون نظرية، وبالتالي لا تكتمل فيها شروط الدولة الحديثة.

  حقا، فعندما نسبر غور الخطاب السياسي العربي نجده خطابا انتقائيا يفصل بين الديمقراطية كآليات لممارسة الحكم، يأخذ بها ويتبناها في معظم أشكالها، وبين الفكر الديمقراطي كفلسفة وكنظام اجتماعي سياسي غربي   لا يأخذ به ولا يتبناه إلا فيما لا يتعارض مع قيم المجتمعات العربية الإسلامية مثل مبدأ العلمانية في تنظيم شؤون الدولة والمجتمع على أسس الحرية في مظاهرها الجديدة -الإباحية- وفي مفاهيم تأليه العقل البشري كقيمة أولى.

  هنا تطرح إشكالية مفهوم الدولة في البلاد العربية حيث يذهب كثير من المهتمين بالسياسة العربية إلى أن مسألة تحرير الدولة و عقلنة السلطة، لا تزال تشكل لدى العرب قضية لم تعرف بعد طريقها إلى الحل إذ بالرغم من اعتناق الدولة العربية لمختلف المنظومات الغربية واستلهامها للدساتير الأوروبية كمؤشر لتبني الديمقراطية وأشباهها، فإن ذلك لم يكن أمرا اختياريا بين اختيارات أخرى بقدر ما هو صيرورة سياق فرضه الأمر الواقع.

  فبعيدا عن العوامل الخارجية التي قد ترهن الحريات في البلاد العربية وإحلال الديمقراطية فيها بالمعنى الحقيقي، فإن زمرة من المثقفين والمنظرين السياسيين العرب يعزون مسألة اللاعقلانية التي ترهن الدولة العربية، الى خصوصيات الفكر السياسي العربي وإلى مدى  قابلية أنظمة الحكم في البلاد العربية الى التطور والعقلنة والحداثة ضمن توجه ديمقراطي بالمعنى المعاصر، وهو ما يذهب إليها فاضل الجمالي.

[1] بقوله أن النهضة كعنصر مبني على التعميم تتلخص في نمو الفكر الإنساني والميل إلى اعتبار الفرد الإنسان، وهي أيضا نمو العقلانية والرجوع إلى العقل كحاكم أول، وتثبيت المعقولية، وهذا أساس كل حداثة، فلا حداثة حيث يغلب التقليد وكذلك لا حداثة حيث تفقد المعقولية.

  ذلك أن الدولة العربية ما فتئت تعاني من طغيان السلطة الفردية على سلطة القانون كصورة شرقية تقليدية بكل ما تنطوي عليه من إحلال لشخص الحاكم، حيث    يسود حكم رجال الدولة المبرزين ويؤثر على سير الحياة العامة اكثر مما يؤثر القانون.

  فالذهنية المبنية على حكم المزاج والرأي الفردي ما تزال هي السائدة في معظم الأقطار العربية، وبالرغم من تواجد التنظيمات والأجهزة ذات المعنى الحداثي، فإن عقلنة السلطة ما تزال المشكلة الضخمة الأولى وذلك لعدم تبني الديمقراطية  كنظام اجتماعي –ثقافي-سلوكا وممارسة.

إن المجتمع الغربي كثيرا ما عاب علينا أخذنا لهياكل  ومؤسسات الدولة الغربية اللائكية دون الأخذ بتطبيقاتها السياسية والسلوكية، وعدم الاهتمام بدور العقل وغياب المعقولية في الحكم، مما يرهن إشاعة المبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ومن ثم تكون الدولة العربية في نظر الفلسفة الغربية، رغم مظاهر عصرنتها، جهازا مستعارا دون نظرية، ويعني الغربيون بذلك ان الفكر العربي ما يزال يعادي الحقوق الفردية التي تأصل للحرية في معانيها الحديثة، وأنه يبعد دور العقل الإنساني المناهض للتقليد ولا يؤمن بفضائل العقلانية في تنظيم المجتمع، وإن كل ذلك متأصل عن الرجعية التيوقراطية المهيمنة على نظم الحكم في أغلب الدول العربية والإسلامية.

  فعلى هذه العناصر المتمثلة في دور العقل  الإنساني وكرامة الفرد وعقلانية المجتمع نريد أن نركز البحث لإبراز بعض النظريات التي لا تخلو - في رأينا -  من جدية وصواب  لتثبيت شخصية الدولة عند العرب وإنماء حظوظ استمراريتها في السير نحو الأحراز عن صفة دولة الحق والقانون. ولتحقيق طموحنا الى إنجاز العقلانية في شؤوننا، معرفة وسلوكا وحكما،  فينبغي أن تكتف الجهود من أجل القضاء على معوقات ما نتوخاه من إنجاز عقلنة الدولة في الوطن العربي على أسس قويمة لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

  نعم إذا ما استطعنا إرساء قواعد دولتنا العربية المعاصرة على الأسس القويمة التي ترضاها شعوبنا فإننا سنصبح مسلحين بما يمكننا من  الدفاع عن حوزتنا وإسكات صوت خصومنا. لكنه من المتحتم علينا ونحن نواجه مناوئينا ان نبرهن لهم على أن مجتمعنا قادر لأن يتحول إلى مجتمع علمي يقوم على انتهاج المعقولية في التفكير والسلوك، وعلى عقلانية التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالطبع حسب بنيات مناسبة لهويتنا وملائمة لتقاليدنا القومية.

  ولعمري أن عملا كهذا يستوجب تجنيد الطاقات وكل الظمائر الحية لفعاليتنا ذات القيمة الحقيقية من رجال الثقافة والعلم والتقنية، ومن رجال الدولة والقوى السياسية وفقا لمنهج يشترك فيه القادة في المجتمع، قادة الرأي وقادة العمل، وذلك حسب خطة تستوحي الحلول وتتحدى المعوقات.

  فهل هناك إذن من مسوغات ذاتية موضوعية لعقلنة الدولة في وطننا العربي؟

  إننا بالرجوع إلى أدبياتنا الإسلامية نجد أن دور العقل الإنساني وتكريم الفرد  وتثبيت المعقولية في المجتمع كلها مبادئ تزخر بها المؤلفات والمنشورات والخطابات السياسية العربية، بحيث باتت مبادئ مسلما بها ومستندا عليها في المطالبات السياسية والاجتماعية والثقافية  للشعوب العربية، وبديهي أن دور العقل في تكريم الفرد والجماعة لم يكن قط محل جدال من لدن الفكر الديني الإسلامي والرأي العام. فالنزوع إلى جدلية من هذا النوع بات من غير المفكر فيه، ذلك لأن  قيمة العقل في حياة الإنسان وتكريم الإنسان أفرادا وجماعات، أمر لا يتعارض مع ديننا الحنيف فلقد توجه القرآن الكريم  في العديد من آياته إلى الفرد كمخلوق مستخلف في الأرض مكرم ومعزز، وكثيرا ما سعى القرآن الكريم لهداية الإنسان وتوجيهه في السبيل السواء حاظا على الاعتماد على فطرته وحواسه وعقله عن طريق النظر والتأمل في الكون وفي النفس (سنريكم آياتنا في الآفاق وفي أنفسكم أفلا تبصرون) – (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأ

المزيد


الوطنية الحقيقية والوطنية المزيفة

أكتوبر 2nd, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

watani

 

 

الوطنية الحقيقية والوطنية الزائفة

 

 

 

نبيل ابراهيم

 

 

 

صرنا نسمع وبشكل يومي مصطلحات كثيرة مرتبطة بكلمة الوطنية, هذا وطني وذاك ليس وطنيا , هذا العمل او الفعل وطني وذاك ليس وطنيا , هذا الصوت وهذا القلم وطني وذاك ليس وطنيا…فمصطلح الوطنية اصبح يتداول ويعرف حسب مزاج  أي شخص وكيفما يرتأيه طبقا لما يريد ولما يتناسب مع المزاج والمصالح, فهناك على سبيل المثال من يعتبر خونة العراق وعملاء الاحتلال وطنيين .

للتعريف وللوقوف على مفهوم الوطنية علينا ان نقف بداية الامر عند مفهوم الوطن وتعريفه, فالوطن هو عبارة عن رقعة جغرافية  معينة لها حدود معروفة يعيش عليها مجموعة من البشرولهم تاريخ مشترك دون شرط الانتماء الى قومية واحدة   او ديانه واحدة او عرق واحد او لغة واحدة, يكون لهذه الرقعة الجغرافية اسم محدد ويكون له رمز و علم ونشيد خاص به و مؤسسات ونظام ودستور ويكتسب الافراد المنتمون الى هذه الرقعة الجنسية الخاصة بها .

اما المواطنة  فهي انتماء الانسان او الفرد الى هذه الرقعة الجغرافية المحددة (الوطن) واستقراره بها والحصول على الجنسية ويكون مشاركا باجهزة الدولة وخاضعا للقوانين السارية, وله حقوق وعليه واجبات .

من هنا نستطيع ان نستنتج مفهوم الوطنية فهي انتماء الفرد للرقعة الجغرافية التي يعيش بها وولاءه  المطلق لخدمة وطنه والاستعداد التام للتضحية بكل ما يملك في سبيل الدفاع عن وطنه وبايه وسيلة كانت. اذن فالوطنية هي مدى استعداد او تقبل الفرد او المواطن للتضحية {مادية او معنوية او جسدية} في سبيل الوطن بما يحتويه من افراد وممتلكات وعقائد وسيادة وكرامة, هذا يعني ان ليس كل من تملك جنسية بلد هو وطني , نعم هو مواطن لكنه ليس بالضرورة ان يكون وطنيا طالما ليس له الاستعداد او الرغبة بالتضحية في سبيل الوطن او حتى ليس له الولاء للوطن.

قد تيسائل احدكم هل للوطنية درجات ؟..اقول نعم وبكل تأكيد للوطنية درجات تعتمد في نوع ومقدار الولاء ودرجة الاستعداد للتضحية بما يملك الفرد في سبيل الوطن ,هناك من يضحي بروحه وبحياته في سبيل الوطن وهناك من يضحي بامواله لكنه ليس على استعداد للتضحية بروحه وهناك من يعتبر ان مجرد ادعائه بحبه لوطنه كاف لان يوصف بالوطني وهكذا, اذن لا نستطيع ان نساوي بين من يضحي بنفسه وبروحه في سبيل الوطن وبين من يدعي حبه للوطن….هذا لا يعني اننا نسقط او نشكك بمن لا يضحي بروحه من اجل وطنه هناك الملايين من ابناء الوطن الواحد يحبون وطنهم لكن كم من هؤلاء الملايين مستعدة للتضحية بارواحها في سبيل الوطن؟ وكم من هؤلاء مستعد لان يبذل ويضحي,  اذا فأن اعلى درجات الوطنية تمنح لمن يقدم اغلى ما يملك في سبيل الوطن وهكذا تأتي الدرجات المتعاقبة والمتتالية لمقدار الوطنية مقرونة بمقدار الاستعداد للعطاء وللتضحية.

هل للوطنية مفاهيم ومقاييس مختلفة في زمن الحرب عن ما هو عليه في زمن السلم؟

بالتاكيد هناك مقاييس للوطنية تختلف عن بعضها البعض في زمني الحرب والسلم…ففي زمن السلم ليس مطلوبا من المواطن ان يضحي بروحه من اجل الوطن , فلا حرب ولا تهديد للوطن ,اذن كل ما هو مطلوب من المواطن ان يكون وطنيا هو خدمة الوطن في مجال عمله وتخصصه , فكلما ابدع المواطن بعمله وخدم من خلال عمله وطنه وافراد شعبه يكون قد صعد مراتب في سلم الوطنية ,هنا الانجاز يعتبر اكثر ما يمكن ان يقدم للوطن وللمواطن فالعالم المبدع والطبيب والمهندس  وحتى الرياضي وحتى ابسط الموظفين  كلما انجزوا وانتجوا ابداعا يكونون قد خدموا الوطن, فلا نستطيع ان نساوي مثلا المرتشي او السارق بمن خدم بلده من خلال انجاز معين …هنا يعتبر المرتشي او السارق قد ارتكب فعلا او عملا مشينا اساء للوطن وبالتالي يكون قد خان الوطن.

اما في زمن الحرب فالامر مختلف تماما لان الوطن والمواطن في حالة خطر حقيقي يجب الدفاع عنه بكل السبل , نعم  واجب الدفاع عن البلد هو من مسؤولية الجيش لكن الجيش وحده دون مساندة باقي مكونات الشعب لا تكفي خصوصا اذا ما تعرض الوطن للاحتلال فهنا واجب على كل افراد الوطن ان يلتحقوا بالجيش او باي تنظيم من شانه الدفاع عن حرية وكرامة البلد الى حين زوال الاحتلال. وعلى ذكر الخيانة في زمن الحرب , فليس كل من تعامل مع العدو بشكل

المزيد


رسالة الى العقيد المعقّد معمّر القذافي

سبتمبر 27th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

122251

 

 

 

رسالة الى العقيد المعقّد

معمّر القذافي 

 

 

د. عبد الصاحب اللامي / العراق - العمارة

 

 

 

أود أن أوضح  لأخواني  القراء الأعزاء  أن الموضوع الذي أمامكم  (إفادتي ورسالتي)  هو بمثابة رسالة  حقيقية مني  كعراقي عشت  في إيران وشاهدت  فيها العجب نتيجة ارتكابي لخطأ كبير جعل من ضميري أن  يعاني  بعد احتلال الوطن , الندم واللوم والألم  تجاه وطني وشعبي وأمتي  ,  إفادة ورسالة أوجهها  إلى كل  من سيقرؤها لأضع  مسؤولية الشعب العراقي أمانة  الله والتاريخ والآمة في عنقه , أرسلها إلى شعبي الحنون العطوف الصابر  أبو الغيرة على أمته , ومنه  إلى الأخوان ( العقيد معمر ألقذافي  والحكام العرب وجامعتهم العربية ) متمنيا  أن يطلعوا عليها عسى أن يستفاد  كل من سيادة (الرئيس أو القائد  أو جلالة الملك المعظم أو سمو الأمير أو سعادة المعالي أو  دولة الوزراء)  بحرف واحد  منها , والأكثر  إن استفادوا  منها ولو بكلمة .

 ابتدئ بإفادتي هذه لأضع أمام  أنظاركم مقدمة لنبذة مختصرة عن حياتي الاجتماعية كي لا اتهم  بأنني من حزب البعث أو  من الطائفة الفلانية أو من القومية كذا  , والسبب لأنني خنت ضميري الذي بدا يعذبني ليلا ونهارا , مما جعلني  ونتيجة العذاب الذي لازمني طيلة  ( 16) سنة  أن اصرخ صرخة الحق لإرضاء ( الله ) ( عزوجل ) أولا ولوطني المنكوب ثانيا  ولضميري المتعب المعذب طيلة سنين وسنين  ثالثا , ولأكسر الطوق الذي قيد رقبتي  وجعل من حياتي مُرةّ  ومُرةّ لانتزع الصمت الجاثم في  صدري  بعد أن  شاهدت وتطعمت العجب والعجب  سواء كان في  العراق أو خارجه , ظاهرا حقيقة الحق لمن يحب الحق , والباطل لمن يحب ويشتري الباطل  .

إني مواطن عراقي من محافظة العمارة ومن عشيرة( بني لام ) العربية المعروفة بمكانتها العشائرية والاجتماعية  والمرموق بيرقها  بين عشائر عموم العراق بصورة عامة وفي العمارة  وضواحيها بصورة خاصة  لما عرف  عنها في أصالة النسب و الكرم والضيافة والشجاعة والمحافظة على تقاليدها وعاداتها العربية  . خريج كلية الآداب  جامعة بغداد لسنة ( ؟)  قسم (اللغات ) .لست بعثيا طيلة حياتي الدراسية ولغاية يومي هذا   ,كنت اكره البعث لأنني اكره ( صدام حسين ) وكنت من اشد  المعارضين  له ولسياسته ولا اعرف السبب  , ومن شدة كرهي له انتميت لحزب  كان له وجود  ونشاط في الجنوب ومعروف ب ( المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ) . في سنة (1991) أي بعد أحداث ما  كنا نسميها ( الانتفاضة الشعبانية ) صدر لي أمر من  المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالسفر إلى إيران لأنظم إلى (فيلق بدر/9) بقيت هناك لمدة سبعة سنوات عجاف ثم عدت إلى العراق والى محافظتي سرا بقيت اخفي نفسي هنا وهناك ثم عدت إلى إيران مرة أخرى  .

أقولها للعالم وللعراقيين  وللحكام العرب جميعهم وخاصة للأخ العقيد ( معمر ألقذافي ) بأنني عندما كنت في إيران شاهدت العجب من المسئولين الإيرانيين و مسؤلينا في  المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وبجناحه العسكري فيلق  (بدر/9 ) من خلال اجتماعاتنا  ومحاضراتنا ألأسبوعية معهم . إن المحاضرات التي تلقى علينا معروفة  لدى الجميع من  منتسبي  (فيلق بدر/9 ) ألا وهي محاضرات عن  (إيران والعرب)  و(الحرب النفسية) و(التشيع في الفكر الخميني ) و(منهج  الثورة الخمينية وأساليب تصديره  لدول الخليج الفارسي ) و ( التوابين  ) وهناك محاضرات سياسية عن ( سياسة الثورة الخمينية  الخارجية مع الدول العربية ) , ومحاضرات عن الأحزاب الإيرانية مثل ( الترابط الفكري بين حزب الله والدعوة والمجلس الأعلى  بالمنهج الخميني ) و(الشيعية والتشيع  في لبنان والبحرين والكويت والسعودية والعراق  ) و( السعودية هدف إيران في النفوذات  والتشيع الفارسي ) و ( الخليج الفارسي فارسيا ) , وأغلبيتها ذات طابع عدائي للعرب, وهادفة لسيطرة  إيران على الدول العربية  ,  وهناك محاضرات عن كيفية تكوين  بدع الحقد والكراهية بين  الحكام العرب من قبل النظام الإيراني  .

من خلال المحاضرات تلك  نسمع دائما  ومن أغلبية المسئولين الإيرانيين ومسئولي حزبنا آنذاك ( المجلس الأعلى للثورة الإسلامية )  أن الأسلحة التي كانت تعطى  لإيران من قبل بعض  الحكام  العرب تخلق منها  إيران  العداء بين الأنظمة  العربية . ومثال على ذلك  كنت في احدى المحاضرات التي عقدت في معسكر (بوشهر) حيث حضر في وقتها  ( رافسنجاني ) وتطرق إلى كيفية  تزويد ليبيا  لإيران بصواريخ ( ارض- ارض ) في زمن الحرب العراقية الإيرانية  , وقال بالحرف الواحد استطعنا في وقتها آنذاك  وبهذا السلاح ويقصد صواريخ ( ارض- ارض ) أن نخلق العداء بين النظامين العراقي والليبي , فأجابه احد الحضور كيف تم ذلك والنظام العراقي لم يعرف هذا السلاح من ليبيا , فضحك ( رافسنجاني ) وقال هناك أمور تخص المخابرات الإيرانية وبطرق  فنية خاصة لمهندسي وحدة الصواريخ (ارض – ارض) حيث قاموا وبجهدهم الفني  لعدد من الصواريخ التي ضربت  بها آنذاك ( بغداد ) لم تنفجر, وبهذا الأسلوب أعطينا إشارة للنظام العراقي بان الصواريخ ( ارض –ارض ) التي نضرب عاصمتكم  بها هي ليبية  وفعلا بدا النظام العراقي آنذاك بعد أن  اكتشف خبراءه بفضح حكومة ليبيا وبهذا  الأسلوب ألمخابراتي استطعنا  للوصول إلى تحقيق الهدف .

وقبل احتلال العراق بشهر تم الاجتماع بنا من قبل  بعض المسئولين الإيرانيين ومسؤليين من (حزب الدعوة  والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية) وكان حاضرا في هذا  الاجتماع آنذاك ( محمد باقر الحكيم ) و ( هادي العامري ) عن حزب المجلس الأعلى  و ( موفق شاهبوري ) المعروف اليوم ( موفق الربيعي ) و(قائد فيلق القدس الإيراني ومسئول جهاز الاطلاعات)  آنذاك . حيث تم  تبليغ فيلق بدر/9 بالواجبات والمهام   حال دخول القوات الأميركية من جنوب العراق , وما هو دور ه أي ( فيلق بدر/9 ) وفيلق  القدس الإيراني ودور الأحزاب التي نشأت والموالية لإيران  في مساندة وإسناد  القوات الأميركية  , حيث صدرت  أوامر  لمنتسبي  فيلق بدر /9 وجميع  الأحزاب الشيعية التي كانت في  إيران  بعد دخول القوات الأميركية من الجنوب عن طريق الكويت البصرة ثم وصولها إلى  بغداد , باتخاذ الإجراءات التالية وهي  (سرقة  جميع ما موجود من عتاد في   مخازن العتاد وجميع الأسلحة الصالحة والعاطلة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وتفكيك الطائرات الحربية والسمتية  ونقلها فورا إلى إيران عن طريق الشلامجة والفكه , ثم التوجه إلى جميع المصارف والبنوك الحكومية وسرقتها مع سجلاتها وأجهزة حواسيبها , وتفكيك جميع  المعامل والمصانع الحكومية ونقلها في سيارات خاصة والتوجه  بها أيضا  إلى إيران .. ثم اصدر لنا أمر بحرق جميع الدوائر الحكومية وخاصة دوائر الأحوال المدنية  ونقل سجلاتها القديمة وخاصة ( 1957) مع أجهزة حواسيبها ) .

 وفعلا تم تخصيص زمر  لتلك الواجبات  من قبل ( الإيرانيين والأحزاب الشيعية الإيرانية , الدعوة , والمجلس الأعلى , وحزب الله , وغيرهم )  حيث  تم تنظيمنا  على شكل مفارز أطلق عليها  ( مفارز الخمس المشتركة )  , ثم صدر لنا أمر بإحراق جميع الجداريات وصور صدام حسين من على الشوارع والدوائر , وقتل كل من يحمل السلاح ويرتدي الملابس العسكرية الخاصة بالجيش العراقي وبدون استثناء مراتب  وضباط وقادة وطيارين  , ثم بلغنا  بعد استقرار الوضع  بعد احتلال بغداد  , أن يقوم حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة  الإسلامية بإصدار  قوائم إلى  فيلق بدر باغتيال  كل بعثي في كل منطقة وقرية وناحية وقضاء ومدينة وفي جميع المحافظات الجنوبية ثم الانتقال إلى بغداد  ..

أقولها لأبناء العراق  والأمة  وبأمانة عندما سمعت هذا الأوامر فوجئت بصدمة قوية ولكنني  لااستطيع أن أقوله لأحد إن هذا الأمر خطأ خوفا على نفسي!  . وبعد احتلال العراق دخلنا  عن طريق الشلامجة وذهبت سرا لمقابلة عائلتي في العمارة ثم  هربت فورا  إلى دار احد أقربائي في بغداد ( المشتل ) وبقيت هناك فترة من الزمن تزوجت  بعدها من  إحدى قريباتي  .. فشاهدت العجب  بعد احتلال العراق وخاصة من حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يقوده الحكيم  و فيلق بدر وغيرها من  الأحزاب التي كانت في إيران وهي تقتل وتغتصب شرف العراقيات والعراقيين   وتسرق وتحرق وتخلق الفتنة والكراهية  في محافظاتنا الجنوبية وبغداد , بحيث وصل  الحد بها أن تتقاتل هذه الأحزاب التي جاءت من إيران  فيما بينها  وتقتل الأبرياء والسبب في كل هذا وذاك هو استحواذها على  المناصب والدوائر وسرقة المال العام  ,وان أكثر اقتتالها بسبب النفط  الذي يسرق ويهرب إلى إيران وبعض دول الخليج وبعض الشركات التجارية الأهلية  على حساب الأحزاب ورؤساءها  وخاصة من النفط ومشتقاته من شركة نفط الجنوب , إضافة لموارد مصلحة  الموانئ العراقية   .

فاستغفرت ربي وطلبت التوبة بالرغم من إنني لم أنفذ أي أمر صدر لي , ولكن  أقولها لكم أيها الإخوة والحكام العرب لقد بات  ضميري يعذبني للسنوات التي مضت والسنوات التي احتل بها الوطن  , وأنا تحت ظلم أحزاب إيرانية  لأتعرف الله ولا الدين ولا الإنسانية وخاصة  بعد أن اعدم الرئيس العراقي ( صدام حسين ) أكلني الندم والندم . واليوم جئتكم   لأقول كلمة الحق لأبناء العراق والعرب , إن استشهاد ( صدام حسين ) (رحمة الله عليه )استفز مشاعري الوطنية لأنني أحسست وبصدق  أن صدام حسين كان محق بكل من يعادي العرب , وكان على حق في حربه مع  إيران , وكان على حق عندما وصف إيران بالدولة المجوسية , وكان على حق عندما وصف الأحزاب التي عملت في إيران بالأحزاب الصفوية وكان على حق عندما يكره عملاء إيران وخاصة عصابات ا

المزيد


العقل الأمريكي وتخييل القوّة

سبتمبر 16th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , مقالات

 

631boo

 

 

العقل الأمريكي

وتخييل القوة

 

 

 

سعد سلوم

 

 

نسخة التاريخ الهوليودية

 

هل بات العقل السياسي الأمريكي يحصن حضارته من عوارض التفسخ والانهيار ويؤمن بأنه أمسك سر البقاء والدوام ويأخذ يتحكم بالتاريخ، بعد أن بات يتلاعب بالمعرفة التي يصفها فرنسيس بيكون بأنها في حد ذاتها قوة (سلطة)، وهذه هي العبارة ذاتها التي يضعها ألفن توفلر على صدر كتابه (تحول السلطة). وكما يشيد الكاتب الصحفي ستيوارت آلسوب، المعرفة هي القوة والقوة أغلى سلعة في الحكومة، ولهذا فإن كل من يعرف الأسرار يهيمن على المعرفة وبالتالي يمتلك زمام القوة.

 

ولكن العقل السياسي الأمريكي ينطلق من زاوية أوسع بإحكامه المنطق الجدلي وإخراجه هوليوديا على أحسن ما تكون عليه التأثيرات البصرية (صناعة الأفلام)، التي هي تعبير مخفف لـ (فبركة الحقيقة) ما دام جانب مهم (بل الأهم) منها يتطابق مع هدف (صناعة الأزمات والحروب) سينمائيا وزرعها في عقول المتلقين قبل تحققها بمعجزة في الواقع! وذلك مصداقا للعبارة الشهيرة (السياسة الأمريكية تصنع في هوليود وليس في واشنطن)، وبات واضحا سيادة هذا امتزاج بين الواقع والخيال واختفت الحدود الفاصلة بين الممكن والمستحيل في غزوة أنبياء هوليود لمراكز صنع القرار في واشنطن مثال (رونالد ريغان) فخشبة المسرح واحدة وكل ما يحدث في العالم مختلق والحروب ليست سوى خيال ينعكس على شاشات الفضائيات والحقيقة لا تحدث سوى في الكتب، وكدست الأساطير المؤسسة للعقل السياسي الأمريكي وقننت في إخراج هوليوود للتاريخ، بالنظر إليه من أمام! أي استباقه تخيلا، ثم الشروع بنقل الخيال إلى أرض الواقع وتصديره حربا وأزمات وخرائط طريق، أي بإعادة إنتاجه على مستوى آخر، عبر امحاء كامل لنمو طبيعي للمنطق الفطري للأشياء، وما كان على المفكرين سوى الانسياق وراء ذات الحمى، لذا أمسك هنتنغتون عدسة الكاميرا وأخرج نظريته عن صدام الحضارات بطريقة سينمائية مثيرة، فنراه يضع سيناريو لحرب عالمية تندلع بشكل درامي بسبب قيام الصين بمهاجمة فيتنام بسبب حقول النفط فتستنجد الأخيرة بالولايات المتحدة! وتهاجم الهند باكستان فتثار الجماعات الإسلامية في العالم، فتقوم بمهاجمة إسرائيل، حينها يتدخل حلف شمال الأطلسي، وتدعم إيران البوسنة، وتحصل الجزائر على قنبلة ذرية وتفجرها… الخ، ولا يتعدى هذا السيناريو لدى المراقبين سوى لوحة من لوحات الرعب في حين يعده آخرون من باب أفلام الفيديو! تلك هي طريقة الوسترن للحصول على صك الشهرة، لذا جاء هيجلي مزيف..الخ، مثل (فوكوياما) وفوكوياما ياباني لا يشعر بأزمة هوية لأنه أمريكي؟! وهو هيجلي مزيف لأنه أخذ مثالية هيجل دون جدله جاء ليحدث نوعا من الصناعة لـ (نهاية التاريخ).

 

والحديث عن نهاية التاريخ ليس جديدا فقد سبق لهيجل أن أشار إليه عندما أعلن بأن التاريخ قد أنهى تحققه ووصل محطته الأخيرة عند نقطة تشييد الدولة البروسية، إلا أن إعلان فوكوياما يأخذ طابعا آخر ويتغذى من غرور مختلف، وما هو سوى إعلان آيديولوجي آخر يرى العالم من خلال تصوره وأوهامه، أي من خلال آيديولوجيته بالتحديد، وهذا شكل من أشكال التفكير الآيديولوجي يقفل التاريخ ويتغاضى عن أن العالم متغير وتتغير تبعا لذلك صورته في الذهن البشري ويعلن أن نموذجه هو التطور العقائدي الأخير للجنس البشري وبزواله يزول الإنسان على الأرض وهي الرؤية التي يعاد إنتاجها مرارا وتكرارا في السينما الهوليودية المأخوذة بهوس النهايات، ولكنه من جانب آخر يعبر ثقة العقل السياسي الأمريكي وآيدولوجيته التعبوية بكونه لم يعد يخضع للقوانين التاريخية، بل هو من يقوم بوضع مثل هذه القوانين وإنه لم يعد مقيدا بقوة عالية على التاريخ، بل يمثل أمة صانعة للتاريخ (النسخة الهوليودية من التاريخ) أي ما وراء التاريخ، وإنه أول من يدخل القرن الجديد ويرسم مسرحه، إنه يمثل الأمة التي تصنع المستقبل، مصنع ما هو قادم، باختصار إنه يمثل الأمة السوبرمانية ويعد تتويجا عمليا لأفكار الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه.

 

الأمة السوبرمانية الأولى في التاريخ

 

نعم، إنها الأمة التي تعبر عن السوبرمان (الإنسان الأعلى والسيد المتفوق) الذي لا يخضع للعالم ولا لقوانين التاريخ بل يمنح الحياة في كل عصر قيمتها الخاصة، وهؤلاء الأقوياء السوبرمانيون (أنظر حلبات المصارعة الأمريكية) وحدهم ضمان المستقبل وهم وحدهم المسؤولون عن الإنسانية بأسرها (أنظر النسخ الهوليودية من السوبرمان الكارتوني صانع القيم ومنقذ البشرية).

 

إن وثنية نيتشه هي وثنيه يعاد إنتاجها داخل العقل السياسي الأمريكي بحسبانها وثنية الإنسان الأمريكي المحارب الأمريكي المتفوق الأعلى، فالفكر الحر عنف، والعنف أداة تجاوز، والفكر السليم (ذو النتائج البرجماتية) هو إذن فكر القوة وإرادة القوة.

 

والفلسفة البرجماتية من بيرس إلى وليم جيمس ترفع من شأن نتائج الأفكار ولا تلقي بالا لصحتها من عدمها، لذا تعامل الخرافات والأساطير معاملة الحقائق الثابتة ما دامت تحافظ على كيان الأمة، وإن الخرافة (قد تكون خيرا ما دامت الحياة يصلح بها وصلاح الحياة خير من استقامة المنطق الصحيح إذا كانت الحياة تصلحها الخرافة أكثر مما يقومها المنطق القياسي) حسب قول المفكر الأمريكي من أصل أسباني (جورج سانتيانا)، ويصدق ذلك على السياسة أكثر من أي مضمار آخر حيث يذهب كيسنجر إلى أن (رجل السياسة يحكم على الأفكار انطلاقا من فائدتها وليس من صدقها) (1)، لذا فالأفكار المروجة للقوة ولأسطورة الأمة المتفوقة ولخرافة نهاية التاريخ تأخذ طابع الخير الأسمى ما دام صلاح الأمة الأمريكية هدفها. ولا يفوتنا في هذا الصدد أن نميز بأن كل ما يصرح به ويعلنه ويقوله ويكتبه منظرو القوة ومؤيدوها وأنبياءها الجدد ما هو إلا تنويعات وإعادة صياغة لبصيرة زرادشت نبي نيتشه (أحبوا السلم، ولكن اتخذوا السلم مطية جديدة (…..)، تقولون أن قضية الخير تسوغ الحرب وأنا أقول لكم أن الخير في الحرب وأن الحرب تسوغ كل خير.. لقد حققت الحرب لا حب القريب ولا الإحسان الأمور العظام، فأملأ أيها الإنسان حياتك بالخطر، وشيد مدنك على مقربة من البركان، وأبعث سفنك إلى البحار المجهولة، عش شجاعا، عش في حرب دائمة…)

 

وهكذا فإن الأمة السوبرمانية الأولى في التاريخ باتت هي التي تحدد نظام القيم الذي ينبغي أن تستجيب له البشرية، وصيغة (من ليس معنا فهو ضدنا) التي أطلقها جورج دبليو بوش في أعقاب أحداث 11 من أيلول 2001، هي صيغة صادرة عن مصدر قوة صانع القيم التي تحرك المجتمع الدولي والتي ما على الآخرين سوى إتباعها، وهذه الفكرة مطروحة بقوة لدى (ليوشتراوس) الذي يمثل الخلفية الفلسفية لتيار اليمين الجديد في الولايات المتحدة في تصوره عن النبي الفيلسوف الذي هو صيغة أخرى للسوبرمان النيتشوي.

 

المملكة السرية للفلاسفة

 

فلدى شتراوس (1988 - 1973) تصور قوي عن نمط خارق من الرجال يسميهم الأنبياء الفلاسفة، وهؤلاء يعرفون جيدا أي نوع من الدواء تحتاج أزمتهم وهم مستعدون وقادرون على توفيره في صورة أسطورة مجيدة أو كذبة نبيلة أو زيف ورع (2) حتى وإن كانت من قبيل أسطورة العولمة أو كذبة نظام دولي جديد أو زيف الحفاظ على حقوق الإنسان.

 

وهكذا يرتسم النبي الفيلسوف بوصفه (منقذ البشرية) بل هو المسيح الجديد الذي يمكننا عقلانيا أن نتوقعه (حسب تعبير شت

المزيد


التالي



إن أمام التحالف الذي يجمع الغرب المسيحي واليهودية الصهيونية والشيوعية الإلحادية والعنصرية الفارسية المتسترة بالإسلام تنكشف الهوية الحقيقية العميقة للمعركة التي يخوضها عراق البعث والتي نقلت النهضة العربية من مواقع الدفاع الى مواقع الهجوم

القائد المؤسس

أحمد ميشيل عفلق