نحو تطوير المعرفة التاريخية في الوطن العربي

أكتوبر 1st, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

 

نحو تطوير المعرفة التاريخية في الوطن العربي

 

عبد العزيز العلوي الأمـراني

 

ما يزال المؤرخ العربي في الكثير من الأقطار العربية أسير برجه العاجي حبيس كتبه وسجلاته، يمارس كتابة التاريخ وفق نمط تقليدي قائم على سرد الوقائع وجمعها في مصنفات ومجلدات، تظل في الغالب الأعم حبيسة الرفوف ونادرا ما تقرأ.فالمتصفح للكتابة التاريخية العربية سواء أكانت كتبا منشورة، أو الأبحاث والدراسات الجامعية يلاحظ –ودن كبير عناء – أن الكتابة التاريخية العربية ما تزال حبيسة الرؤية التقليدية للتاريخ موضوعا ومنهجا، على الرغم من الدعوات التجديدية التي تظهر من حين لأخر هنا وهناك.

لقد آن الأوان، ليخرج المؤرخون العرب من أبراجهم العاجية ويطلون على مشكلات الحاضر كمنطلق للبحث والتفكير في الماضي بغية المساهمة الفعلية في إيجاد حلول للمشكلات التي يحبل بها الواقع العربي. إنها دعوة صريحة إلى كل المهتمين بالكتابة التاريخية في الوطن العربي لتجاوز التاريخ السردي، والعمل على تأسيس تاريخ نقدي /إشكالي يبحث في المشكلات الراهنة للمجتمع اعتمادا على مقاربة علمية ونقدية لا ترى في دراسة الماضي هدفا  في حد ذاته. بل مدخلا لفهم أفضل لمشكلات الحاضر، وأداة لا عادة بناء  علاقة جديدة مع الزمن التاريخي. ولذلك فهذه الدراسة تحاول تقديم إطار نظري ومرجعي لكل المهتمين بالتاريخ في الوطن العربي لكتابة تاريخ نقدي /إشكالي، بدءا ببدايات ظهور هذا التوجه الجديد في أوربا، والأسس  الإبيستيمولوجية والمنهجية التي يقوم عليها.   

أصول التاريخ الجديد القطيعة مع الاتجاه التقليدي في الكتابة التاريخية

مر مفهوم التاريخ بمراحل كبرى، شأنه في ذلك شأن أي معرفة إنسانية، تتطور و تتغير مع تطور حياة الإنسان. ومع حلول القرن التاسع عشر الميلادي،وبفعل التحولات الاقتصادية و الاجتماعية والفكرية التي شهدتا أوربا على وجه الخصوص في هذا القرن، اندفع الكثير من المؤرخين وفلاسفة التاريخ إلى التفكير في مفهوم التاريخ، فظهرت تفاسير جديدة للتاريخ الذي توسع مفهومه وأصبح أكثر شمولية، بعدما كان محدود النظرة والمنهج، يهتم فقط بسرد الأخبـار والوقائع السابقة. وعليه فـقد بدأت مناهج  البحث التاريخي  تتطور وتتقدم نحو المزيد من العلمية والمنهجية في كثير من الجامعات الأوربية، كما ظهـرت مدارس واتجاهات تاريخية متعددة لعل أهمها المدرسة الوثائقية1 التي تأثر روادها بالفلسفة الوضعية التي سادت أوربا خلال القرن 19م. فقد دعا رواد هذه المدرسة التاريخية  إلى ضرورة اعتماد الوثيقة في كتابة التاريخ. فالتاريخ يصنع بالوثائق، ولا تاريخ بدون وثيقة كما قال مؤرخي هذه المدرسة  لانجلو  وسينوبوس2.

   ومع مطلع القرن العشرين، أصبحت  المدرسة الوثائقية عرضة لكثير من الانتقادات الشديدة من قبل جيل جديد من المؤرخين الشباب في فرنسا على وجه الخصوص أمثال لو سيان فيفر ومارك بلوك، الذين نفخا روحا جديدة في الدراسات التاريخية. حيث استغلوا مجلة  التركيب التاريخي (la revue de synthèses historique  ) لتوجيه  انتقادات شديدة للوضعانيين، الذين ركزوا في كتابة التاريخ على الوثيقة التاريخية بمفهومها الضيق،ونادوا بضـرورة انفتاح الدراسـات التاريخية على العلوم الأخرى.وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الفرنسي لوسيان فيفر:  "سيساهم في كتابة التاريخ  اللغـوي والأديب والجغرافي  والقانوني  والطبيب وعالم الأجناس والخبير بمنطق العلوم…الخ " 3.

ومع انفتاح التاريخ على العلوم الأخرى، سواء الإنسانية منها أو الدقيقة، تمكن المؤرخون من التزود بأدوات بحث جديدة جعلتهم يعيدون النظر في كثير من الوقائع التاريخية، ويطرحون  أسئلة جديدة ومشكلات تاريخية لم تكن إلى عهد قـريب في متناول المشتغلين بالتاريخ. لقد نظر الثنائي لوسيان فيفر ومارك بلوك إلى الكتابة التاريخية على أنها طرح للمشكلات الكبرى للإنسان (Histoire-Problemes) في  سياق  الزمن التاريخي الطويل، وذلك بنية إخراج الكتابة التاريخية من نمطية الحدث السياسي والوقائع الضيقة4.حيث لم يهتم المؤرخون سوى بكل ما له ارتباط بالأحداث العسكرية من حروب ومعارك وتواريخ قيام الدول وسقوطها.

ومع ظهور مدرسة الحوليات مع بداية النصف الأول من القرن العشرين بفرنسا، وتأسيس مجلة الحوليات (les Annales  ) سنة 1929. ستـأخذ الكتـابة التاريخية أبعادا جديدة سوسيولوجية و لسانية وجغرافية و ديموغرافية.و تحول التاريخ إلى دراسة كل ما له علاقـة بالإنسان، وأهتم المؤرخ بالمدد الزمنية الطويلة، بعدما كـان أسير زمن الحدث التاريخي القصير5.وفي هذا السيـاق برز نجم المؤرخ الفرنسي فرديناند بروديل ( F. Broudel) الذي يعتبره الكثير من المؤرخين المعاصرين رائد الكتابة التاريخية في العصر الحديث. فهو – وبشهادة هؤلاء- واضع الدعائم الرئيسة لما أصبح يعرف بالتاريخ الجديد، و الذي أصبح من أهم سماته  انتفاء الحدود بين التاريخ و السوسيولوجيا والانتروبولوجيا.ولقد مثلت أطروحته الشهيرة  والتي درس فيها تاريخ العالم المتوسطي هذا التوجه، والتي دعا فيها إلى تجاوز ونبد التاريخ – السردي /الإخباري، القائم على دراسة الوقائع السياسية البسيطة في الأزمنة القصيرة، والانتقال إلى دراسـة تاريـخ البـنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك في سياق المـدد الزمنيـة الطويلة (les longues durées)  بهدف رصد مدى تفاعل الإنسان مع مجاله الجغرافي.

ميز فرديناند بروديل في دراسته للزمن التاريخي بين ثلاثة مستويات 6 :

- الزمن الجغرافي (le temps géographie ) : وهو زمن المدد الطويلـة وزمن البنيات يتميز بتغيره البطيء.

- الزمن الاجتماعي ( le temps social) : وهو زمن الظرفيات، وزمـن المدد المتوسطة، مثل تاريخ تطور الاقتصاد والمجتمع.

- الزمن الفردي ( le temps individuel) : ويطابق زمن الوقائع، والأحداث السياسية كالحروب والمعاهدات وحكم الملوك.

وعموما، فان مؤرخي مدرسة الحوليات أحدثوا قطيعة ابيستيمولوجية مع الاتجاه السابق في الكتابة التاريخية، فقد عملوا علـى تجاوز التاريخ الحدثي، ودعوا إلى تاريخ إشكالي(Histoire-Problème)  يقر بأهمية العوامل التركيبية في دراسة التاريخ7.

  لقد ساهم ظهور هذا الاتجاه الجديد في الدراسات التاريخية في إثارة مجالات جديدة للبحث، كتاريخ الذهنيات والطقوس اليومـية والخوف والجسد…الخ. خصوصا وأن البحث التاريخي اغتنى بمناهج جديدة  و متنوعة. وفي هـذا الصدد يقول الفيلسوف الفرنسي" ميشال فوكو" : " يتوفر المؤرخون علـى أدوات صـاغوها بأنفسهـم في جانب منها، و تلقوها في جانب أخر  كنماذج النمو الاقتصادي، والتحـليل الكمـي ومنحى التغيرات الديمغرافية، ودراسة المناخ وتقلباته، ورصد  الثوابت السوسيولوجية.لقد مكنتهم تلك الأدوات من أن يبينوا داخل حقل التاريخ طبقات رسوبية متباينة، فحلت مكان التعاقبات الخطية التي كانـت حتـى تلك الآونة تشكل موضوع البحث التاريخـي عمليات سـبر الأغوار وتعــدد مستويات التحليل."8

وعليه فان دراسة الماضي أصبحت تقوم علـى رؤية متعددة  المقاربات. فبذل النظر إلى الوقائع التاريخية المدروسة مـن وجهة نظر أحادية  الجـانب لتفسيرها وتعليلها، أصبح لزامـا علـى المؤرخ إستحضار كل العناصر والعوامل الأخرى، والتي قد يكون لها دور في بنـاء الأحداث و الوقـائع التاريخية. ومنه يمكن القول إن  الظاهرة التاريخية تبنى وتشيد لبنة لبنة. لقد سـبق  لاندري بورغيير  في الانتربولوجية التاريخية أن بين أن كل بعد من أبعاد الواقع الاجتماعي يتواصل مع باقي الأبعاد الأخرى  لصناعة حركة التاريخ9، ومن المعلوم، أن علم التاريخ يدرس ظواهر إنسانية والظاهرة الإنسانية كما هو معلوم تتميز بالكثير من التعقيد . حيث تتداخل في توجيهها عوامل كثيرة إلى درجة يصعب حصرها، وتحديد نصيب كل منها في توجيه  الظاهرة التاريخية المدروسة10. وهو الأمر الذي يستوجب على المؤرخ استحضار كـل الأبعـاد و المـستويات التي تدخل فـي تركيبة الحيـاة الإنسانية ( بيولوجية،  نفسيـة، مجاليـة،اقتصادية، اجتماعية سياسيـة…). ممـا يطرح الكـثير من المشكـلات أمام المـؤرخ أثناء دراستـه للتاريـخ.  

إن النقلة الابستيمولوجية الحديثة التي تحققت في مجال المعرفة التاريخية، سواء على مستوى المواضيع والقضـايا التي أصبح المؤرخون يدرسونها، أو على مستوى مناهج  البحث والمقاربة للظاهرة التاريخيـة المدروسة. مرتبطة- والى حد بعيد – بالحاجيات الجديدة للمجتمع الحديث، وكذا المشكلات الراهنة التي تواجه الإنسانية جمعاء. وفي هذا الصدد ميز أحد الدارسين11 بين اتجاهين رئيسيين في الكتابة التـاريخية : اتجـاه تاريخي تقلـيدي، واتجـاه  حـديث، خاصة بعد أن تبين فشل و عجز الاتجاه التاريخي الأول عن مسايـرة التـطورات التي أصبحت تعرفها الإنسانية في الوقت الراهن.إضافة محدوديته المـعرفيـة والنفعية. يشير الفيلسـوف الفـرنسي المعاصـر  ادغار موران  إلى أن المعرفة الملائمة يتوجب عليـها أن تـواجه ما هو مركب و أن تصل بين  مختلف العناصر المكونة للكل( الاقتصادي، السياسي،النفسي، السوسيولوجي،الوجداني، الأسطوري…)12.كما أن من واجب التربية الحديثة أن تطور القدرة الطبيعية للفكر البشري على طرح  المشاكل الجوهرية. ومنه، فان دراسة التاريخ لا يجب أن تنحصر فقط في معرفة الماضي و إنما لابد أن تسهم في فهم الحاضر الإنساني بكل تعقيداته ومشاكله، واستشراف مستقبل أفضل للبشرية

أ‌-                   مرتكزات الاتجاه التاريخي التقليدي :

        لعل أهم ميزة يتميز بها هذا الاتجاه استغراقـه في التاريخ السياسي والعسكري والدبلوماسي. إضافة إلى عنايته الفـائقة بدراسة الأحداث من منظور متفرد ومعزول، كل هذا في مسار زمني ضيق وقصير وهو زمن الحدث :زمن المدة القصيرة حسب التعبير البروديلـي. أما طريقته فـي عرض الوقائع، فان رواد هذا الاتجاه  يوظفون أسلوب الرواية و السرد السطحي، دون تمحيص ولا تدقيق معتمدين في  ذلك على ما توفر لديهم من وثائق مكتوبة. علما أن مفهوم الوثيقة  عند هؤلاء لا يتعدى ما هو مكتوب و مسجل، وخاصة الوثائـق الرسمـية.

ب‌-               مرتكزات الاتجاه التاريخي الجديد :

تحـول اهتمـام المؤرخين مـن دراسة الخـاص إلـى  دراسـة العام ومن الجزء إلى الكل، ومن الاهتمـام بالفرد إلى الانكباب على دراسة المجتمع بكل فئاته ومكوناته الاجتماعية، بما في ذلك الشرائح المغمورة. كما مال  المؤرخون إلى دراسة تاريخ البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذهنية، بذل الاستغراق في التاريخ السياسي والعسكري. أما بخصوص الأساليب وطرائق البحث، فقد بدأ المؤرخ يعتمد أسلوب التفكير العلمي القائم على التحليل الملـموس للوقائع، ومساءلة الوثيقة التاريخية، ليس فقط عن ما تريد قوله، ولكن عما لا تريد البوح به، متوسلا بعدة  منهجية تتميز بالتنوع وتعدد المقاربات. كما تغيرت نظرة المؤرخ إلى الزمن التاريخي الذي أصبح ثلاثي الأبعاد.

وعموما، لعل أهم ميزة تميز هذا الاتجاه، هي انتقال المؤرخ  من مستوى المعرفة الـجاهزة التي تقدمها الوثيقة الرسمية إلى  مستوى أرقى يقوم على نقد كل ما هو جاهز ومعطى مسبق. كما أن طرح المؤرخين لإشكاليات تاريخية جديدة، تطلب منهم النبش في مصادر أخرى و كشف وثائق جديدة.

سمات التاريخ الجديد / التاريخ النقدي- الإشكالي

1-              اعتماد منهج  فكري ينطلق من  إشكاليات  محددة :

    تجمع كل الدراسات الابستيمولبوجية الخاصة بعلم  التـاريخ على  أن أهم خطوة يقوم بها المؤرخ عند بداية دراسته التاريخية هي الانطلاق من تحديد المشكلة التي ستقود دراسته من البداية إلى النهاية.فإذا كان التاريخ الجديد إعادة بناء الماضي البشري وفق رؤى جديدة وبأدوات معرفية جديدة، فان الثابت عند كل المؤرخين المحدثين أن هذا الماضي المدرك يكون دائما إشكاليا و ناقصا في حقيقته،ويثير تساؤلات جديدة13. يشير الدكتور مصطفى الحسني الإدريسي إلى  أن منهجـية التفكير التاريخي تبدأ أولا بطرح مشكلة في الحاضر والتعبير عنها بصيغة التساؤل. ثم تأتي مرحلة صياغة الفرضيات، وبعدها يعمل المؤرخ  على التحقق مـن الفرضيات المطروحة مستعينا بالاستكشاف الوثائقي، وفي الأخير يكون خلاصة تركيبية تتضمن جوانب من الإجابة عن الإشكالية المطروحة14.مع العلم  أن الإشكالية التاريخية تتمثل في شبكة من التســاؤلات  التي توجه تفكير المؤرخ وتنظم طريقة تعامله مع الوثائق والمعطيات التاريخية .لقد سبقت الإشارة إلى  أن المعرفة التاريخية هي دائمـا معرفة نسبية تسعى إلى الإجابة عن أسئلة راهنة. فالمؤرخ  يستقصي الأخبار، وهو دائما وأبدا، أمام ماضي  مجهول يقتحمه باستمرار دون أن يستولي عليه على حد تعبير العروي15 علما أن حقائق الماضي ليست مطلقة، فالواقعة التاريخية الواحدة يمكن أن تكتب عددا من المرات وعلـى أوجه مختلفة. فالمؤرخ يدون عادة كل واقعة  على وجه يستند فيه إلى ما يعرف من التفاصيل  التـي تتصل بتلك الواقعة، وكذلك إلى ما يدرك من أسباب حدوثها16. ولهذا فان كتابة التاريخ هي عملية متجددة و مستمرة، تتجدد بتجدد هموم و مشكلات الإنسان في الحاضر. فالإنسان لا يعيش حاضره مفصولا عن ماضيه. فالإنسان لا يفكر في تاريخه باعتباره زمن غابر تملأه الأحـداث والـوقائع ذات علاقة خارجية و موضوعية به فحسب، بل بوصفه صيرورة  في الزمن لها كبير الأثر على حياته اليومية .إن تفسير الماضي  و تأويله وتكوين معنى عنه شكل دوما هاجسا للإنسان 17.

   إن هذه الخلفية الفلسفية التي تحكم وتوجه نظرة الإنسان  إلى التاريخ وعلاقة ماضيه بحاضره هي التي نجد لها صدا واضحا في منهجية التفكير التاريخي عند المؤرخين المحدثين.فعمل المؤرخ  اليـوم يتـراوح بين جدلية ثنائية تشمل كل من الحاضر الذي يكتب فيه التاريخ، وبين الماضي الذي يعتبر موضوع دراسته18.ومـن هنا تتأسس إشكالية الفصل بين الذات و الموضوع في الكتابة التاريخية،مما يفرض على المؤرخ اليوم طرح أكثر من سؤال على كتابات المؤرخين السابقين، والتعامل بمنهج نقدي اتجاه كل القضايا التاريخية.

لقد أصبح من الواجب التعامل مع المعرفة التاريخية بمنهج  نقدي / إشكالي  يساءل الوثيقة ويساءل الخبر ويساءل الرواية. خاصة و أن الكتابة التاريخية هي في جوهرها عملية ذهنية، يعمل خلالها المؤرخ على إعادة استحضار وبناء وقائع الماضي يقول  عبد الله العروي : التاريخ في أساسه  استحضار، عندما نقرأ كتاب الناصري،إننا في حقيقة الواقـع، نستحضر استحضار الناصري لوقائع الماضي. ليس ما بين أيدينا سـوى  انعكاس لما رسب من ماضي المغرب في أذهان الناصري وأمثاله" 19.

      إن الانطلاق من إشكالية محددة فـي دراسـة التاريخ مكن المؤرخين من التحرر من سطوة الأنماط التعليلية الجـاهزة وألا حكام الفكرية المسبقة، وفتـح الباب على مصرعيه  لطرق جديدة في البحث والتنقيب. نلمس ذلك بجلاء في تغير نظرة المؤرخين إلى الواقعة التاريخية، فبعدما كانت هذه الأخيرة  وحسب المدرسة الوضعية / الوثائقية ذات معنى ضيق لا تتجاوز الواقعة  السياسية  أو العسكرية، والتي يتم التعرف عليها انطلاقا من الوثيقة، أصبحت الواقعة التاريخية – حسب مدرسة التاريخ الجديد – تبنى و تشيد انطلاقا من إشكالية ما و في سياق تصور جديد للزمن التاريخي.

  لقد أصبح التفكير التاريخي المعاصر ينطلق من تحديـد إشكالية مـا (مشكلة تاريخية ) قبل تحديد الوثائق و الشواهد. لأن قيـمة الوثـائق لا تتحدد إلا  من خلال قيمة المشكلـة التاريخية المطروحة.إن المـنهج التاريخي السليم هو الذي  يبدأ بطرح أسئلة توجه المؤرخين  إلى التنقيب المنظم و المكثف الجماعي. فدراسة التـاريخ انطلاقا من دراسة المشكلات، أصبح مطلبا ضروريا عند كل المـؤرخين المعاصرين.وفي هذا السياق يشير أحد المؤرخ الأنجليزي اللورد أكتون ( J.E.E.Acton ) ( 1834- 1902) إلى ضرورة دراسة المشكلات في التاريخ بذلا من الاستغراق في دراسة  الحقب الزمنية20، بمعنى أن تبدأ دراسة التاريخ من مشكلة ما، والتي تحدد بغية المؤرخ وغايته.      

  2- باقي  مكونات المنهج التاريخي :

يتكون المنهج التاريخي الحديث من مجموعة من الخطوات الفكرية المترابطة:

أ - التعريف التاريخي :

يقوم المؤرخ في هذه المرحلة بدراسـة الشواهد والوثائق قصد التعريف بها. بمعنى وضع الأحداث والوقائع المؤرخة في الوثيقة داخل سياقها الزمني والذي بدونه يصعب فهمها والتعرف عليـها. إن مرور المؤرخ بهذه المرحلة مسألة غاية في الأهمية لأنه يستحيل – وبدونها – انتقاله إلى مستويات أخرى ( التفسير، التحليل، التأويل، النقد،التركيب..) كما يعمل المؤرخ خلال هذه المرحلة بتسمية الأحداث والوقائـع،علما أن إطلاق اسم على حادثة أو مجموعة من الحوادث ليس أمرا سهلا21. نظرا لطابع العقيد و التركيب الذي تتميز به كل حوادث الماضي   يسمي المؤرخ  الأحداث و الوقائع، مع ترتيبها السابقة ثم اللاحقة وذلك بالنظر إلى القضية المطروحة التي يحاول دراستها وتفكيك ألغازها. هذه المرحلة تقتضي من المؤرخ كفاءة علمية كبيرة، واطلاعا واسعا وكذا إلماما بالبحث. فكلما كانت ثقافـة المؤرخ كبـيرة إلا وسهل عليه تأطير الوقائع تأطيرا زمنيا دقيقا. وفي هذا الإطار يشير المؤرخ الشهير "مارو "  إلى أن المعرفة التاريخية مرتبطة بمدى قدرة المؤرخ الفكرية وخصوبته السيكولوجية 22. تجب الإشارة كذلك إلى أن المؤرخ  خلال هذه المرحلة يتعامل مع الوقائع بطريقة انتقائية، بمعنى أنه ينتقي الأحداث التي ترتبط بقضيته التاريخية التي يعالجها ذلك لأنه يصعب عليه جمع كل شيء، كما أن المنـهجية العلمية تفرض البحث عن الوثائق التي تصب في صلب الموضوع  وتحاول الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المؤرخ.إن جمع الأخبار و الوقائع دون تمحيصها ووضعها في سياق فكري معين  عمل غير ذي جدوى في كل دراسة تاريخية. فقد وصف مونتسكيو المؤرخين الذين يقومون بهذه العملية ( جمع الأخبار ) بالجامعين ليس لديهم ما يقولونه23.

      ب- التفسير التاريخي :

  لقد ارتبط ظهور التفسير التاريخي بولع الإنسان - ومنذ القدم- بمعرفة ليس  فقط ما حدث في الماضي، بل تعدى ذلك إلى التساؤل حول أسباب ما حدث. ولماذا حدث ما حدث بهذه الطريقة دون تلك. حدث بهذه الكيفية دون تلك. ولهذا أصبح المؤرخون يتسألون عن الأسباب و العوامل المتحكمة في صناعة الأحداث والوقائع التاريخية. لقد كانت النية في البداية اخذ العبرة من دروس الماضي عبر تجنب ما لا يفيد والآخذ بأسباب ما يطمح إليه الإنسان24. ومع تطور الحياة البشرية تطورت آليات التفسير، واكتشف المؤرخون علاقات السببـية التي تربط الأحداث بأسبابها.بل اجتهد بعضهم في دراسة العوامل الفاعلة ف

المزيد


الوعي القومي

مايو 27th, 2009 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

 

 

 

الوعي القومي

 

 

قسطنطين زريق

 

 

لم يبقَ خافياً على أيٍ ممن ينظر في حالة الأمة العربية أنها تجتاز اليوم دوراً من أشد أدوار حياتها دقةً وأعظمها خطراً، وأنها تتخبط في فوضى فكرية بعيدة المدى بليغة الأثر.  فكلنا يشعر بالتيارات المختلفة التي تتقاذفنا، وبالنزعات المتباينة التي تتجاذب نواحي حياتنا، وكلنا يحس هذا الهيجان الفكري والعاطفي الذي طغى علينا، والذي وزعنا فرقاً متنازعة وأحزاباً متناحرة لا تعرف لها هدفاً بيناً أو غاية صريحة.

في مثل هذا الموقف الدقيق يترتب على مفكري الأمة وقادة نفوسها أن يواجهوا هذه الفوضى بعقلٍ هادئٍ وقلبٍ مطمئن، ويعمدوا إلى تحليل عواملها والكشف عن منابعها ومصادرها الخفية، وأن يتطلعوا من خلال أمواجها المتلاطمة إلى الأفق البعيد ليتبينوا قبس نورٍ يهتدون به وشاطئاً أميناً يقودون الأمة إليه.  ذلك هو واجبهم وتلك رسالتهم، فإن لم يقوموا بالواجب ويؤدوا الرسالة، بل ألهتهم الأطماع الشخصية والغايات الصغرى، جنوا على أمتهم جناية لا تغتفر، وسجل عليهم التاريخ تقصيراً، أي تقصير.

ويتبين لي أن العامل الأكبر في هذه الفوضى الصاخبة التي تجتاحنا هو فقداننا الشعور القومي الصحيح الذي يوحّد جهودنا، وينظم قوانا الروحية ويفيض على نفوسنا صفاءً وركوناً واطمئناناً.  ولقد يعجب البعض من هذا القول، إذ يلتفت حواليه فيرى شؤون الأمة العامة على كل لسانٍ يتحدث بها الكبير والصغير والغني والفقير، ويُسمع أسماء قادة الأمة وزعمائها تتردد في المجالس الخاصة والمحافل العامة، ويُلمس في جو البلاد اهتزازات وتيارات مفعمة بمظاهر القوة والحياة.   أفننكر بعد هذا كله الشعور القومي، وسريانه في قلوب الأمة ونفوسها؟

الحق أن كثيراً من هذا الذي نرى ونسمع ونلمس لا يبلغ قرارة النفس، ولا يكيِّف صورة الحياة.  فإذا استثنينا من تدفعه إلى هذا الاهتمام في الشؤون العامة غايات وأطماع دنيوية – وهم كما يعلم الجميع، كثيرون – وجدنا أن القلة الباقية موزعةٌ بين فريقٍ أكبر يتخذ المسائل الوطنية والقومية ملهاةً يملأ بها فراغه ويسري بها عن نفسه عندما يفرغ من عمله الخاص، فيجلس إلى صحبه ويبادلهم الأحاديث الجدية أو غير الجدية يتناول بها هذا أو ذاك من الشخصيات، أو هذه أو تلك من مشاكل البلاد، ويوهم نفسه وصحبه أنه يؤدي بذلك واجبه الوطني ويلتحق بصفوف العاملين في حقل القومية الصحيحة، وبين فريقٍ أصغر تلتهب في نفسه عاطفة وطنية صادقة، لكن هذه العاطفة لم تخرج من حيز الشعور إلى حيز العقل، فتراه مدفوعاً بشتى الانفعالات النفسية والتأثيرات العاطفية تقذف به ذات اليمين وذات اليسار، دون أمنٍ أو استقرار.

وغني عن البيان أن هؤلاء جميعاً، بالرغم مما يُحدثون من جلبةٍ وضجيج، لا يؤلفون إلا قسماً صغيراً من الأمة.  أما السواد الأعظم فلا يتحسس بشيء من هذا، وإن رفع صوته أو مدّ يده، فمن دافع خارجي وقتي لا عن قوة داخلية دائمة.  وغني عن البيان أيضاً أن هذه العوامل المختلفة التي تحرك من يتحرك منا – سواء أكانت المصلحة الشخصية، أم التلهي الفارغ الذي نملاً به حياةً أفرغ منه، أن العاطفة الوطنية الجامحة – لا يمكن أن تكون أساساً متيناً يُبنى عليه كيان الأمة ويُشاد صرحها الجديد.  ولا يمكننا أن نقيم أن نقيم هذا الأساس إلا إذا خلُصت عاطفتُنا الوطنية من أدران المادة، وارتفعت إلى حيز العقل، فأصبحت شعوراً يدعمه الفكر، أو بالأحرى فكراً يذكيه الشعور، وسرت في جوانب النفس كلها، فملأتها "وعياً" قومياً.

هذا الوعي القومي الذي يعرف ما يريد ويسير إليه بعزمٍ صادقٍ مطمئن، الذي يدري من أين أتى وإلى أين يسير، الذي لا يسمح لأية مصلحة خاصة أو عاطفة آنية أن تحيد به عن هدفه الأوحد وغايته القصوى، هذا الشعور الذي أصبح فكراً، وهذا الفكر الذي اكتسب بالشعور حياة، هذا الوعي القومي العاقل المتنبه لم تعمر به بعد إلا أنفس قليلة من هذه الأمة العربية، ولم يتصل تياره إلا بفئة ضئيلة متفرقة، مع أنه منبع كل نهضة قومية صحيحة، ولن تستطيع أمة أن تحقق آمالها وتبلغ غاياتها إلا عندما يسود هذا الوعي نفوس أبنائها – أو على الأقل نفوس القادة منهم – ويشيع في جوانبها فهماً ودراية ونوراً.

فلنتساءل إذن: على ماذا يقوم هذا الوعي القومي، ومن أي المصادر يفيض؟

يقوم الوعي القومي أولاً على معرفة ماضي الأمة معرفةً صحيحة، وفهم العوامل الطبيعية والتاريخية التي كونتها حتى جعلتها في حالتها الحاضرة والكشف عن مصادر قواها الروحية الخاصة التي تمتاز بها عن غيرها من الأمم.  فالعربي الواعي قومياً يعرف من أين أتى، وكيف تحدرت أمته، ومن أي الجذور نبتت حياته الحاضرة.  يضع يده على أصل الجنس العربي، ويتابعه في شيوعه من الجزيرة إلى ما حولها من البلدان، ويسايره في سيادته على الأجناس الأخرى وامتزاجه بها، وفي ما تكوّن من هذا الامتزاج من أمة مختلطة الدم والجنس، موحدة في ما هو أهم من هذا كثيراً في الارتباط القومي، ألا وهو: اللغة، التقاليد، الجهاد الماضي، والمصالح الحاضرة والمقبلة.  وهو يعرف، مع هذا كله، ما يقوله العلماء الحديثون عن معنى "الجنس"، وعن مقدار ما للوراثة من جهة والمحيط من جهة أخرى من أثر في تكوينه، وعن نوع علاقته بالقومية، وعن الحركات السياسية والمذاهب الاجتماعية والفكرية التي أثارتها مشاكل "الجنس" في الشرق والغرب.  (المقصود ب"الجنس" هنا هو العِرْق طبعا – الناسخ).

وينظر، بعد الجنس، في اللغة، فيعرف من أين نشأت وكيف انتشرت ويفهم ميزاتها على غيرها من اللغات، والقوى الخاصة التي جعلتها تسود سيادة تامة على هذه الأقطار الشاسعة.  فلكل لغةٍ نبوغٌ خاص وميزاتٌ تنفرد بها عن غيرها من اللغات.  واللغة العربية، من بين اللغات جميعاً، قد أظهرت حيوية بالغة في دقة انتظامها، وفي سعة انتشارها، وفي مرونتها التي جعلتها أداة صالحة لنقل شتى العلوم الآداب، وهذا كله مما يهيب بنا إلى فهم سر هذه الحيوية وفهم القوى الخاصة التي تمثلها لغتنا، كي نستغل هذه القوى في تنظيم حاضرنا وبناء مستقبلنا.

غير أن اللغة العربية ليست سوى مظهر من مظاهر الثقافة.  والوعي القومي يتطلب أن يكون لنا فهم صحيح لجوهر الثقافة العربية: فنعرف البذور التي تكونت منها، والمظاهر المختلفة – من علم ٍ وأدبٍ وفن – التي تجلت فيها، والخصائص التي امتازت بها، والرسالة التي أدتها إلى العالم والدور الذي مثلته في تكوين التمدن الحديث.  وليس من شك في غنى الثقافة العربية، وشمولها، وتشعب مناحيها.  فلا بد أن يكون وراء هذه الميزات قوىً روحيةً خاصة، ومنابع حياة فياضة، وقد وجب علينا أن نكشف عنها ونسبر غورها لندرك حقيقة هذه الثقافة التي ورثناها عن السلف، والتي تكوّن اليوم القسم الأهم والأبرز من شخصيتنا.

وأخيراً يتطلب الوعي القومي الملتفت إلى الماضي أن نلمس روح تاريخنا، ونتصل بالعوامل التي كوّنت هذا التاريخ.  فلقد جاهد العرب في ماضيهم جهاداً حسناً في شتى نواحي الحياة، ففتحوا آفاقاً واسعة في ميادين السياسة والاقتصاد والعلم، ثم عادوا فانطووا على أنفسهم وتقلص ظلهم.  وإنه لمن الخطورة بمكان أن نعرف حقيقة العوامل التي تأثروا بها في الحالتين جميعاً.  ويهمنا بصورة خاصة أن ندرك القوى الداخلية الفاعلة في نفوس العرب وقلوبهم وأرواحهم، لأن الظروف والأحوال الخارجية – على أهميتها في تكييف التاريخ وتسييره – ليست شيئاً إزاء القوى الداخلية التي تجيش في صدور الأمة، فَلَكَم من أمةٍ خلناها تنهار بغزوة شعبٍ غريبٍ كانت في الواقع قد تفسخت داخلياً وتهدمت في الباطن قبل أن تتهدم ظاهراً، ولَكَم من أمةٍ أخرى أحاطت بها الأحداث والكوارث، فلم تطفئ روحها ولم تمحُ شخصيتها.

وصفوة القول، إن الأمة العربية لها شخصية خاصة تنفرد بها عما سواها من الأمم: شخصية مؤلفة من عناصر مختلفة – أهمها اللغة والثقافة، والتاريخ المشترك – قد تحدرت جميعها من أصول الماضي، فأول واجب قومي يترتب علينا هو فهم هذه العناصر فهماً يكشف لنا عن روحها ويوضح لنا جوهرها، كي نعرف حقاً من نحن، وكيف تكوّنا.

ومن الواضح أن هذا الوعي القومي الذي أصِف بعيد كل البعد عما نردده كثيراً من التغني بمآثر السلف والإشادة بفضل الأجداد، عما يتفجر في صدورنا من الاعتزاز العاطفي بالماضي المجيد والتاريخ الزاهر، فهو قد بلغ درجة أبعد من هذا الاعتزاز أو ذاك التغني لأنه قد تخطى حدود الشعور والعاطفة ودخل حيز الفهم والمعرفة.  ولست أقصد من هذا أن أضع من قدر العاطفة والشعور في الجهاد القومي، ولكنني لست أراهما كافيين لبلوغ الغاية التي نرجو، إلا إذا اقترنا بالإدراك الواسع والفهم الدقيق.  فالفرنسي الواعي قومياً يعرف بوضوح ودقة مزايا لغته ونبوغها الخاص ومقامها بين غيرها من اللغات، ومثله الألماني الذي ينشر أمامك خصائص ثقافته والأيادي التي لها على غيرها من الثقافات، والإنكليزي الذي يعرض لك تاريخ أمته فيشير، بفهمٍ وإدراك، إلى الدور العظيم الذي مثلته وإلى الروح التي تجلت فيها في مختلف الأدوار.  أما نحن العرب فكم بيننا من يعرف معرفة صحيحة من نحن، وكيف تكوّنا، وما هي حقيقة شخصيتنا وجوهر روحنا؟ كم بيننا، بكلمة أخرى، من تفتح في نفسه الوعي القومي الملتفت إلى الماضي؟

على أن ماضي الأمة وتاريخها الغابر ليسا في الواقع إلا الجذور التي نبتت منها غرسة الحاضر، وإذا كان من المهم أن نلمس الروح المتغلغلة فيهما، فلكي ندرك إدراكاً صحيحاً ما تولد عن هذه الروح من مظاهر حياتنا الحديثة.  فالوعي القومي الكامل يتطلب منا، إذن، أن ننظر في الحاضر نظراً مدركاً، وأن ننفذ بأبصارنا وراء الحوادث الآنية التي نتخبط فيها والمظاهر السطحية التي تستهوينا إلى لب حياتنا الحاضرة وجوهرها كي نفهم حقيقة معناها ووجهة سيرها.  ولما كانت هذه الحياة الحاضرة وليدة عاملين رئيسيين يتفاعلان في ما بينهما تفاعلاً شديداً هما الشخصية العربية كما تكوّنت عن محيط هذه البلاد الطبيعي وميراثها الاجتماعي والثقافي، والحضارة الغربية السائدة على المجتمع الحديث، فقد وجب أن يحيط إدراكنا بكلٍ منهما إحاطة كاملة صحيحة.

أما الشخصية الداخلية للأمة العربية فق

المزيد


دراسات في الثقافة السياسية : الشمولية

ديسمبر 22nd, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

dirasa

 

 

 

دراسات في الثقافة السياسية

 

 

في الشمولية

 

 

بقلم: د. هايل نصر

 

 

خلق الله الناس بألوان متعددة، وطبائع مختلفة، وقدرات عقلية وجسدية متفاوتة، وأذواق متمايزة ــ وهو ما يتفق عليه المؤمنون، وغير المؤمنين، وأنصار الطبيعة.ــ وشعّبت الحياة هذا التباين وأخصبته. وأراد الإنسان أن يعيش اختلافه هذا، فحاول، دون أن يلغي ذاته، أو ذات الآخر، البحث عن نقاط التشابه معه، وبنى عليها علاقات تعاون، تضمن له ولغيره من مكونات المجتمع،

ليس فقط إرادة و إمكانية العيش المشترك وإنما كذلك ديمومته، بتنسيق وحوار ضمن التعددية والاختلاف. وفي كل المرات ـ على قلتها ـ التي تستقر فيها هذه الروحية وتصبح واقعا، تستقر الحياة، ويزدهر الإنسان كفرد يطور المجتمع ويتطور هو نفسه بتطوره، ويسود السلم الأهلي والصفاء. وفي كل المرات ــ على كثرتها ــ التي يتم فيها رفض الآخر ومحاولة إلغاء مميزاته، وخصائصه، وحقوقه ومكتسباته المادية والمعنوية، وإخضاعه بالقوة لمفاهيم ومعتقدات دينية أو سياسية أو اجتماعية لا يؤمن بها، يضطرب السلم وتقوم الفتن، لتصل أحيانا إلى حروب أهلية، داخل هذا المجتمع المتكون في دولة. ويضمحل الإنسان بشتى جوانبه، مما يؤثر ليس فقط على تماسك المجتمع المنكوب، وإنما كذلك على إعادة العلاقة الجدلية الصحيحة مستقبلا بين الفرد ومجتمعه.

وهذا نفسه ينطبق على المجتمعات المتكونة في دول، في علاقاتها الدولية. ففي كل مرة يتم التنكر لحقوق الآخرين، والاعتداء عليها، والتوسع على حسابها، تتوتر العلاقات وتقوم الحروب، ومثاله الحروب الدينية، والطائفية، والحروب العنصرية، والطبقية والحروب الاستعمارية التي قامت على إرادة التوسع للسيطرة على ثروات الآخرين، ومصادرهم الطبيعية، وفرض أنظمتها السياسية ومفاهيمها الاجتماعية والاقتصادية، وصولا إلى حربين عالميتين مازال العالم يعاني من أثارهما، لما أحدثتاه من تقسيم للعالم، ومشاكل حدود، وأقليات، وربط المستعمر بالمستعمر بروابط تقوم على الهيمنة والتبعية.

وان كان لا بد من أمثلة على ما خلفته تلك الحروب، نسوق أشدها مأساوية، وأقساها على الإطلاق. فلسطين. حيث غُيرت الجغرافيا، وزور التاريخ، وتم العبث بالمكون السكاني: إلغاء شعب متجانس، كامل، آمن ومستقر، وإحلال آخر محله، غير كامل أو متكامل، أو متجانس، وما ترتب عليه من مآسي، ممتدة ومستمرة دون انقطاع ــ قتل، وملاحقة، وسجون، تطال الرجال والنساء والشيوخ والأطفال. وتشريد وحصار، وإفقار، وإشعال فتن بين أصحاب القضية الواحدة، وتحت سمع وبصر العالم بأسره ، بأنظمته المختلفة، الشمولي والديمقراطي، المتآمر، والمتباكي، لغياب الحق و العدل والعدالة، بما فيه بكاء أولاد العمومة، أصحاب الهوية الواحدة، واللغة المزدوجة، رغم وحدة قواعدها ــ منذ عام 1948 والى اليوم، ودون آفاق حلول جدية. وحتى دون قبول المعتدي، المستأصل غيره، بحوار جدي مع ضحاياه.

ومع أن موضوع مقالتنا الحالية متعلق بالنظام الشمولي، لا يمكن المرور دون التذكير أن في أساس نشأة، وتعقيدات، واستمرار المأساة الفلسطينية، كانت، ومازالت، أنظمة ديمقراطية، تحاول فصل الأخلاقي، والإنساني، والقيمي، عن السياسي والواقعية السياسية !!!. ولا يمكن كذلك المرور دون التنبيه إلى أن الركون لمقولات تدعي بان في أشكال الأنظمة فقط مكامن الخطر والإقصاء والحروب، أو السلم والسلام والعدل والعدالة، هو إغماض للعيون عن الواقع. فالشكل يبقى شكلا إذا لم تكن روحه ومحتواه القيم الديمقراطية، الحقيقية.

ولأن المنتصر وحده يكتب التاريخ، فقد كتبه كما أراد، ورسمه بالإرادة المنفردة. وأخرجه بما لا يزعج ضميره، في حالة وجود ضمير، وباتجاه يعتقد فيه تأبيد مصالحه وقيمه.

الشمولية، موضع المقالة الحالية، ليست ابتكارا حديثا. فمنذ العصور القديمة في اليونان وروما، كانت الحاضرة Cité غير منفصلة عن آلهتها. ( Maurice Duverger، Les Oranges du Lac Balaton ). وفي القرون الوسطى كان التنافس بين البابا والإمبراطور، بين سلطة الكنيسة والسلطة العلمانية ، يخفف من حدة الشمولية. وكانت الحرية الشخصية تتبع الدولة العلمانية خطوة خطوة . وكان اتحاد السياسة بالدين يقود إلى الأنظمة الشمولية. (ديفرجيه المرجع السابق).

أما في القرن العشرين فقد اتخذت الشمولية صيغا جديدة، ساعد في بنائها ما حمله التقدم التكنولوجي من وسائل استخدمتها الأنظمة الشمولية ببناء قاعدة حكم متينة تستند عليها، وتخضع المجتمعات بأكملها للرقابة والتحكم والسيطرة.

ما هو النظام الشمولي؟ هل من طبيعته، أو بإمكانه، التعايش مع الاختلاف والتنوع، والتعددية بأشكالها المشار إليها أعلاه؟ وهل يحترم إرادة العيش المشترك، المبنية على الاختيار الحر للنظام السياسي، والتعددية الحزبية والحوار، وبناء جمعيات المجتمع المدني؟ وهل يتورع عن تصدير رؤيته، وأزماته لخارج حدوده؟.

كلمة الشمولية ظهرت أولا في ايطاليا totalitario أي totalitaire بالفرنسية، عام 1923 وانتشر استعمالها، بمعنى سلبي، تحقير وذم، قبل أن يعطيها منظرو الفاشية عام 1925 معان ايجابية، فأُشيد بموسليني لقوة إرادته الشمولية. وكتب جيفواني جانتيل Givoinni Gentile منظر الفاشية الليبرالية تضع الدولة في خدمة الفرد، الفاشية تقيم الدولة كالحقيقة بالنسبة للفرد. إذا كان من الواجب أن تكون الحرية خاصية الإنسان الفعلي، وليس الشكلي المجرد كما تراها الليبرالية الفردية، فان الفاشية مع تلك الحرية. هي فقط مع حرية يمكنها أن تصبح جدية، مع حرية الدولة وحرية الفرد في الدولة. وهذا لأنه بالنسبة للفاشي كل شيء في الدولة، ولا يوجد شيء إنساني أو روحاني، أي شيء ذو قيمة، موجود خارج الدولة. بهذا المعنى يكون الفاشي شمولي. والدولة الفاشية تلخص وتوحد كل القيم التي تفسر و تطور وتعطي قوة الحياة بكاملها للشعب (مشار أليه من قبل Enzo Traverso، le Totalitarisme، p.21)

و ككلمة، ليس للشمولية نفس الدلالات عند كل الذين يستعملونها. فهي تدل في وقت واحد على وقائع faits (النظام الشمولي كحقيقة تاريخية). وعلى مفهوم concept (الدولة الشمولية كصيغة سلطة جديدة وغير قابلة للتصنيف ضمن النماذج من قبل الفكر السياسي الكلاسيكي). ونظرية théorie (نموذج هيمنة مضافة من قبل التحليل المقارن للأنظمة الشمولية).( Enzo Traverso Totalitarisme le).

اسُتعملت الكلمة نفسها في بريطانيا، للمرة الأولى عام 1929 ، لوصف الفاشية والنازية معا. وفي ألمانيا كتب ارنست جينجر Ernst Jünger بان الحرب والتكنولوجيا الحديثة مُبشرة بنظام جديد مجسد بظهور العامل / الجندي، الذي يقوم بمهامه ضمن مجتمع بإطار ونظام كالنظام العسكري. ويرى أن الحرب العالمية الأولى شهدت تحولا تاريخيا نحو هذه الصيغة الحضارية الجديدة: للمرة الأولى في تاريخ أوروبا تمت تعبئة القوى البشرية والمادية بشموليتها لتأمين المجهود الحربي للمعركة.

من التعاريف المتعلقة بالشمولية يرد ما يلي:

ـ الشمولية طريقة حكم، نظام سياسي يمسك فيه حزب واحد السلطة بكاملها، و لا يسمح بأية معارضة، فارضا جمع المواطنين وتكتيلهم في كتلة واحدة في الدولة وخلفها.

ـ الشمولية طريقة عمل الدولة، التي تقوم، زيادة على إدارة الحياة السياسية، بإدارة الحياة الخاصة للأفراد.

ـ الشمولية صيغة استبداد ظهرت في القرن العشرين. وهي متحدرة من الفاشية. ففي الدولة الشمولية لا يوجد الفرد ولا يعرف إلا من خلال علاقته بالمجموع الشعب أو الأمة. وتصبح الدولة مطلقة وموضوع عبادة حقيقية. ويتم عسكرتها لتأمين الإرهاب والتمكن من الهيمنة على الأفراد.

وقد بلور مفهوم الشمولية الصيغ الجديدة للطغيان. وبشكل خاص العنف الذي يمارس على كل من هو خارج هذه المفاهيم. وهو غير منفصل عن النازية. وفي عام 1939 بدأ الكتاب يبحثون عن الصلة بين الإيديولوجية الفاشستية وبين الشيوعية السوفيتية، بحجة إنهما، معا، يتسببان في اضطراب السلم والاعتداء على الحريات. وهذا ما كان يستنكره بشدة الكتاب الشيوعيون ويحاولون دحضه.

في الخمسينات طُرح مفهوم الشمولية كنموذج، مقابل نماذج أخرى مثل الديمقراطيات الدستورية، أو النماذج التسلطية المحافظة. فالدولة الشمولية، كما يقرر كتاب تلك المرحلة، تقود ثورة دائمة، في حين أن الأنظمة التسلطية التقليدية كانت بشكل عام محافظة. وحسب Neumann الطابع الرئيسي للأنظمة الشمولية هو مأسسة الثورة (تنظيمها بمؤسسات Institutionnaliser la révolution ) في محاولة لتأمين إدامة هذه الأنظمة.

ويطرح Raymond Aron السؤال الذي يجيب عليه بنفسه ، في أي شيء تكمن ظاهرة الشمولية؟

إنها كما يبدو لي ظاهرة كبقية الظواهر الاجتماعية، تقع تحت تعاريف عديدة، حسب الزاوية التي ينظر منها الملاحظ . وعناصرها الأساسية خمسة هي:

1ـ الظاهرة الشمولية تأتي في نظام يعطي حزبا واحدا احتكار النشاط السياسي بكامله .

2 ـ يقوم الحزب المحتكر على إيديولوجية يتسلح بها، وتقود فعالياته. ويمنحها سلطة مطلقة. وتصبح بالتالي الحقيقة الرسمية للدولة.

3ـ لنشر هذه الحقيقة الرسمية تقوم ا

المزيد


ضرورة الوحدة العربية

نوفمبر 19th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

sate1

 

 

ضرورة الوحدة

 

 

ساطع الحصري  

 

 

 ان فكرة القومية العربية تعني الايمان بوحدة الأمة العربية، وتتطلب العمل بما يستوجبه هذا الايمان، وذلك بالجهد الدائب في خدمة هذه الأمة ، للمساهمة في ضمان تقدمها ووصولها الى أوج الرفعة والقوة والكمال ، في ميادين العلم وا لثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة.

فعلى كل منا أن يؤمن أصدق الايمان، بأن الوطن العربي يمتد من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي وجبال زاغروس، ويشمل جميع البلاد التي يتكلم أهلها العربية، واما الدول والدويلات القائمة على هذه البلاد، فانها وليدة المناورات والمساومات والمقاسمات التي قامت بين الدول المستعمرة خلال حكمها لها، وسيطرتها عليها، والحدود التي تفصل هذه الوحدات السياسية بعضها عن بعض- في الحالة الحاضرة- ليست الا الخطوط التي رسمتها والسدود التي شيدتها الدول المستعمرة، حين اتفقت على تحديد مناطق نفوذها أولا، وحين اقتسمتها اقتسام الغنائم أخيرا.

ولا بد لكل عربي أن يع لم ذلك علم اليقين، فيسعى الى تطهير نفسه من رواسب النزعات الاقليمية، التي ولدتها عهود الانحطاط والاستعمار، وعليه أن ينظر الى تلك الحدود، نظرته الى الاسلاك الشائكة التي تحيط بالمعتقلات، فيجعل أمنيته القصوى، ومثله الأعلى : ازالة تلك الحدود، من الأراضي ومن النفوس، لتوحيد البلاد العربية، تحت ظلال راية العروبة الشاملة.

الشك والتشكيك

أعرف أن هنا، وهناك، جماعات من ضعيفي الايمان، يقولون : هذا محال..، هذه البلاد المترامية الاطراف . لايمكن أن تتوحد تحت راية واحدة..

وأما أنا، فأدعو هؤلاء الى التأمل في تقسيمات العالم السياسية، في الحالة الحاضرة .

فان راية واحدة ترفرف على بلاد شاسعة تمتد بين المحيط الاطلسي والمحيط الهادي ، في أمريكا الشمالية، وراية واحدة أخرى تظلل بلاداً مترامية الأطراف تمتد من بحر البالطيك في غرب أوروبا حتى المحيط الهادي في شرق اسيا..

وفي جنوب آسيا دولة كبيرة تضم ما يقرب من أربعمائة مليون من السكان، وفي شرق تلك القارة ووسطها، دولة أخرى يناهز تعداد سكانها الستمائة مليون..

وهنا ك دولة كبيرة، يفصل بين جزئيها الشرقي والغربي اكثر من ألف وخمسمائة كيلو متر من الأراضي الاجنبية.

وهناك دولة تتألف من نحو ثمانين مليونا من السكان ، مبعثرين على الاف من الجزائر الصغيرة والكبيرة.

فكيف يجوز لأحد، والحالة هذه، أن يشك في امكان توحيد البلاد العربية تحت راية واحدة، مع أن تلك البلاد يتصل بعضها ببعض اتصالا جغرافيا تاما، ومع أن سكانها يرتبط بعضهم ببعض ارتباطا معنويا قويا، بلغة واحدة وبتاريخ مشترك طويل ، وفضلا عن ذلك كله، أود أن أذكر هؤلاء المتشككين، بأن البلاد العربية كانت قد اتحدت فعلا، تحت راية واحدة، والمسافات التي تفصل أقسامها المختلفة لم تحل دون اتحادها في العصور التي ما كانت تعرف البخار والكهرباء، ولا الطباعة والصحافة والاذاعة، في العصور التي كانت تنحصر وسائل المواصلة والمناقلة فيها في الجمال والبغال في البر، والزوارق والمراكب الشراعية في البحر ، فكيف يجوز لاحد أن يعد تلك المسافات مانعة للاتحاد في عصرنا هذا، عصر البواخر والسيارات والطيارات، والراديو والتلفزة التي تغلبت على المسافات وصغرت الأرض تصغيرا هائلا .

لاننسى أننا نعيش الآن في عصر صار الخطاب يلقى في الدار البيضاء- مثلا- فيسمع، في لحظة واحدة، في القاهرة وبغداد، فضلا عن أن الانتقال من شرق الكرة الأرضية إلى أقصى غربها أصبح من الممكن أن يتم في مدة أقصر من المدة التي كان يقتضيها الانتقال من بيروت الى أسيوط.. في العصور الغابرة.

فيجدر بنا أن نتساءل ما أهمية هذه المسافات، أمام وحدة اللغة، ووحدة التاريخ ووحدة المشاعر التي تربط البلاد العربية، بعضها ببعض؟

خيالات وحقائق

وقد عرفت طائفة من ضعاف الايمان بالقومية العربية، يقولون على الدوام، إن الوحدة العربية وهم وخيال، فلنكن واقعيين، فلا نسير وراء الخيال… وأما أنا، فأقول لهؤلاء : إن كثيرا من الامور التي كانت من الخيالات في الماضي أصبحت من الامور الواقعية في الحالة الحاضرة، ولاشك أن كثيرا من خيالات اليوم ستصبح- بدورها- من الحقائق الراهنة فى الغد القريب أو البعيد.

ذلك، لان كل الخيالات ليست من نوع أضغاث الأحلام، بل إن للخيال كثيرا من الانواع الخلاقة البالغة الأهمية، في حياة الأفراد والامم، لانها تحوم حول الأمور الممكنة والمرتق بة، وتساعد كثيرا على تحقيق المرغوب والمقصود، وإخراجهما إلى حيز الوجود.

فيجدر بنا أن ألا ننسى : أن الازهار والأثمار- تنبت في مخيلة البساتنة والفلاحين، قبل أن تنمو وتزدهر في الحقول والبساتين.. والعمارات تبنى وتقوم في مخيلة المعماريين، والبواخر تتشكل وتتركب في أذهان المهندسين، والأنصاب والتماثيل تتكون وتقام في مخيلة الفنانين، قبل أن تشاد، وتصنع، وتنحت، وتصب- فعلا- فتخرج إلى عالم الوجود حقيقة.

ولذلك نستطيع أن نقول : إن الخيال مصدر وباعث للكثير من الآمال ، كما نستطيع أن نؤكد : أنه ما من إصلاح تم وتقدم حصل، ولا من نهضة تحققت ورسالة انتشرت، إلا وكانت قد بدأت على شكل مشروع تخيلته الاذهان، وأمل جاش في الصدور، ومثل أعلى توجهت إليه وتعلقت به النفوس.. وأنا لا أتردد في القول : بأن الخيال يكون، في بعض الاحوال أشد حيوية من الوا قع .

لان الواقع الحالي كثيرا ما يمثل الماضي البالي ، في حين أن الخيال الحالي قد يكون مبعثا للمستق

المزيد


حوار الثقافات والصراع بينها

أكتوبر 8th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

hiwar

 

 

في الحوار بين الثقافات

والصراع بينها

 

 

عبد السلام بنعبد العالي

 

 

ليس في نيتنا أن نعود بدورنا إلى ذلك الجدال الطويل الذي خلفه ظهور مؤلف هانتينغتون، لا لأن المقام لا يسمح بذلك فحسب، وإنما اعتقادا منا أن قيمة ما سمي ب  نظرية صراع الحضارات لا تكمن في مضمونها أو في المفاهيم التي تقوم عليها، وليس أيضا في شكلها ودعامتها المنطقية، وإنما أساسا في كونها جاءت في وقت كان فيه العالم في أمس الحاجة إلى أوهام جديدة، وكونها تدين بقوتها الإقناعية لنفوذ المكان الذي ظهرت فيه. لذا سرعان ما تلقفتها الأفواه والأقلام، وأنهكتها الندوات والجدالات فغدت مفتاحا لفهم العصر، بل وتفسيرا لكل الأحداث المتأخرة. بل إننا نستطيع أن نقول إن الاجترار الإعلامي قد حولها إلى رأي عام وبادئ رأي كوني.

من أجل ذلك ربما ليس هناك من مبرر لخوض نقاش فلسفي حولها. وربما كانت أحسن وسيلة لنقدها في نظرنا ليس الخوض في جدالات عقيمة حول تحديد المفاهيم التي ارتكزت عليها، ولا محاولة إثبات فسادها المنطقي، أو تهافتها الفلسفي، وإنما فضح آليات عملها.

لا يعني هذا مطلقا نفي مفعول هاته النظرية وإنما التأكيد على أن قيمتها تكمن أساسا في كونها وفرت دعامة نظرية، وأمدت من كانوا بحاجة إلى نظرية لتبرير أفعالهم. ذلك أن هاته النظرية لم تكن تستهدف الوقوف عند حركة التاريخ بقدر ما كانت ترمي إلى صنعه ورصد آفاقه والمساهمة في خلق ممكناته. فهي تدخل ضمن آليات جديدة أخذت تطبع عالمنا المعاصر لا هي بالآليات المنطقية ولا بالآليات الإديولوجية، مع ما يفترض فيها من تشويه وقلب، وإنما هي آليات تجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد على أنها كذلك. إنها آليات تجعل الواقع مفعولا لما يقال عنه، وهي الآليات نفسها التي تتحكم اليوم في الإشهار والإعلام واستطلاع الرأي.

وعلى رغم ذلك، فلا يعفينا عدم التوقف عند فحوى نظرية صراع الحضارات من الوقوف عند النتائج التي تمخضت عنها وعن الجدال حولها. وما يستوقفنا بهذا الصدد نتيجتان تبلورتا عن هذا المخاض الفكري. أولاهما أن الجدال حول هاته المسألة طرح أمامنا خيارين منفصلين لا ثالث بينهما: إما التسليم بصراع الثقافات، أو القول بالحوار بينها. وهكذا طرح الحوار مقابلا للصراع وبديلا عنه.

-النتيجة الثانية هي أن الصراع أو الحوار طرح بين معسكرين ثقافيين اثنين، مهما اختلفت الأسماء التي أعطيت لهما سواء أكانت التقابل بين الإسلام والغرب، أو معسكر الشر مقابل معسكر الخير.

سنحاول مساءلة هاتين النتيجتين. ولنبدأ بالثنائي صراع/حوار كي نتساءل: ألا يتلبس دوما أحدهما الآخر ؟ هل الحوار هو المقابل الممكن للصراع ؟.

لقد تعودنا القول بأن الحوار طريق سلمي يبدأ بعد أن تهدأ الحروب وتسكت المدافع، وأنه لا ينطوي على علائق قوة، وإنما يخفي سوء تفاهم من شأن تبادل الحجج أن يرفعه. فمقابل اللامعقول الذي يطبع الحروب فإن الحوار يتحكم فيه منطق العقل. ويكفي إبداء حسن النية اللازم والتحلي بخصال الصدق واحترام رأي الآخر كي يرفع سوء التفاهم ويتوصل الطرفان المتكافئان إلى الاتفاق والوفاق والوئام.

لعل ما يتناساه هذا الموقف هو أن أداة الحوار التي هي اللغة هي مرتع تناحر

المزيد


العولمة والفكر القومي العربي

سبتمبر 16th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

tfou1

 

 

 

العولمة والفكر القومي 

 

 

 

بقلم: فتحي محمد الحسن 

 

 

 

مدخل : مأزق إثبات ما هو مثبت: ـ

أن يجد الفكر القومي نفسه مضطراً لإثبات ما هو مثبت، أي وجود الأمة العربية كقومية واحدة يعني أنه يقاتل في الخنادق الخلفية، وفي خط الدفاع الأخير..فقبل عقدين من الزمان لم يكن وجود الأمة العربية محل تساؤل،بل كان مسلمة من المسلمات ومعطىً تاريخياً لا جدال فيه. ربما برزت تساؤلات هنا أو هناك حول حقيقة انتماء بعض الأطراف للعروبة وكيانها في السودان والصومال وإريتريا وموريتانيا، لكنها كانت تدور ولا تزال تحتدم حول الهوية العربية لهذه البلدان… ولم تكن أبداً تتعلق بالحقائق الوجودية للأمة العربية، ولكن الجدال في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وإنفراد الولايات الأمريكية بعظمة القوة واتجاهها الحثيث للسيطرة على العالم، غاص أكثر مما يجب ليطرح سؤالاً ذا مغزى سياسي/ صراعي أكثر منه سؤالاً فكرياً، أي التساؤل حول وجود أمة عربية في الأساس .

بروز هذا التساؤل ـ بغض النظر عن مصادره ـ يعني أن الفكر القومي والعمل القومي يواجهان مصاعب جمة، فليس هناك مؤشر دال على تراجع العمل القومي وحالة الجزر التي يعانيها في العقود الثلاثة الأخيرة أقوى من بروز هذا التساؤل الذي يهز المسلمات الأساسية التي يرتكز عليها الفكر القومي. ثمة أسباب ذاتية وموضوعية تقف وراء حالة الجزر هذه، لكن الضغوط الخارجية في فترة ما بعد الحرب الباردة لعبت ـ ولا تزال دوراً هاماً ومؤثراً في محاصرة وإعاقة التيار القومي، فالولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشيوعي ترى أن الدولة القومية تقف عائقاً أمام هيمنتها الآخذة في التصاعد عسكرياً وسياسياً واقتصادياً والتي يشكل الحفاظ عليها والحيولة دون بروز قطب دولي جديد يعيد التوازن للسياسة الدولية محور الاستراتيجية الأميركية المعلنة منذ العام 2002 وهدفها المركزي. وأحد أوجه تصريف هذه الاستراتيجية يتمثل في إعداد خرائط سياسية جديدة لأكثر من منطقة في العالم وفي مقدمتها منطقتنا العربية، وفي هذا الإطار تندرج مشاريع ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد. والتي تهدف بلا مواربة إلى تفكيك النظام الإقليمي العربي الراهن الذي تؤطره جامعة الدول العربية لسبب رئيسي هو أنه النظام الإقليمي الوحيد في العالم الذي يقوم على رابطة قومية وجغرافية توحد الشعوب الموزعة على البلدان التي تكونه. بقية النظم الإقليمية القائمة في عالم اليوم مبنية على أساس جغرافي فقط، لذلك هي نظم متعددة القوميات بعكس النظام الإقليمي العربي الذي مهما بدا ضعيفاً وهزيلاً ومخترقاً فإن وجوده في حد ذاته يؤكد الحقيقة التاريخية الساطعة في وجود الأمة العربية الواحدة .

رغم خطورة التساؤل عن وجود الأمة العربية إلا أنه يحمل جانباً مشرقاً هو أن فكرة الوحدة العربية منظوراً إليها سياسياً قد كسبت معركة الأفكار وبرهنت على جدواها ومغزاها الحضاري، وأن الخطاب المحبط و المثبط الذي يرتكز على الاعتقاد باستحالة تحققها قد مني بهزيمة فكرية ساحقة خاصة بعد المتغيرات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة … ولا يقلل من قيمة هذا الانتصار الفكري النكسات السياسية التي أصيب بها العمل الوحدوي والتيار القومي .

فانهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي خلف تأكيدات جديدة على الحقيقة القومية وقوة شدها التي صمدت لعقود أمام محاولات المحو المخطط عقائدياً .. من جهة أخرى تؤكد التطورات السياسية في عالم اليوم أنه لا مكان للكيانات الصغيرة التي ليس أمامها غير التبعية والخضوع، وأن التأثير في سياق الحضارة الإنسانية ممكن فقط من خلال الكيانات الكبيرة… أدركت ذلك الشعوب الأوربية على اختلاف هوياتها القومية فسعت بجد إلى الاندماج في كيان إقليمي يتطور بالتدريج وبثبات نحو الوحدة السياسية .. ويوماً بعد يوم يجتذب الاتحاد الأوربي أعضاءً جدداً يختارون بوعي التنازل عن العديد من عناصر السيادة الوطنية لصالح الكيان الأوربي الأكبر..تجربة الاتحاد الأوربي بالرغم من اختلاف سياقها التاريخي إلا أنها تعزز بشكل مباشر وموضوعي وعملي فكرة الوحدة العربية .

لهذا وذاك يتم نقل المعركة ضد الوحدة العربية الآن إلى ميدان آخر بأسئلة جديدة تتجاوز الأسئلة القديمة حول جدوى وإمكانية تحقيق الوحدة إلى التساؤل حول وجود مادتها ومكونها في الأساس، أي وجود أمة عربية بالمعنى الحضاري.. ولهذا انسحبت الإمبريالية الغربية جزئياً من الساحة الفكرية السابقة وفتحت جبهة فكرية جديدة حشدت لها مراكز الإنتاج الفكري في الغرب من مراكز بحثية ومعاهد جامعية وعلماء في تخصصات حيوية في الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع والفلكلور والتاريخ والدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع مراكز ومؤسسات وجامعات عربية تقدم خام المعلومات بوعي وبدون وعي، والهدف هو نشر منتوج فكري مؤسس أكاديمياً ليضخم الفروق بين الأقطار العربية واعتبارها تباينات وتعارضات وتجاهل حقيقتها كتنوع في إطار وحدة الأمة… وفي هذا الإطار يمثل الاهتمام بقضايا الأقليات القومية حلقة واحدة ضمن سلسلة متداخلة من عناصر الهدم. وتلعب منظمة حقوق الأقليات (M.R.G) ومركزها لندن دوراً هاماً في هذا الاتجاه .

مما لا شك فيه أن أسلحة الجبهة الجديدة تختلف عن أسلحة الجبهة السابقة… فالخطاب التبشيري المعمم غير ذي جدوى في هذه الجبهة وخاسر لا محالة .. إن البحوث والدراسات الملتزمة بصرامة بمناهج البحث العلمي هي السلاح الوحيد القادر على كسب المعركة فكرياً. لكن ذلك يقتضي أولاً تحولاً مهما في العقل القومي واستراتيجياته وتكتيكاته .

 

أيدلوجيا العولمة : تناقض الأممي والقومي : ـ

الفكرة القومية كانت عرضة على الدوام للنفي والإنكار من تيارات الفكر اليميني واليساري على السواء… اليمين الإسلاموي بدءاً بمركزه الأخواني والتيارات الإسلامية اللاحقة التي خرجت من جبته تبنت موقفاً عدائياً منذ البداية تجاه الفكر القومي والوحدة العربية حيث بذل الخطاب الإسلاموي جهداً دعائياً هائلاً حشد فيه ترسانة من الآيات القرآنية المنتقاة والمتجزئة والمقتلعة من سياقها ثم تأويلها أيدلوجياً بما يخدم الخطاب الإسلاموي في موقفه من الفكرة القومية، مع توظيف آليات أجاد احتكارها بفضل ابتعاد القوى القومية التقدمية عنها مثل منابر المساجد وكليات الدراسات الإسلامية… ومن خلال مزاوجة نصوص المقدس مع رموزه وفر الخطاب الإسلاموي لنفسه طريقاً مختصرة تتجنب مسالك الجدل والحوار العقلاني في سبيل اجتذاب أعداد متزايدة إلى صفوفه ومحيطه.. وفي قلب هذا الخطاب واجه الفكر القومي حزمة اتهامات تربطه بالعصبية والجاهلية المنتنة من جهة وتربطه بالعلمانية كتعبير عن الإلحاد والعداء للدين… وبالرغم من أن الخطاب الإسلاموي لم ينجح في سحق الفكرة القومية فكرياً وسياسياً إلا أنه حقق انتصاراً واضحاً على مستوى الخطاب والاصطلاح حينما أجبر القوى التقدمية في عمومها على تجنب وصف نفسها بالعلمانية، وعلى الأقل فرض عليها محاولة تقديم تفسير ومحتوى للمصطلح يختلف عن التفسير الإسلاموي ولكن المحاولة لم تحقق نجاحاً يذكر الأمر الذي يعني أن الخطاب الإسلاموي كان حتى وقت قريب هو الذي يحدد ساحة النزال ويتموضع فيها باكراً تاركاً الزوايا الضيقة والضعيفة لخصومه التقدميين… لكن هذه الوضعية أخذت في التغير مع بروز المتغيرات الدولية أواخر الثمانينات من القرن الماضي… انهيار النظام العالمي ثنائي القطبية وبروز نظام جديد قائم على الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية أعاد تشكيل خارطة الخصوم والحلفاء بالنسبة لجميع التيارات خاصة بعد الهجمة الأميركية على المنطقة العربية في أعقاب غزو العراق للكويت… التحدي الخارجي مضافاً إلى تطور الحركات الإسلامية وتزايد انغماسها في الصراع السياسي ساهما في تعديل بعض مفردات الخطاب الإسلاموي حول العروبة والديمقراطية.. ولم تعد غالبية الحركات الإسلامية الفاعلة جماهيرياً ترفض الاعتراف بحقيقة الأمة العربية الواحدة دون أن تتنازل عن دعوتها للوحدة الإسلامية .

وبذلك صارت أقرب إلى أفكار عبد الرحمن الكواكبي الذي كان يرى حسبما يقول المفكر عبد العزيز الدوري (أن العرب قوم متميزون في غنى لغتهم وخصائصهم ودورهم في الإسلام، وهم أحفظ الأقوام لجنسيتهم. ورابطتهم الأولى العربية بصرف النظر عن مذاهبهم وأديانهم. وعلى هذا الأساس يعتبر العرب أمة وموطنها الجزيرة العربية والشام والعراق وشمال أفريقيا. ويرى أن العرب وحدهم المؤهلون لقيادة المسلمين وإصلاح أمورهم، إنه يقرن مجد الإسلام بالعرب) .

الخطاب الإسلامي الراهن يتضمن الكثير من الإشارات الواضحة حول العروبة والأمة العربية ..وإن كان ثمة قضية واحدة متفق عليها في إطار الحوار القومي/ الإسلامي الدائر منذ سنوات فهي قضية الوحدة العربية في منظورها العام مع تكييف كل طرف لها على قاعدة منطلقاته النظرية. هذا الاتفاق يعود بالأساس إلى واقعية فكرة الوحدة العربية وضرورتها التي تتأكد يوماً بعد يوم في عالم ما بعد الحرب الباردة .

على الضفة الأخرى وقف اليسار الماركسي منذ نشأته ضد القومية والفكر القومي إذ لم يكن كارل ماركس يعتقد حين وضع نظريته حول فلسفة التاريخ (المادية التاريخية) بوجود أي فروق بين المجتمعات الإنسانية .. وأن هذه المجتمعات أينما كانت سوف تسلك حتماً ذات الطريق الذي سلكته المجتمعات الأوربية وأن الفروق الثقافية والحضارية الماثلة والتي لا تخطئها عين إنما هي مجرد بني فوقية تتغير لا محالة بتغير البني التحتية من طور وعلى ذلك فإن الظاهرة القومية ليست أكثر من بنية فوقية أفرزتها مرحلة البرجوازية الرأسمالية وإنها لا شك زائلة مع زوال الرأسمالية وانتقال المجتمعات إلى الاشتراكية…انطلاقاً من هذه المجتمعات برزت ملامح الأممية الثالثة.. الخطاب الماركسي ظل بيقينياته هذه من الناحية الفكرية حتى الرمق الأخير وانهيار المعسكر الاشتراكي لكنه من الناحية السياسية كان يتصرف بعيداً عنها خاصة عربياً بفعل الصراع العربي الصهيوني وطبيعته الحضارية…حقائق الواقع كانت أقوى في فعلها وتأثيرها من البناء النظري الذي شيده ماركس ولينين ليس عربياً وحسب بل في الاتحاد السوفييتي نفسه .

العولمة في نسختها الراهنة تطرح نفسها كحل أممي نهائي لمشاكل الإنسانية وفق حتميات شبيهة بالحتميات الماركسية لكنها تتجمد عند الرأسمالية باعتبارها قدر الشعوب وطريقها الوحيد نحو مدارج التطور والتقدم والرقي. وقد عزز انهيار الاتحاد السوفييتي هذه القناعة التي صاغها على نحو تبشيري فرانسيس فوكوياما في أطروحته المعروفة (نهاية التاريخ) ولكنها لم تكن الصياغة الأولى على كل حال فقبل حوالي أربعين سنة من فوكوياما برزت مقولات نهاية الأيدولوجيا فقد أطلق (رايموند ارون) القول بنهاية عصر الأيدولوجيا عقب وفاة ستالين وتبلور الإصلاحات والانتقادات التي أطلقها خروتشوف، وبعده بقليل أصدر (دانييل بل) كتابه الموسوم بـ (نهاية الأيدولوجيا) في العام 1960. الخط العام لإطروحات أرون و بل كان يؤكد انتصار الرأسمالية الغربية من خلال ازدهار الغرب الرأسمالي وبروز دولة الرفاه والتحسن الكبير في نوعية الحياة والتوسع الإنتاجي الهائل مقابل التعثر والنكسات التي مني بها المعسكر الاشتراكي واضطرار الجيش الأحمر لاجتياح المجر وبروز الخلاف الصيني ـ السوفيتي وانكشاف مآسي الستالينية، وإن الشيوعية قد خسرت معركة الأفكار مع الغرب لذلك لم تعد ثمة حاجة للأيدولوجيا (فدولة الرخاء التي تشمل السياسات والتي تعدل ـ لا تحول ـ الرأسمالية الليبرالية هي ما تحدد المستقبل). وحسب أرون وليبست وسيمور مارتين (فإن هذا الانتصار ذاته الذي حققته الثورة الديموقراطية الاجتماعية في الغرب قد وضع النهاية للسياسة على المستوى الداخلي أو المحلي بالنسبة لهؤلاء المثقفين الذين يجب أن تكون لديهم أيدولوجيا أو يوتوبيات تدفعهم إلى العمل السياسي) فالعصر الأيديولوجي قد انتهى (والقضايا الوحيدة الآن هي ما إذا كان من حق عمال المعادن إن يحصلوا على أجر أكبر مقابل سلعة العمل أو ما إذا كان من الضروري ارتفاع أسعار الحليب أو التوسع في تعويضات المتقدمين في السن ) .

لكن المناخ الذي كتب فيه فوكوياما نهاية التاريخ كان مغايراً تماماً لذلك ميز فوكوياما أطروحته بالقول (إن الانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية الغربية لا يؤدي إلى نهاية الأيدولوجيا أو إلى نقاط التقاء بين الرأسمالية والاشتراكية .. ولكن إلى انتصار لا شبهة فيه لليبرالية الاقتصادية والسياسية). فوكوياما لا يقرر فكرة نهاية الأيدولوجيا فهو يدري أن ما يطرحه هو نفسه حول الليبرالية والرأسمالية كخيار إنساني يشكل أيدولوجيا جديدة/ قديمة تتضمن عدداً من المقولات اليقينية كما لاحظ صمويل هنتنغتون هي (الديمقراطية الليبرالية، السوق الحرة، الحكومة المحدودة، حقوق الإنسان، الفردية، حكم القانون) وفق الرؤية الغربية بالطبع…لم تعد الليبرالية موقفاً لا أيديولوجياً كما يحاول الإيهام بذلك بعض معتنقيها، فقد أصبحت في عالم ما بعد الحرب الباردة أيديولوجيا متكاملة البنيان فكرياً وتطرح نفسها في صيغة تتوخى الحياد هي العولمة… لقد كان فوكوياما شديد التفاؤل بشأن اعتناق البشرية للعولمة كقدر وخيار وحيد للدرجة التي تأسف فيها على العالم الذي سوف يصبح مكاناً مملاً يفتقد للمثالية والعاطفية (ستكون نهاية التاريخ حدثاً جد حزين، فالنضال من أجل التميز، والمخاطرة بحياة الفرد من أجل هدف خالص والصراع الأيديولوجي على نطاق العالم الذي يستثير الجسارة والشجاعة والمثالية والخيال، ستحل محلها ج

المزيد


في مفهوم النقيض والديالكتيك السلبي

أغسطس 2nd, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

121767

 

 

 

في مفهوم النقيض .. والديالكتيك السلبي

 

 

 

 

محمد عابد الجابري

 

عندما نقول إن الرأسمالية الإمبريالية العولمية الأمريكية المعاصرة قد أفرزت نقيضها على صورتها، وهي عبارة استعملناها في مقالات سابقة، فنحن نعبر، بصورة مختصرة مختزلة، عن واقع عالمي ومحلي متعدد المكونات متشابك العلاقات. إن الصورة المشخصة التي قد توحي بها هذه العبارة، والتي تختزل الموضوع برمته في رجل اسمه بوش من جهة وابن لادن من جهة، صورة مغرية لأنها مبسطة إلى الحد الذي يريح الذهن! هذا في حين أنها صورة خطيرة على عملية إدراك حقيقة الواقع خطورة الشجرة التي تخفي الغابة. ومهمتنا في هذا المقال بيان ذلك بقدر ما يسمح به المجال.

 

لنبدأ بلفظ النقيض. في اللغة العادية يفيد معنى الضد، فالسواد نقيض البياض أو ضده. ومع أنه لا يوجد بياض مطلق ولا سواد مطلق لأن العلاقات في أشياء العالم الطبيعي علاقات نسبية -الطويل هو دائما أقصر من شيء وأطول من آخر الخ- فإن الفهم العادي يتصور النقيضين كضدين من جميع الأوجه، لا ينتهيان إلى شيء مشترك.

 

ليس هذا هو المقصود بلفظ النقيض في لغة المنهج الجدلي (الديالكتيك) الذي ينظر إلى الأشياء لا من خلال انفصالها عن بعضها انفصالا مطلقا، بل من خلال ارتباط بعضها مع بعض بعلاقات جدلية، علاقات تنتهي بالنقيضين إلى شيء ثالث يتجاوزهما وفي نفس الوقت يحتفظ بشيء منهما. والمهم في مجال العلاقات الجدلية هو أن نتاج النقيضين يمثل دائما تقدما بالنسبة إلى الطرفين الذين يدين بالوجود لهما. وهذا هو معنى التجاوز، ويعبر عنه أحيانا بــ التركيب، وفي اللغة الجدلية الفلسفية يسمى نفي النفي. فنحن ننطلق في تعاملنا مع الأشياء من إثبات صفة أو حكم لها، وأول ما نثبته للأشياء عند كلامنا عنها هو الوجود ونقيضه العدم، وهو نفي الوجود. والناتج من دخول الوجود والعدم في علاقات جدلية، هو نفي النفي : نفي نفي الوجود (أو نفي العدم). فإذا أثبنا الوجود بإطلاق (ليس وجود هذا الشيء أو ذاك بل الوجود كمعطى مطلق) ونفيناه، ثم نفينا هذا النفي، فإن الناتج يكون شيئا آخر نسميه الصيرورة. ولهذا نقول إن ما هو موجود ليس الوجود وحده، ولا نقيضه العدم وحده، بل التحول المستمر من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود وهذا التحول المستمر هو ما نسميه بـ الصيرورة. ومن هنا جاز القول إن العالم كله ظواهر تحكمها الصيرورة، فهو كالنهر لا تستطيع أن تستحم فيه مرتين، فماؤه ينساب باستمرار (كما قال الفيلسوف اليوناني هيراقليطس).

 

هذا التغير المستمر الذي يطبع العالم لا يتم، من وجهة نظر المنطق الجدلي، بصورة تكرارية: فالتحول من النفي إلى نفي النفي لا يعيدنا إلى الإثبات السابق كما وكيفا، بل يعطينا إثباتا جديدا متقدما على الأول، وهذا يعطينا نفيا متقدما عن سابقه يتلوه نفي نفي جديد، وبهذه الطريقة يحصل التقدم أعني الانتقال من وضع أدنى إلى وضع أعلى

 

ذلك هو مفهوم النقيض ونفي النفي في المنطق الجدلي كما شيده الفيلسوف الألماني هيجل وساح به في عالم الفكر، ثم تبناه أحد تلاميذه كارل ماركس وطبقه على عالم التاريخ والمجتمع، ليستنتج : أن التاريخ والمجتمعات في تغير دائم، وأن هذا التغير هو عبارة عن صراع الطبقات، وأن هذا الصراع سينتهي بانتصار النقيض الذي أفرزته الطبقة البرجوازية السائدة في عصره، وهو الطبقة العاملة، الشيء الذي سيؤدي إلى زوال الطبقات واختفاء الدولة التي ارتبط وجودها بوجود الطبقات… وبذلك يبدأ تاريخ آخر خال من الصراع، تاريخ تسود فيه العدالة والمساواة والتشارك في الثروات، وذلك عنده هو معنى الشيوعية.

 

كان هذا النمط من التحليل مثيرا، وفي نفس الوقت يشيع الأمل والحماس والثقة بالمستقبل في نفوس العمال الكادحين وجميع المستضعفين. ومع ذلك فإنه لم يخل من ثغرات لكونه اعتمد أساسا على معطيات تاريخ أوربا وبالخصوص منه القرن التاسع عشر. ومع أن معطيات من التاريخ كانت تؤيد بصورة عامة اتجاه هذا التحليل الماركسي فإن نشاط الأبحاث الاجتماعية والأنثروبولوجية قد أظهر في الوقت نفسه وجود مجتمعات خالية أو تكاد من الطبقات، وهي التي أطلق عليها منذ ذلك الوقت اسم المجتمعات البدائية (مقارنة بالمجتمع الأوربي آنذاك).

 

لقد تبين منذ ذلك الوقت أن هذه الثلاثية السحرية الهيجلية (الإثبات والنفي ونفي النفي) لا تنطبق على هذه المجتمعات التي بقي النفي فيها لا يرقى إلى نفي النفي، ولذلك بقيت كما هي منذ غابر الأزمنة إلى اليوم، تجتر واقعها الذي لم يرق الصراع فيه عن مرتبة الصراع القبلي الذي يدور في حلقة مغلقة محورها: الثأر، والثأر المضاد

 

ومع أن مفهوم الشعوب البدائية يحيل أصلا إلى الأهالي في استراليا (الأبوريجان) وقبائل

المزيد


الليبرالية الجديدة في الوطن العربي

أغسطس 1st, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

121758

 

 

الظاهرة الليبرالية الجديدة في الوطن العربي ـ

 

الدكتور عز الدين دياب

 

 

لا أحد يرفض أن الليبرالية مثلت فتحاً جديداً في دنيا الديمقراطية والمكاسب التي حصل عليها الإنسان من جراء مبادئها، لذلك كانت أشبه بشامة الحسن في الفكر الإنساني غداة تموضعها في المجتمع الأوروبي، بعد انتصار الثورة البرجوازية التي بدأت مهامها على وجه السرعة في تفكيك وإعادة تركيب وتوليف بنية المجتمعات الأوروبية الواحد تلو الآخر، على طريق توافق العلاقات الاجتماعية مع طابع الملكية لآلات الإنتاج الحديثة عهدئذ. وتجاذبتها الحياة الفكرية في المجتمعات الأوروبية بنهم مع الإضافات الثقافية التي حققتها الثورة الصناعية.‏

وكانت مهمة الفكر والفكر الليبرالي على وجه الخصوص، صياغة مفاهيم ومصطلحات لهذه الإضافات التي حققتها الثورة الصناعية والثقافية ومن ثم ملامستها للواقع الأوروبي، بحيث تمتلك القدرة المنهجية النظرية والإجرائية للتعامل السليم مع الظواهر البنائية المستجدة والشروع في تفسيرها.‏

وإذ تكون الليبرالية بهذا القدر، ولـها هذه القيمة فما هي في عالم المفاهيم؟ وما هي معانيها من الأمس إلى اليوم؟‏

هي أولاً وأخيراً من المفاهيم الفكرية التي تفاعل معها بعد أن حسبها على نفسه وأدخلها في بنية مفاهيمه ومصطلحاته الفكر الاجتماعي والفلسفي والاقتصادي والسياسي. وكل علم من هذه العلوم أخذها من زاويته الخاصة زاوية الظواهر التي يدرسها. فزاد من منهجه ما تستوجبه هذه الظاهرة ومعانيها من درس وتحليل وتفسير.‏

فإذا أخذنا التاريخ الفكري لمعاني الليبرالية في الفكر الاجتماعي ـ السياسي، فإننا نجد جوهرها ومعناها الذي أتت به في بداياتها كان “حرر ـ جعل أكثر حرية”(1): وتعني تحرير وإفراج وإطلاق حرية المبادلات الاقتصادية.‏

وتعني أيضاً في قاموس اكسفورد”(2) ليبرالي تعني منفتح الذهن، غير متعصب ومنحاز للإصلاحات الديمقراطية”‏

وفي المعجم الفلسفي المختصر، وهو معجم ماركسي، فإن الليبرالية(3) “تمثل البرنامج الفكري للبرجوازية الفتية التي كانت تناضل ضد بقايا الإقطاع، وتلعب دوراً تقدمياً نسبياً، وتدعو لحماية الملكية الخاصة والمنافسة الحرة، وترسيخ مبادئ الديمقراطية البرجوازية، وإشاعة الحياة الدستورية.‏

ويقول عنها د. مراد وهبة في معجمه الفلسفي(4) “الليبرالية هي نظرية سياسية ترقى إلى مستوى الإيديولوجيا، إذ تزعم أن الحرية أساس التقدم، فتعارض السلطة المطلقة، سواء كانت دنيوية أو دينية.‏

والليبرالية كما جاءت في موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية. العسكرية ـ مصطلحات ومفاهيم(5) ـ بأنها عقيدة أو إيديولوجية المجتمع المدني.‏

ويستبان من المعاني التي أتينا بها عن الليبرالية بأنها من وجهة نظر انثروبولوجية شديدة الصلة بالبناء الاجتماعي وأنساقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بأن لها غايات ومقاصد تتمثل في تطوير تلك الأنساق بما يتفق ويتماثل مع قيم الليبرالية وفلسفتها وأفكارها. ولذلك شكلت مركزاً رئيساً لعائلة من المفاهيم والمصطلحات التي تدور في فكر “الحرية”‏

وهذا بمعنى من معانيه، أن مفهوم الليبرالية خضع للتأويل والتنظير والأدلجة من مواقع فكرية وأيديولوجية متباينة، ومختلفة في اتجاهاتها وما تسعى إليه.‏

إذاً، كان تعدد معنى مفهوم الليبرالية أشبه بالقدر أو الصفة التي لازمته طوال تاريخه، الأمر الذي يفرض عليه عدم الثبات أو الاستقرار على معنى واحد، لأنه في حقيقته الفكرية والمنهجية ابن الناس / البشر “المجتمع” وابن زمانه “التاريخ” وابن مكانه أو بيئته وميدانه “المجال الجغرافي”.‏

وتعددية المفهوم أياً كانت دائرته المنهجية والفكرية يحسب مرة على الثقافة السياسية، ومرة ثانية يحسب على “الثقافة الاجتماعية”، ومرّة ثالثة يحسب على “الثقافة الاقتصادية” ومرة رابعة على “الثقافة الفلسفية”.‏

وفي هذه الحال لا في غيرها. أي على ضوء العلاقة بين “الحرية” و “الليبرالية” تظل الحرية أشبه بالحبل السري الذي يربط مفهوم الحرية داخل دائرته المنهجية وسبل توظيفه في تحليل الظواهر البنائية.‏

والتوظيف الذي يتم لمفهوم الليبرالية من قبل الفكر الإنساني في كل دوائره ومجاله الجغرافي، لابد أن يسيس ويؤول من قبل أولئك الذين بادروا إلى توظيفه في مجال تخصصهم، أو الدائرة الفكرية التي تشكل مجال أو حقل بحثهم وتحليلهم وتفسيرهم.‏

والمعروف أن التعامل بين أهل الفكر ومفهوم الحرية سينتج لا محالة مواقف فكرية واجتماعية وسياسية متباينة في المعنى والاتجاه والتفسير. وفي هذه المواقف سيتجلى على نحو أو آخر الفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الليبرالي.‏

وتتوقف الدراسة قاصدة ذلك أمام لحظة من لحظات توظيف الفكر الإنساني لمفهوم الحرية، فنجد أمامنا النظريات والمنظومات الفكرية التي كانت الخلاصة والمصير المشترك لتلك اللحظة.‏

وهذا في معنى من معانيه يؤكد أن مفهوم الليبرالية مر ولا يزال يمر بمراحل، وفي كل مرحلة كانت لـه فيها سحنته ومعالمه الخاصة. ومع ذلك فإن مستويات توصيف هذه المعالم كانت تختلف أيضاً باختلاف النظرة إلى المفهوم بقوة الخلفيات الفكرية التي تحكمه.‏

ومع ذلك وكما يقول “من بادر” وهو أحد أهم أعلام الفكر الليبرالي. ولـه في مفهوم “الليبرالية” ماله من آراء ووجهات نظر وتفسير، أن قاعدة تحديد هذه المراحل وتأسيسها كان صياغة مفهوم الفرد “في المجتمع الأوروبي”.‏

ونخلص إلى أن الفكر الاجتماعي ـ الأنثروبولوجي بكل مضامينه البنائية أوجد وأسس لإشكالية الليبرالية المتحدرة أصلاً من موقف هذا الفكر من مسألة الحرية.‏

إذاً من المقاربات التي تمت في مسألة “الليبرالية” توالدت الإشكاليات الخاصة بكل مقاربة من هذه المقاربات. لذلك يرى بعض من أقدم على بناء مقاربة(6) فكرية من مفهوم الليبرالية أنها “من أكثر الموضوعات إثارة للإشكالية. فهي من ناحية لا يمكن تحديدها عند نقطة انبثاق معينة زمانياً ومكانياً. ولذا فقد بدأت الليبرالية كتقليد غير واع بذاته. أو بمعنى آخر، إن الأفكار الليبرالية المتباينة، المختلفة، عبر التقليد الليبرالي لا يمكن أن تشكل مذهباً فلسفياً ومتكاملاً لـه منهجية محددة، تحدد أسس التعامل معه”.‏

وبناء على ما تقدم يمكن القول استناداً إلى الشرعية المنهجية المتعارف عليها في العلم الاجتماعي ـ الأنثروبولوجي أن الليبرالية ليست واحدة، وإنما هي مجموعة من الليبراليات “إننا أمام ليبراليات” متعددة. تحمل كل ليبرالية منها على حدة، سماتها المميزة لهاعن سائر الليبراليات الأخرى.‏

ويظهر تحليل المضمون، وهو من المناهج المهمة في العلم الأنثروبولوجي، التي تمت عن بعض الكتب التي درست مفهوم الحرية ـ الليبرالية أن طابع العصر في أحواله الاجتماعية وناسه وفكره شديد الصلة بتنوع تلك الإشكاليات، وتعدد الآراء ووجهات النظر. على قاعدة أن الماء الذي يجري في النهر في لحظة محددة معينة ليس على الإطلاق هو نفس الماء الذي يأتي في لحظة أخرى، وهكذا دواليك.‏

ونخلص إلى أن المقاربة في حل من الغوص والتفصيل في مفهوم الحرية و”الليبرالية” في الفكر الليبرالي. لأن تلك المهمة لها، أهلها وخاصة من أخذ على عاتقه تأريخ الفكر الليبرالي: النشأة والتكوين والنظريات والتوظيف والتفسير(7): “ونحن هنا لسنا بصدد حصر لهذه التعريفات الكثيرة والمتنوعة، لكننا نريد إيضاحاً لهذا المفهوم في سياقه الليبرالي”.‏

هذا السياق الذي يتضمن آلية عمل أمكن من خلالها طرح المفهوم، وفق مقتضيات الظروف والأحوال، وإن شئنا القول، وفق دواعي واقعية ـ تلقائية ـ بالمعنى الليبرالي ـ فرضتها ظروف معينة ودوافع إنسانية. وأيضاً تلبية لحاجة إيديولوجية ـ ليبرالية”.‏

ومادامت الليبرالية على هذا الحال. أي بنت ظروفها ودوافعها وطرق التفكير فيها، فإنها لا يمكن أن تكون أو تشكل مذهباً سياسياً متحيزاً أو مغلقاً. إنها مفتوحة على الأفكار‏

والفلسفات(8):‏

ولا شك أن من أهم مصادر التباين والاختلاف في الليبرالية ومواقفها الملموسة أنها ليست مذهباً مغلقاً، وإنما تجسيد لمقولة النظام الفكري المفتوح”.‏

والليبرالية شأنها شأن الكثير من مفاهيم الثقافة السياسية والفكرية تنازعتها تيارات عدة يمكن استيعابها وتمثلا في التيارات الثلاثة الآتي(9):‏

أولاً ـ التيار المحافظ الذي يرجعه الفكر الليبرالي إلى كل من هوبز وآدم سميث ولوك وهيوم.‏

ثانياً ـ التيار الاجتماعي وتكونت لحظته الفكرية عند كل من جون ستيوارت مل، وتوماس جرين وهوبهاوس وديوني.‏

ثالثاً ـ التيار اليساري، وهو التيار الذي تلاقت فيه الأفكار اليسارية التي كانت وقت ذاك تستقطب دعاة العدل الاجتماعي والمساواة بين الناس. زد على ذلك أصحاب نظريات العدالة في التوزيع. وأشهر من مثل هذا التيار: ولز. آلان رينو ـ بول ريكو.‏

ويفيد البحث والتحليل في تلك التيارات واتجاهاتها أننا أمام ليبرالية سياسية، وليبرالية اقتصادية.‏

الليبرالية السياسية مثلت بجدارة من قبل المفكر الليبرالي رولز (rouls)، في حين أن الليبرالية الاقتصادية أشهرت على يد “كينز” الذي خطا بها خطوات إلى الأمام.‏

وإذا شئت البحث عن دواعي التوصيف بين ليبرالية سياسيّة وليبرالية اقتصادية، فإنك تجد أن تنوع التعامل مع مصطلح كل من “الفرد” و”الجماعة” داخل البناء الاجتماعي، ودورهما في تفعيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هو الذي حدا بهؤلاء إلى عملية الفرز والقول بليبرالية سياسية واقتصادية وتستوقفنا الأفكار السابقة أمام سؤال لـه حضوره واستمراره في الفكر الليبرالي ومنظومته الفكرية، ويشكل موضوعه الأساس مفهوم “الفرد” و”الفردية” وهو هل الفردية مذهب لـه جاذبيته ومكانته في الفكر الليبرالي، أم أنه مجرد نزعة فكرية ليبرالية خامرت وساورت من قال بها وأتى عليها في شرحه وتفسيره ومناصرته لليبرالية؟‏

ويفند السؤال نفسه بابتعاده عن المجانبة الفكرية والتزامه باستحقاقات ما قيل عن مذهب الفردية في الفكر الأوروبي، بأنه كان ولازال حديث العلم الاجتماعي ـ الأنثروبولوجي على اختلاف موضوعاته وتخصصاته، وأن ثمة مواقف فكرية ليبرالية مشروعة ومؤكدة بالبراهين المنطقية من قبل كثرة من أهل الفكر ترجح الرأي الذي يعتقد ويرى أن مفهوم “الفرد” و”الفردية” بأنه نزعة أكثر منه مذهب. ويستندون في ذلك على ن النزعة حمالة لأهداف واتجاهات‏

محددة(10) ويمكن وصف الفردية كنزعة ذات هدف معين، أو اتجاه محدد أكثر من كونها مذهب يقوم على وحدة عضوية متصلة ومنسقة.‏

والملاحظ أن “الفردية” تأخذ مكانتها وقيمتها المميزة في الفكر الليبرالي لأنها تقترن‏

بـ “الحرية” وتندمج فيها. فهي بالأساس مبدأ يقوم على المنافسة الحرة(11).‏

وانطلاقاً من مكانة الفردية هذه فإنها تمثل “عقدة” وكلمة السر جنباً إلى جنب مع “الحرية” في التيار الليبرالي. بل هي المدخل إلى فضاء عالم الليبرالية المفتوح دائماً إلى ما يستجد بشأن الحرية الفردية.‏

وما كان لليبرالية أن تملك هذه القامة في ساحة الفكر الإنساني عند هؤلاء الرواد لو لم تكن الفردية قد أكدت خصوصيتها وسماتها التي تشكل ميزة لها، حيث خصت نفسها بهذه المكانة.(12).‏

ولكن في الطرف الآخر، أو في الجهة النقدية المضادة، وهي الماركسية، نقصد على وجه الدقة من هذه الجهة أولئك الذين جعلوا الليبرالية موضوعاً للدرس والتحليل والتفسير، هؤلاء رأوا أن الليبرالية ليست أكثر من عقيدة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج والمحتكرة لفضل القيمة التي تحققها العملية الإنتاجية(13).‏

ومن المفكرين اليساريين أو الإصلاحيين من يرى أن الليبرالية تشكل دعامة وسنداً للطبقة الوسطى(14).‏

إذاً فإن الليبرالية في كل حالاتها في الفكر السياسي تمثل إشكالية قائمة بين مؤيد وناقد ـ إذا جاز هذا التعبير ـ أو بين من يمثل التيار الليبرالي، وبين من يوجه لـه النقد. وهذه الإشكالية بل قل الإشكالات الليبرالية مستمرة بفعل الموقف الفكري الفلسفي المتجدد من مفاهيمها ومقولاتها، والحلول المطروحة من قبل المجتهدين من الليبراليين. وهذه الآراء في جملتها نقصد المولاة والمجارة، ومن قبل من مارس نقده تجاهها، ترى أن الليبرالية مسكونة بمبادئها الآتية(15):‏

أ ـ وجود الفرد بكل ما يملك من حقوق وواجبات، وما لـه من حرية وقيمة اجتماعية وسياسية وقانونية. وتلك مجتمعة تشكل الأولوية في الحياة الاجتماعية.‏

ب ـ والفرد يملك الحقوق المقرونة بقيمه العليا، ووجوده داخل المجتمع. وتكوينه الاجتماعي والنفسي والسياسي، وهذه الحقوق تتحلى بصفة الاستقلال عن الحكومة.‏

ج ـ وهذه الحقوق لها صلات قرى مع طبيعة النزعة الفردية في حالتها الميتافيزيقية‏

د ـ لكن الحرية الفردية هي المبدأ ـ القيمة الذي يعلو على كل القيم الأخرى الخاص بـ “الفردية” وتفرض نفسها موجبة الاعتراف بمكانتها داخل البناء الاجتماعي من أجل تأمين حقوق الفرد.‏

هـ ـ وتستكمل المبادئ نفسها باستحواذها على قيمتها وحقيقتها الاجتماعية من أن “الفرد” “الإنسان” هو مقياس الحياة الاجتماعية، التي تشكل الجماعة وحدتها الأساس، ولبنتها الأولى.‏

وإذا أخذت الليبرالية أخذاً تاريخياً استناداً إلى مفاهيمها ومصطلحاتها وتفنيدها، والتنظير الفكري والعقائدي الذي رافق مفاهيمها ومصطلحاتها، فإنك تجد من يقدم على توصيف الليبرالية والفرز بين ليبرالية قديمة وجديدة، هو نفسه الذي يميز أصلاً بين “فردية جديدة” وبين “فردية قديمة” ويعلل دعاة الفردية الحديثة قولـهم هذا بأن هناك فردية “حقيقية” وفردية “زائفة” وهذا هو التصور الليبرالي المعاصر أو الحديث(16).‏

والمهم في التفريق أو الفصل بين فردية زائفة وحقيقية، هو الربط على طريقة أو أسلوب لوك ـ بين الفردية ـ الملكية، والفردية ـ الدستورية تحت دعاوى مبدأ “التوازن” داخل البناء الاجتماعي ونظامه السياسي ـ الاقتصادي(17) الذي يضع باعتباره وحساباته تقليص دور الدولة من أجل خلق الفرص، وفسح المجال أمام الأفكار والقيم والرؤية التي حققتها وتبنتها الليبرالية. مثل: التسامح والاختلاف في الرأي، وإعطاء الفرصة للفكر الجديد والخلاق أن يأخذ دوره ووظيفته في المجتمع،وأن يمتلك فرص التطور بعيداً عن أي ممانعة أو عائق، بحيث تكون حرية الفرد المحدد الأول في الثقافة السياسية وفي الفكر الليبرالي(18).‏

المزيد


الإسلام والعروبة

يوليو 29th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

 

323ham

 

 

 

الإسلام والعروبة

 

 

 

 عدنان الرفاعي

 

البحثُ السليمُ الهادفُ إلى معرفةِ عَلاقةِ الإسلامِ بالعروبةِ ، يبدأُ بالبحثِ الصادقِ في دُستورِ الإسلامِ ( القرآنِ الكريمِ ) لمعرفةِ حقيقةِ الإسلامِ ، بشكلٍ مجرّدٍ عمّا أُلصِقَ به من رواياتٍ ومفاهيمَ تُناقضُ جوهرَهُ الذي يبيّنُهُ القرآنُ الكريمُ .. ويبدأُ – أيضاً – بالبحثِ في جذورِ العروبةِ كلغةٍ وثقافةٍ وتاريخٍ لمعرفةِ حقيقةِ العروبةِ بمفهومِها المجرّدِ عن سياساتِ المشروعِ القوميِّ وآليّاتِ تحقيقِه ..‏

 

فالطرحُ السليمُ للمشروعِ الإسلاميِّ يكون نتيجةَ الفَهْمِ السليمِ المجرّدِ عن التاريخِ لكتابِ اللهِ تعالى‏

 

( القرآنِ الكريم ) ، وبإدراكِ الخطِّ الفاصِلِ بينَ المنهجِ وبين تمثُّلِ البشرِ له عَبْرَ التاريخِ .. والطرحُ السليمُ للمشروعِ القوميِّ يكونُ نتيجةَ الفَهْمِ السليمِ المجرّدِ عن أيِّ أيدلوجيّةٍ غريبةٍ عن روحِ هذه الأمّةِ وثقافتِها ، للروحِ الذي حافظَ على لُغةِ هذهِ الأمّةِ وثقافتِها وتُراثِها عَبْرَ التاريخ ..‏

 

إنّ الإسلامَ هو الحاملُ الروحيُّ والعقائديُّ للعروبةِ ، وهو الحامي لِلُغَتِها القوميّةِ عَبْرَ التاريخِ ، وبالتالي هو التربةُ والمُناخُ اللذان تنبتُ فيهما كرامةُ هذه الأمّةِ وشأنُها وعزّتُها ، فالوِحدةُ العربيّةُ ببعدها الجَغرافيِّ لم تتحقَّقْ إلاّ في ظلِّ الدولةِ الإسلاميّةِ .. وبالتالي فالعروبةُ من منظارِ الإسلامِ ليست امتيازاً، فهي تكليفٌ ومسؤوليّةٌ سيُسألُ عنها العربُ إنْ هم تخلّفوا في حَمْلِ رايةِ الإسلامِ إلى البشريّةِ جمعاء ..‏

 

( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ) ( الزخرف : 44 ) ..‏

 

فقولُهُ تعالى ( وَإِنَّهُ ) يعني القرآنَ الكريمَ ، وبالتالي الإسلامَ ، وقولُهُ تعالى ( وَلِقَوْمِكَ ) يعني العُمقَ القوميَّ العربيَّ .. فالإسلامُ شَرَفُ العروبةِ وعِزُّها ورافِعُ شأنِها ، وهو المُكَوِّنُ الثقافيُّ الأوّلُ لها.. وقولُهُ تعالى ( وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ) يُبيّنُ مسؤوليّةَ العروبةِ في حملِ لواءِ الإسلام ..‏

 

ولذلك فالشرَفُ والرِّفعةُ والعِزّةُ التي سمى بها العربُ بحملِهِم للواءِ الإسلامِ ، ستؤولُ إلى غيرِهِم إنْ هم تولَّوا عن حملِ هذا اللواءِ كما يَجِبُ عليهم .. ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ( محمد : 38 ) ..‏

 

والعروبةُ هي الحامِلُ اللغويُّ والثقافيُّ والتاريخيُّ للإسلامِ ، فالبلادُ العربيّةُ انتشرَ فيها الإسلامُ أثناءَ الفتوحاتِ الإسلاميّةِ انتشارَ النارِ في الهشيم ، لأنَّ الثقافةَ العربيّةَ ليست غريبةً عن روحِ الإسلام ، والعربُ حملوا – في بدايةِ الدعوةِ – رسالةَ الإسلامِ على أكتافِهِم إلى مشارقِ الأرضِ ومغاربِها ….. والقرآنُ الكريمُ عربيُّ اللغةِ ، ودلالاتُ كلماتِهِ التي هي أحكامُ الإسلامِ ، لا يفهمُها إلاّ من يتكلَّمُ العربيّة ..‏

 

( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( يوسف : 2 ) ..‏

 

( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) ( الشعراء : 193 – 195 ) ..‏

 

والعروبةُ كَلَُغةٍ هي مُقدِّمةُ الإسلامِ مُنذُ آدمَ عليه السلام .. فالمُفرداتُ القرآنيّةُ ( التي هي جزءٌ من مُفرداتِ اللغةِ العربيّة ) فِطريّةٌ مُوحاةٌ من اللهِ تعالى ، علّمها اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام ، قبل أنْ يَهْبِطَ بها إلى الأرضِ .. والعربُ الأميّونَ حافظوا على هذه المُفرداتِ حتى بُعثَ الرسولُ محمّدٌ( ص ) بكتابٍ مصوغٍ من هذه المُفردات التي هي أصلُ كلِّ لُغاتِ البشر ..‏

 

فقولُهُ تعالى ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ( البقرة : 31 ) ، يتقاطعُ مع قولِهِ تعالى ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) ( النحل : 89 ) عِندَ هذه الحقيقةِ .. فالأسماءُ كلُّها علّمَهَا اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام ، والقرآنُ الكريمُ تحمِلُ مُفرداتُهُ تبياناً لكلِّ شيءٍ ، وبالتالي تبياناً للأسماءِ كلِّها التي علّمَهَا اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام ..‏

 

وقد تأكّدتْ هذه الحقيقةُ في النظريّةِ الخامسةِ ( إحدى الكُُُبَر ) ( * ) ، حيث تبيّنَ أنّ الحرفَ في المُفردةِ القرآنيّةِ هو واحِدَةُ معنى ، واللَبِنَةُ الأولى في بناءِ دلالاتِ الكلمةِ .. وهذا ما كان ليكونَ إلاّ إذا كانتْ المُفردةُ القرآنيّةُ فِطريّةً مُوحاةً من اللهِ تعالى ..‏

 

فالإسلامُ يلتقي مع العروبةِ عِندَ عُمقٍ عالميٍّ يشْمَلُ البشريّةَ جمعاء .. فعالميّةُ الإسلامِ كدينٍ ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) ( الأعراف : 158 ) ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ( سـبأ : 28 ) ، تلتقي مع عالميّةِ المُفرداتِ القرآنيّةِ كَلُغةٍ أولى للبشريّةِ نَطَقَ بها أبو البشريّةِ جمعاء ( آدمُ عليه السلام ) ، قبل أنْ تبتعدَ لُغاتُ البشرِ عن اللغةِ الأمِّ ( المفرداتِ القرآنيّة ) ..‏

 

فلا بُدَّ أنْ يكونَ الكتابُ الذي أُنزلَ مع الرسولِ محمّدٍ ( ص ) [ القرآن الكريم ] ، بلغةٍ هي أصلُ لسانِ البشريّةِ جمعاء ، تحقيقاً لقولِهِ تعالى .. ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) ( إبراهيم : 4 ) .. فاللغةُ الأمُّ لكلِّ لغاتِ العالمِ هي المفرداتُ القرآنيّةُ ، حيثُ تفرّعتْ لُغاتُ البشرِ عن المفرداتِ القرآنيّةِ وابتعدَتْ عنها مع الزمن ، باستثناءِ العربِ – الأمّيّين لغةً – الذين حافظوا على لُغةِ السماءِ حتى مجيءِ الكتابِ المصوغِ من هذه المفرداتِ ، وهو القرآنُ الكريمُ الذي تولّى اللهُ تعالى من خلالِه عَمَلِيّةَ الحِفظِ هذه ..‏

 

وعالميّةُ الإسلامِ تلتقي مع عالميّةِ العروبةِ عند البيتِ الحرام ..‏

 

( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) ( البقرة : 125 )‏

 

( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) ( آل عمران : 96 ) ..‏

 

( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) ( المائدة : 97 ) ..‏

 

فالبيتُ الحرامُ الموجودُ على أرضِ العروبةِ ، هو أوّلُ بيتٍ وُضعَ للناسِ دون استثناءٍ ، مثابةً وأمناً وقياماً ، فالبشريّةُ جمعاءَ تلتقي كروحٍ وتاريخٍ عند المقدّساتِ الإسلاميّةِ العربيّة ..‏

 

وهكذا نرى أنَّ عالميّةَ رسالةِ الإسلامِ كَلُغَةٍ ( القرآن الكريم بمفرداتِهِ الفطريّة ) ، وكمكانٍ مقدّسٍ‏

 

(البيت الحرام ) ، تلتقي مع عالميّةِ العروبةِ كلغةٍ وتاريخٍ وثقافة ….. هذا التقاطعُ بين عالميّةِ الإسلامِ والعروبةِ نستشِفُّهُ من الدلالاتِ المجرّدةِ للصورةِ القرآنيّةِ التالية ..‏

 

( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) ( الأنعام : 124 ) ..‏

 

إنََّ القوميّةَ مبنيّةٌ على أساسِ اللغةِ ، فاللغةُ هي وِعاءُ ثقافةِ الأمّةِ ، وساحةُ تفاعلِ أبنائها مع بعضِهِم عَبْرَ التاريخ .. والإسلامُ لم يأتِ لإلغاءِ لُغاتِ البشرِ ( وبالتالي لإلغاءِ قوميّاتِهم ) ، فالقرآنُ الكريمُ يبيّنُ لنا أنَّ اختلافَ لُغاتِ البشرِ ( ألسنتِهِم ) هو آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى ، شأنُهُ بذلك شأنُ اختلافِ ألوانِهم ..‏

 

( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ )‏

 

( الروم : 22 ) ..‏

 

.. فلا يمكنُ للقوميّةِ أنْ تكون ديناً وعقيدةً ، وإذا جعلناها كذلك نكون قد ألغينا وجهَهَا الإنسانيَّ ، واستبدلناهُ بعنصريّةٍ ضالّة .. ولا يمكنُ للدينِ أنْ يكونَ متعلِّقاً بحدودٍ جَغرافيّةٍ وخاصّاً بقوميّةٍ محدّدةٍ وجنسٍ محدّدٍ من البشرِ ، وإذا جعلناه كذلك سيصبحُ وضعيّاً من صُنْعِ البشرِ ، وَنَتَاجَ سِلبيّاتِ‏

 

تاريخِهم ..‏

 

نحنُ العربَ نفتخرُ بالغزاليِّ ( الخُراسانيِّ المولدِ من مدينةِ طوس ) ، وبابنِ سينا ( البُخاريِّ المولدِ من قريةِ أفشنة ) ، وبالفارابيِّ ( التركستانيِّ المولدِ من قريةِ فاراب ) ، وغيرِهِم ممّن رفعوا سويّةَ التراثِ العربيّ .. فما جاءَ بهم إلى ساحةِ العروبةِ هو الإسلامُ ، فلولا الإسلامُ لكان هؤلاءِ فلاسفةً في قوميّاتِهِم وعَبْرَ لُغاتِهِم القوميّةِ ، ولربّما كان بعضُهُم من أعداءِ العروبةِ ثقافةً وفكراً ..‏

 

وحتى لا تختلطَ علينا الأمورُ في إدراكِ الرابطِ الذي يصلُ الإسلامَ بالعروبةِ ، لا بُدّ من إدراكِ الخطِّ الفاصلِ بين العروبةِ كانتماءٍ وثقافةٍ ولغةٍ وتاريخٍ من جهةٍ ، وبين العروبةِ كمشروعٍ سياسيٍّ من جهةٍ أُخرى .. أي علينا أن نُدرِكَ الفارقَ بين مُكوِّناتِ العروبةِ من جهةٍ ، وبين مُكوِّناتِ المشروعِ القوميِّ من جهةٍ أُخرى ..‏

 

ولا بُدّ من إدراكِ حقيقةِ الإسلامِ كعقيدةٍ وشعائرَ ونواميسَ شرعيّةٍ يحملُها القرآنُ الكريمُ من جهةٍ، وبين الإسلامِ كمشروعٍ سياسيٍّ هادفٍ إلى إقامةِ الدولةِ على أساسٍ مذهبيٍّ وِفقَ نموذجٍ محدّدٍ بمرحلةٍ تاريخيّةٍ من جهةٍ أُخرى .. أي علينا أنْ نُدرِكَ الفارقَ بينَ حقيقةِ الإسلامِ كما يريدُهُ اللهُ تعالى من جهةٍ ، وبين ما لُبِّسَ عليهِ عَبْرَ التاريخِ من جهةٍ أُخرى ..‏

 

فحينما يلتقي القوميّونَ على إدراكِ حقيقةِ العروبةِ وحقيقةِ مكوِّناتِها كلغةٍ وثقافةٍ وفكرٍ ، بشكلٍ مجرّدٍ عن مُكوِّنات المشروعِ القوميِّ كسياسةٍ ومقوّماتِ دولةٍ وكعصبيّةٍ تاريخيّةٍ ، سيجدونَ العروبةَ انتماءً ونَسَباً لا يرتقي إلى مُستوى العقيدةِ التي ارتقى إليها الإسلامُ ، وأنّها ليستْ امتيازاً داخلَ الإطارِ الإسلاميِّ ، بل هي مسؤوليّةٌ إضافيّةٌ داخلَ هذا الإطار ..‏

 

وبالتالي فإنّ طرحَ المشروعِ القوميِّ كدولةٍ تُلغى فيها الحدودُ الجَغرافيّةُ بين الأقطارِ العربيّةِ ، يحتاجُ إلى إلغاءِ الحدودِ الاقتصاديّةِ ، وإلى إلغاءِ سلبيّاتِ الحدودِ الدينيّةِ والمذهبيّةِ التي اصطنعها البشرُ ونسبوها إلى السماءِ .. أي يحتاجُ إلى رفعِ العروبةِ من مُستوى الانتماءِ ( كتاريخٍ وجَغرافيا ) إلى مُستوى عقيدةِ الضرورةِ الحضاريّةِ التي تحفظُ التعدّديّةَ الدينيّةَ والمذهبيّةَ كضرورةٍ ثقافيّةٍ وفكريّةٍ ، للحفاظِ على مُختلفِ ما أنتجتْهُ الثقافةُ العربيّةُ عَبْرَ التاريخ ..‏

 

وحينما يلتقي الإسلاميّونَ على إدراكِ حقيقةِ الإسلامِ وحقيقةِ أُسُسهِ التي أنزلها اللهُ تعالى ، بشكلٍ مجرّدٍ عن بعضِ الإضافاتِ التاريخيّةِ التي حُسِبَتْ على الإسلامِ والإسلامُ منها براء .. سيجدونَ الدولةَ الإسلاميّةَ ضرورةً اجتماعيّةً تُقَدَّرُ بظروفِها الحضاريّةِ ، شريطةَ أنْ يتوفّرَ فيها تطبيقُ منهجِ اللهِ تعالى على المسلمين ، وشريطةَ أن يضمنَ المسلمُ حريّةَ عبادتهِ للهِ تعالى ، وحريّةَ ممارسةِ اعتقادِهِ .. وبالتالي سيجدونَ هذه الدولةَ مستوعِبَةً للآخَرينَ ،مع حريَّتِهِم الكاملةِ في مُمارَسَةِ شعائرِهِم وكامِلِ حقوقِهِم وواجباتِهِم الموازيةِ تماماً لحقوقِ المسلمينَ وواجباتِهِم ..‏

 

فحقُّ المواطَنَةِ محفوظٌ في الدولةِ الإسلاميّةِ لكلِّ أبناءِ الوطَنِ مهما كانت دياناتُهُم ومذاهبُهُم‏

 

( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( الممتحنة : 8 – 9 ) ..‏

 

وسيجدُ الإسلاميّونَ أنّ الدولةَ الإسلاميّةَ مُحدَّدَةَ النموذجِ سياسيّاً وِفقَ صبغةٍ محدّدةٍ مماثلةٍ‏

 

(سياسيّاً) لمرحلةٍ تاريخيّةٍ محدّدةٍ ، هي دولةٌ غيرُ موجودةٍ في القرآنِ الكريمِ ، ولا في استمراريّةِ السياقِ التاريخيِّ ، وذلكَ للأسبابِ التالية :‏

 

[ 1 ] – القرآنُ الكريمُ فيما يتعلّقُ بمسألةِ الشورى ، وما يترتّبُ عليها من آليّةٍ سياسيّةٍ ، دلالاتُهُ مفتوحةٌ وليست مؤطّرةً بقالبٍ محدّدٍ .. فمسألةُ الشورى في كتابِ اللهِ تعالى تحملُها ستُ كلماتٍ في عِبارتين .. العِبارةُ الأولى تَصِفُ عَلاقَةَ الحاكِمِ بالمحكومينَ : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ( آل عمران : 159 ) ، وهي كما نرى لا تُحدِّدُ آليّةً مُحَدَّدَةً لهذه العَلاقَةِ ، والعِبارةُ الثانيةُ تَصِفُ إيصالَ الحاكِمِ إلى الحُكمِ وعَلاقَةَ المحكومينَ مع الحاكِمِ ومع بعضِهِم بعضاً : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى : 38 ) ، وهي كما نرى لا تُحدّدُ آليّةً مُحَدَّدَةً لهذه العَلاقات .. فالشرطُ الوحيدُ في مسألةِ الشورى هو العدلُ والصدقُ والأمانةُ ومشاركةُ جميعِ أبناءِ الأمّةِ ، وبالتالي فكلُّ آليّةٍ ديموقراطيّةٍ تضمَنُ هذا الشرطَ هي آليّةٌ إسلاميّةٌ تحملُها هاتان العِبارتان القرآنيّتان ..‏

المزيد


أنتروبولوجيا التنمية الثقافية

يونيو 7th, 2008 كتبها عزالدين القوطالي نشر في , نصوص فكرية

121283

أنتروبولوجيا التنمية الثقافية

د.عز الدين دياب

 

 

 

توطئة‏

 

سؤال الدراسة عن وجه العلاقة بين علم الإنسان الأنتروبولوجيا والتنمية الثقافية في الوطن العربي لا يريد على الإطلاق أن يبحر في تعريف علم الإنسان والتنمية والثقافة فقد مضى فيها القول الاجتماعي والأنثروبولوجي والأدبي حتى باتت هذه العلاقة واضحة وضوح الشمس.‏

إذاً ما القصد من السؤال وما هي غاياته؟‏

أنثروبولوجيا التنمية واحدة من عائلة العلم الأنثروبولوجي، ولها إسهامها الخلاق في مجال التنمية الإنسانية، لأنها انطلقت من معرفة حقيقية بالإنسان، وعلاقته الوثيقة بثقافته، والتأثير المتبادل بينهما.‏

غير أن أنثروبولوجيا التنمية في الوطن العربي انطلقت من رؤية أهمية الإنسان العربي في عملية التنمية. بحيث تبدأ منه وتنتهي به، لأنه وحده شرط نجاح التنمية،وأحد أهم مكونات المشروع الحضاري العربي المتمثل أولاً وأخيراً بالوحدة العربية، على اختلاف مستوياتها ونظمها، والعدالة الاجتماعية والديمقراطية غير المشروطة بشروط تعجيزية تصرفها عن مهامها.‏

وإذ تقترن التنمية بالإنسان العربي وثقافته على ضوء الأصالة والمعاصرة، فإن هذا الاقتران يريد أن يوضح قضايا عدة تأتي في متن الدراسة، وأبرزها التحديات التي تواجه التنمية، وفي القلب الإنسان العربي ودوره ومهامه وتطلعاته وغاياته القريبة والبعيدة.‏

وسؤال كهذا يبدأ من أطروحة تقول هل واجب أنثروبوجيا التنمية في الوطن العربي أن تنطلق من رؤية وجود الماضي في الحاضر. ووجودهما معاً في المستقبل لأن الماضي كزمن يتداخل في الحاضر والمستقبل.‏

وهذه الرؤية/ الأطروحة تُشَرِّع لنفسها على سبيل المثال لا الحصر، إقامة علاقة منهجية بين رماة النبل في معركة بدر، ورماة الحجر في فلسطين. الرمية الأولى شكلت الماضي، والرمية الثانية شكلت الحاضر. وتداخل ماضي الأولى مع حاضر الثانية يقوم على مشتركات ثقافية/ إيمانية أقواها حب الوطن والعروبة، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله، وحمل الرسالة العربية القومية بإنسانية العروبة إلى المجتمعات والشعوب الأخرى في العالم.‏

وبادئ ذي بدء توضح الدراسة قولها في أطروحة التداخل بين الماضي العربي وحاضره. رماة النبل في بدر، ورماة الحجر في فلسطين لا من أجل تقديس الماضي فقط، وإنما هو بمثابة دعوة منهجية للتعامل مع التجربة الاجتماعية على ضوء التداخل والتساند الوظيفي بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وما فيها من حركة وإيقاع ونواميس ومعطيات ومؤشرات نابعة من حقائق الأمة العربية الموضوعية والذاتية.‏

والدعوة إلى التعامل مع حقائق الأمة العربية وتجاربها الاجتماعية في سيرورتها المحلية والوطنية والقومية تريد أن تنأى بالدراسة عن الامتثال الآلي للتجربة العربية، وأن تبتعد عن لغو المقارنة بالآخر، لأن فيه مستويات من التضليل.‏

وإذ تُذَكّر الدراسة ببدر فقصدها أن تقول قولاً صحيحاً في رماة الحجر حيث لو قدر لهم وهم يخوضون معركة تحرير فلسطين بالحجارة مساندة سياسية وكفاحية في وقت واحد، وأخوة تضامنية مقاتلة من قبل أبناء الوطن العربي كله في مشرقه ومغربه لفعلوا الأعاجيب، ولقلبوا المعادلة بين البر والبحر قلباً كاملاً، وأعادوا الأمور إلى مجاريها وأنهوا حالة الانكسار.‏

إذاً، للمرة الثانية فإنَّ أطروحة تداخل الماضي بالحاضر والمستقبل، ووجود المستقبل في الحاضر والماضي تعني الدعوة للتفاعل مع التاريخ العربي في كل قضاياه، وقراءته قراءة معاصرة على ضوء أهمية الوحدة العربية في معركة المستقبل العربي، التي تبدأ من العمل العربي المشترك، والتضامن العربي، والسوق العربية المشتركة، والمجالس العربية، والوحدات الفدرالية البعيدة كل البعد عن المحاور والعصبية الجهوية.. إلخ.‏

والتاريخ العربي في كل حالاته ذاكرة ودروس مستفادة وخبرة وعمل ورؤية، ولهذا كله لا بد أن يكون لمنطق السياسة حضوره في القول عن أنثروبولوجيا التنمية في الوطن العربي على ضوء الأصالة والمعاصرة.‏

وتبدأ هذه الدراسة مداخلتها في الدعوة للالتحام مع التاريخ العربي في كل قضاياه وأحداثه ودروسه لأنه ذاكرة الشعب العربي في أجياله المتعاقبة، الواحد تلو الآخر بعيداً عن لغو المقارنة مع الآخر كما أسلفنا، وإنما الاعتماد على التجربة الاجتماعية العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وما فيها أيضاً من دروس مستفادة.‏

وهذا معناه أن يصبح التعامل مع التاريخ العربي وما فيه من تجارب اجتماعية وثقافية أحد أهم موضوعات الخطاب الاجتماعي العربي، جنباً إلى جنب مع منطق السياسة وحضورها في هذا الخطاب من أجل أن يجيد علماء الاجتماع العرب تحويل كتاباتهم إلى خطاب اجتماعي بكل ما تعني هذه الكلمة من التزام وتجسيد ووصف ورؤية مستقبلية لحركة الواقع العربي لا بد لهم ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ من نسج العلاقة التاريخية والمنهجية بين رماة الحجارة في فلسطين ورماة النبل في معركة بدر. ولا بد لهم من الاعتراف أن شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وحب الوطن والعروبة تمثل القاسم المشترك بينهم ووسيلتهم نحو العروة الوثقى وأداتهم للتغير العام.‏

 

التراث بيننا:‏

إذا هي دعوة للالتحام مع التاريخ العربي في كل قضاياه، لأنه ذاكرة الشعب العربي. من أجل هذا كله،ومن أجل أن يبدأ هذا العمل التاريخي في الخطاب الاجتماعي العربي الذي سيكون للفكر القومي إسهامه فيه لا بد أن يكون لمنطق السياسة حضوره في هذه المشاركة.‏

السياسة تبدأ من اعتبار أن الحرب الثالثة بين العرب والكيان الصهيوني وما تمخض عنها من نتائج كانت بداية لتساؤلات نقدية أخذت حيزها في نسق الثقافة السياسية ـ الاجتماعية العربية المعاصرة، لأن هذه الحرب وإن استهدفت المزيد من ضم الأراضي العربية إلى الكيان الصهيوني فإنها كانت تعني في الدرجة الأولى توجيه ضربة مؤلمة إلى الإنسان العربي ونسف قيمه ومعتقداته، وهز مرتكزاته النفسية، والإخلال بتوازنه الفكري والاجتماعي والسياسي.‏

وسواء شئنا أم أبينا فإنّ الصهيونية قد أصابت في حربها هذه بعض أهدافها بدقة، ونجحت إلى حد ما في خلق المناخ النفسي الملائم لها لتقوم بحربها الثقافية المتمثلة في إفراز عناصرها الثقافية وتسريبها إلى الثقافة العربية ثم إيصالها خطوة خطوة إلى الإنسان العربي بقصد الإجهاز على ما تبقى من ممانعة في شخصية الأمة العربية وثقافتها.‏

وعلى طريق الحرب الثقافية ضد العرب التي شاركت فيها عدة أطراف دولية استنفرت هذه الأطراف كل تقنياتها الإعلامية وإمكانياتها الفكرية لتبدأ من حيث توقف العدو الصهيوني، وأصبح ما تبقى داخل شخصية الإنسان العربي من إيمان بدينه وعروبته واعتزاز بتاريخه، وتصميم على إنجاز مشروعه الحضاري هدفاً مباشراً واستراتيجياً للضربة المقبلة.‏

وكانت بداية البدايات في هذا المنحى تكريس الهزيمة ودعم العدوان الصهيوني وتبريره وإضفاء الشرعية عليه عن طريق هذا السيل الجارف من العناصر الثقافية التي تريد الإحاطة بالإرادة العربية وتطويقها بكل المحددات الثقافية التي تجعلها على صورتها هي.‏

وثمة عوامل ثقافية قديمة ووسيطة ومعاصرة نابعة من طبيعة الحياة الثقافية العربية ـ شأن كل الثقافات ـ تشكل عوامل مساعدة للثقافات التي تحاربها في محاولاتها المتعددة لتدجين المواطن العربي، ووضعه بمستوى من الحيادية التي تمنعه من ممارسة دوره الحضاري. لكن المجانية التي حددت، على ما يبدو، قدراً له، لا تنبع من فراغ، وإنما تبدأ من خلال مجموعة من الأسس والمقدمات، حيث تحركت العديد من الجهات الداخلية والخارجية لإيجادها وإكثارها في الحياة العربية وهي:‏

ـ توفير حالة من القلق النفسي والاجتماعي والسياسي داخل الحياة العربية.‏

ـ تسهيل نمو واضطراد العوامل التي تدفع الفرد العربي إلى التخلي عن قيمه القومية وأهدافه الوحدوية.‏

ـ إيجاد الأجواء والظروف المناسبة التي تقود الفرد العربي نحو الانحراف النفسي والاجتماعي والسقوط في القيم التي تطرحها الثقافات الأجنبية الغازية مثل تنمية وتقوية نزعة الاستهلاك، وتثبيت وتعزيز الدوافع والاتجاهات الإقليمية والعشائرية.‏

ـ إشاعة نمط الرجل المناسب في المكان غير المناسب، وتنشيط سلوك الشطار، و(الزعران) في كل مستويات الحياة اليومية.‏

ـ ضرب المرتكزات الثقافية التي تشكل ثوابت للشخصية العربية من أجل تمرير عناصر الثقافة الأجنبية التي تطرح نفسها بدائل لتلك الثوابت.‏

ـ إنماء الازدواج الثقافي داخل النسق الثقافي العربي بمستوييه الوطني والقومي.‏

ولا شك أن هذا النمط من السلوك الذي يتكاثر بين الشباب العربي يعود إلى عدة أسباب أهمها في رأينا:‏

1 ـ الفشل في تصعيد وتائر العمل العربي المشترك بصياغته التوحيدية.‏

2 ـ تعاظم الاتجاهات القطرية، وتخلف القيادة عن الطليعة، والطليعة عن الشعب.‏

3 ـ عدم قدرة الفكر العربي على إيجاد نظريته السياسية التي تكون بمثابة دليل عمل للقوى السياسية المؤمنة بالتعددية السياسية.‏

أمام هذا الواقع المحفوف بالمخاطر من كل جانب، كان على الجيل المؤمن بعروبته من علماء الاجتماع السياسي والثقافي من أبناء الوطن العربي أن يعلنوا النذير لإيقاف الانزلاق الحضاري العربي الذي تسير نحوه الأمة العربية بخطى سريعة بعد أن أذاقتهم هزيمة الخامس من حزيران المر.‏

وليس محض صدفة هذه الملتقيات والندوات التي تعقد في أكثر من مكان من الأقطار العربية تحت شعارات متعددة وأهداف استراتيجية معلنة، وإنما هي دلالة على يقظة روح الالتزام لدى هذا القطاع الجدي من العلماء، الذين كانت نقطة تحركهم تلك الأسئلة النقدية التي وجهت إلى الواقع العربي المعاصر وإشكالاته، ومنطق الخطورة فيه، وتأثيرها في التحديات التي تهدد مصير الأمة العربية في بعديها الداخلي والخارجي.‏

وثمة مسالك سلكها أصحاب العلم والمعرفة ممن قدروا على تجاوز مصالحهم الذاتية والتعفف عن إغراءات فرق البحث الأجنبية، والقفز من فوق انتماءاتهم السابقة لينتسبوا إلى الأمة العربية ومصيرها ومستقبلها، وتمثلت هذه المسالك في الخطوات التالية:‏

* تكوين الفكر النقدي النابع من الإطار المعرفي للوطن العربي وتعميمه على أكبر القطاعات من أبناء الأمة العربية.‏

* إحياء التراث العربي والعودة إليه من أجل نقده وتفسيره واستلهامه.‏

* وضع الخصوصية كلحظة من لحظات العالمية أداة إرشاد في التعامل المعرفي مع التراث وفي تحليل البنى الاجتماعية العربية خلال تطورها.‏

* ترتيب التناقضات حسب أولويتها في البنى الاجتماعية والفكر السياسي وفرزها إلى جملة من الموضوعات البنائية، وتسليط أسلحة العلم الاجتماعي عليه بهدف معرفة ظروفها الموضوعية والذاتية.‏

 

غاية هذه الدراسة:‏

وفي هذه الدراسة لسنا مطالبين بتقديم كشف حساب عن إنجازات ذوي الاختصاص الذين وحدوا في ذواتهم بين الثقافة والنضال.‏

الغاية أن نشير إلى إشكالات الثقافة والشخصية، بالقدر الذي تخدم فيه الإنسان العربي، وعلى هذا الأساس فإن التعامل الذي نقيمه مع الثقافة يكون له مهمة مزدوجة:‏

ـ استخدام الثقافة كمادة نقدية تساؤلية.‏

ـ وضعها كوسيلة كفاحية في إثارة المسائل وحلها، وإعطاء إمكانات للشباب العربي ليرى مشكلاته أو أزمة واقعه بوضوح، من أجل أن يلتمس التحديات التي تحاصره وتهدد مستقبله.‏

تأسيساً على ذلك، فإن صياغة المشكلة الثقافية تبدأ من خلال البحث عن طبيعة العلاقة الجدلية بين الإنسان وثقافته، من أجل معرفة إشكالات هذه العلاقة وما يترتب عليها من ظواهر داخل شخصية الإنسان.‏

والمعرفة التي نتوخاها ونؤكد عليها، هي المعرفة التاريخية للثقافة، وليست المعرفة الإيديولوجية، والغاية التي نسعى إليها هي إعطاء هذا التعامل حقه في تقصي أنماط التأثير المتبادل بين الإنسان وثقافته، ومن بعد سبل توظيفها في إحياء الشخصية وتنظيم ردود فعلها، وإعلاء انتماء الفرد العربي لوطنه وأمته. ومن أجل أن يتاح لنا ذلك فإننا نضع المسائل التالية بوصفها نقاط عمل:‏

ـ صياغة المشكلة وفق منطقها الداخلي، وتكوين المفاهيم والمقولات القادرة على التعامل مع الثقافة العربية وتحليل أنماطها الرئيسية والثانوية، وكذلك عناصرها البسيطة والمركبة، ومفاهيمها الدارجة وما تعبر عنه من معان وأفكار وأحكام.‏

ـ الاعتماد على المنهج التاريخي في دراسة العلاقة بين الثقافة والشخصية، والذي يعني المعرفة العلمية المنظمة للظروف الداخلية للوطن العربي في ماضيه وحاضره.‏

ـ الاتكاء على مفهوم الخصوصية والأصالة باعتبارهما ضمانة للباحث الذي يطمح لدراسة التاريخ الاجتماعي للأمة العربية خلال استمرارها التاريخي.‏

ومن نقاط العمل هذه، يظهر لنا أن الدراسة تتكون من عدة محاور تفترق وتلتقي حول اهتمام التنمية بالإنسان العربي، باعتباره الحلقة المفقودة في برامجها وخططها الراهنة، ووسائلها في إطلاق الإنسان العربي من القمقم الذي أَعَدَّت هندسته ومواده قوى معادية تعمدت إهانة الأمة العربية وإذلالها، وسنحاول بالقدر الممكن تحقيق التواصل بين هذه الحلقات على أمل الوصول إلى الغاية التي نسعى إليها.‏

 

الإنسان والثقافة:‏

عندما ننظر إلى حياتنا الاجتماعية، فإننا نرى فيها جملة من الأنظمة الاجتماعية والفكرية والفنية والزراعية والصناعية، وكذلك من غدو ورواح، وحدائق وشوارع وأبنية، وما نتداوله من أمثلة وعادات وتقاليد وقيم وعقائد في جلساتنا ونقاشاتنا ومدارسنا وجامعاتنا، فهذا الذي نراه ونسمعه ونمارسه من سلوك يعني بالتالي ثقافتنا العربية الراهنة، التي تشير إلى عدة أشياء أهمها:‏

ـ شخصيتنا الاجتماعية ونظرتنا إلى الوجود الذي يحيط بنا بمعطياته المادية، وإلى الكون الذي يتألف حولنا بكل عناصره ومواده.‏

ـ وهي تعني تراثنا الاجتماعي والفكري والروحي والمادي والاقتصادي.‏

ـ كما أنها تعني أسلوبنا في الحياة المشتركة وما يتمخض عنها من خصائص ومقومات تتسم بها شخصيتنا وتميزها عن غيرها، والتي تعرف من خلالها وترمز أيضاً إلى ما تسميه بالعقلية العربية، والتي نعني بها نظرتنا إلى كل ما يحيط بنا وطرائق تعاملنا مع هذا المحيط.‏

والثقافة إذ تكون كذلك فإنها تحتوي على بعدين تاريخيين:‏

البعد الأول: ويقصد به ا

المزيد


التالي



إن أمام التحالف الذي يجمع الغرب المسيحي واليهودية الصهيونية والشيوعية الإلحادية والعنصرية الفارسية المتسترة بالإسلام تنكشف الهوية الحقيقية العميقة للمعركة التي يخوضها عراق البعث والتي نقلت النهضة العربية من مواقع الدفاع الى مواقع الهجوم

القائد المؤسس

أحمد ميشيل عفلق