نحو تطوير المعرفة التاريخية في الوطن العربي
عبد العزيز العلوي الأمـراني
ما يزال المؤرخ العربي في الكثير من الأقطار العربية أسير برجه العاجي حبيس كتبه وسجلاته، يمارس كتابة التاريخ وفق نمط تقليدي قائم على سرد الوقائع وجمعها في مصنفات ومجلدات، تظل في الغالب الأعم حبيسة الرفوف ونادرا ما تقرأ.فالمتصفح للكتابة التاريخية العربية سواء أكانت كتبا منشورة، أو الأبحاث والدراسات الجامعية يلاحظ –ودن كبير عناء – أن الكتابة التاريخية العربية ما تزال حبيسة الرؤية التقليدية للتاريخ موضوعا ومنهجا، على الرغم من الدعوات التجديدية التي تظهر من حين لأخر هنا وهناك.
لقد آن الأوان، ليخرج المؤرخون العرب من أبراجهم العاجية ويطلون على مشكلات الحاضر كمنطلق للبحث والتفكير في الماضي بغية المساهمة الفعلية في إيجاد حلول للمشكلات التي يحبل بها الواقع العربي. إنها دعوة صريحة إلى كل المهتمين بالكتابة التاريخية في الوطن العربي لتجاوز التاريخ السردي، والعمل على تأسيس تاريخ نقدي /إشكالي يبحث في المشكلات الراهنة للمجتمع اعتمادا على مقاربة علمية ونقدية لا ترى في دراسة الماضي هدفا في حد ذاته. بل مدخلا لفهم أفضل لمشكلات الحاضر، وأداة لا عادة بناء علاقة جديدة مع الزمن التاريخي. ولذلك فهذه الدراسة تحاول تقديم إطار نظري ومرجعي لكل المهتمين بالتاريخ في الوطن العربي لكتابة تاريخ نقدي /إشكالي، بدءا ببدايات ظهور هذا التوجه الجديد في أوربا، والأسس الإبيستيمولوجية والمنهجية التي يقوم عليها.
أصول التاريخ الجديد القطيعة مع الاتجاه التقليدي في الكتابة التاريخية
مر مفهوم التاريخ بمراحل كبرى، شأنه في ذلك شأن أي معرفة إنسانية، تتطور و تتغير مع تطور حياة الإنسان. ومع حلول القرن التاسع عشر الميلادي،وبفعل التحولات الاقتصادية و الاجتماعية والفكرية التي شهدتا أوربا على وجه الخصوص في هذا القرن، اندفع الكثير من المؤرخين وفلاسفة التاريخ إلى التفكير في مفهوم التاريخ، فظهرت تفاسير جديدة للتاريخ الذي توسع مفهومه وأصبح أكثر شمولية، بعدما كان محدود النظرة والمنهج، يهتم فقط بسرد الأخبـار والوقائع السابقة. وعليه فـقد بدأت مناهج البحث التاريخي تتطور وتتقدم نحو المزيد من العلمية والمنهجية في كثير من الجامعات الأوربية، كما ظهـرت مدارس واتجاهات تاريخية متعددة لعل أهمها المدرسة الوثائقية1 التي تأثر روادها بالفلسفة الوضعية التي سادت أوربا خلال القرن 19م. فقد دعا رواد هذه المدرسة التاريخية إلى ضرورة اعتماد الوثيقة في كتابة التاريخ. فالتاريخ يصنع بالوثائق، ولا تاريخ بدون وثيقة كما قال مؤرخي هذه المدرسة لانجلو وسينوبوس2.
ومع مطلع القرن العشرين، أصبحت المدرسة الوثائقية عرضة لكثير من الانتقادات الشديدة من قبل جيل جديد من المؤرخين الشباب في فرنسا على وجه الخصوص أمثال لو سيان فيفر ومارك بلوك، الذين نفخا روحا جديدة في الدراسات التاريخية. حيث استغلوا مجلة التركيب التاريخي (la revue de synthèses historique ) لتوجيه انتقادات شديدة للوضعانيين، الذين ركزوا في كتابة التاريخ على الوثيقة التاريخية بمفهومها الضيق،ونادوا بضـرورة انفتاح الدراسـات التاريخية على العلوم الأخرى.وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الفرنسي لوسيان فيفر: "سيساهم في كتابة التاريخ اللغـوي والأديب والجغرافي والقانوني والطبيب وعالم الأجناس والخبير بمنطق العلوم…الخ " 3.
ومع انفتاح التاريخ على العلوم الأخرى، سواء الإنسانية منها أو الدقيقة، تمكن المؤرخون من التزود بأدوات بحث جديدة جعلتهم يعيدون النظر في كثير من الوقائع التاريخية، ويطرحون أسئلة جديدة ومشكلات تاريخية لم تكن إلى عهد قـريب في متناول المشتغلين بالتاريخ. لقد نظر الثنائي لوسيان فيفر ومارك بلوك إلى الكتابة التاريخية على أنها طرح للمشكلات الكبرى للإنسان (Histoire-Problemes) في سياق الزمن التاريخي الطويل، وذلك بنية إخراج الكتابة التاريخية من نمطية الحدث السياسي والوقائع الضيقة4.حيث لم يهتم المؤرخون سوى بكل ما له ارتباط بالأحداث العسكرية من حروب ومعارك وتواريخ قيام الدول وسقوطها.
ومع ظهور مدرسة الحوليات مع بداية النصف الأول من القرن العشرين بفرنسا، وتأسيس مجلة الحوليات (les Annales ) سنة 1929. ستـأخذ الكتـابة التاريخية أبعادا جديدة سوسيولوجية و لسانية وجغرافية و ديموغرافية.و تحول التاريخ إلى دراسة كل ما له علاقـة بالإنسان، وأهتم المؤرخ بالمدد الزمنية الطويلة، بعدما كـان أسير زمن الحدث التاريخي القصير5.وفي هذا السيـاق برز نجم المؤرخ الفرنسي فرديناند بروديل ( F. Broudel) الذي يعتبره الكثير من المؤرخين المعاصرين رائد الكتابة التاريخية في العصر الحديث. فهو – وبشهادة هؤلاء- واضع الدعائم الرئيسة لما أصبح يعرف بالتاريخ الجديد، و الذي أصبح من أهم سماته انتفاء الحدود بين التاريخ و السوسيولوجيا والانتروبولوجيا.ولقد مثلت أطروحته الشهيرة والتي درس فيها تاريخ العالم المتوسطي هذا التوجه، والتي دعا فيها إلى تجاوز ونبد التاريخ – السردي /الإخباري، القائم على دراسة الوقائع السياسية البسيطة في الأزمنة القصيرة، والانتقال إلى دراسـة تاريـخ البـنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك في سياق المـدد الزمنيـة الطويلة (les longues durées) بهدف رصد مدى تفاعل الإنسان مع مجاله الجغرافي.
ميز فرديناند بروديل في دراسته للزمن التاريخي بين ثلاثة مستويات 6 :
- الزمن الجغرافي (le temps géographie ) : وهو زمن المدد الطويلـة وزمن البنيات يتميز بتغيره البطيء.
- الزمن الاجتماعي ( le temps social) : وهو زمن الظرفيات، وزمـن المدد المتوسطة، مثل تاريخ تطور الاقتصاد والمجتمع.
- الزمن الفردي ( le temps individuel) : ويطابق زمن الوقائع، والأحداث السياسية كالحروب والمعاهدات وحكم الملوك.
وعموما، فان مؤرخي مدرسة الحوليات أحدثوا قطيعة ابيستيمولوجية مع الاتجاه السابق في الكتابة التاريخية، فقد عملوا علـى تجاوز التاريخ الحدثي، ودعوا إلى تاريخ إشكالي(Histoire-Problème) يقر بأهمية العوامل التركيبية في دراسة التاريخ7.
لقد ساهم ظهور هذا الاتجاه الجديد في الدراسات التاريخية في إثارة مجالات جديدة للبحث، كتاريخ الذهنيات والطقوس اليومـية والخوف والجسد…الخ. خصوصا وأن البحث التاريخي اغتنى بمناهج جديدة و متنوعة. وفي هـذا الصدد يقول الفيلسوف الفرنسي" ميشال فوكو" : " يتوفر المؤرخون علـى أدوات صـاغوها بأنفسهـم في جانب منها، و تلقوها في جانب أخر كنماذج النمو الاقتصادي، والتحـليل الكمـي ومنحى التغيرات الديمغرافية، ودراسة المناخ وتقلباته، ورصد الثوابت السوسيولوجية.لقد مكنتهم تلك الأدوات من أن يبينوا داخل حقل التاريخ طبقات رسوبية متباينة، فحلت مكان التعاقبات الخطية التي كانـت حتـى تلك الآونة تشكل موضوع البحث التاريخـي عمليات سـبر الأغوار وتعــدد مستويات التحليل."8
وعليه فان دراسة الماضي أصبحت تقوم علـى رؤية متعددة المقاربات. فبذل النظر إلى الوقائع التاريخية المدروسة مـن وجهة نظر أحادية الجـانب لتفسيرها وتعليلها، أصبح لزامـا علـى المؤرخ إستحضار كل العناصر والعوامل الأخرى، والتي قد يكون لها دور في بنـاء الأحداث و الوقـائع التاريخية. ومنه يمكن القول إن الظاهرة التاريخية تبنى وتشيد لبنة لبنة. لقد سـبق لاندري بورغيير في الانتربولوجية التاريخية أن بين أن كل بعد من أبعاد الواقع الاجتماعي يتواصل مع باقي الأبعاد الأخرى لصناعة حركة التاريخ9، ومن المعلوم، أن علم التاريخ يدرس ظواهر إنسانية والظاهرة الإنسانية كما هو معلوم تتميز بالكثير من التعقيد . حيث تتداخل في توجيهها عوامل كثيرة إلى درجة يصعب حصرها، وتحديد نصيب كل منها في توجيه الظاهرة التاريخية المدروسة10. وهو الأمر الذي يستوجب على المؤرخ استحضار كـل الأبعـاد و المـستويات التي تدخل فـي تركيبة الحيـاة الإنسانية ( بيولوجية، نفسيـة، مجاليـة،اقتصادية، اجتماعية سياسيـة…). ممـا يطرح الكـثير من المشكـلات أمام المـؤرخ أثناء دراستـه للتاريـخ.
إن النقلة الابستيمولوجية الحديثة التي تحققت في مجال المعرفة التاريخية، سواء على مستوى المواضيع والقضـايا التي أصبح المؤرخون يدرسونها، أو على مستوى مناهج البحث والمقاربة للظاهرة التاريخيـة المدروسة. مرتبطة- والى حد بعيد – بالحاجيات الجديدة للمجتمع الحديث، وكذا المشكلات الراهنة التي تواجه الإنسانية جمعاء. وفي هذا الصدد ميز أحد الدارسين11 بين اتجاهين رئيسيين في الكتابة التـاريخية : اتجـاه تاريخي تقلـيدي، واتجـاه حـديث، خاصة بعد أن تبين فشل و عجز الاتجاه التاريخي الأول عن مسايـرة التـطورات التي أصبحت تعرفها الإنسانية في الوقت الراهن.إضافة محدوديته المـعرفيـة والنفعية. يشير الفيلسـوف الفـرنسي المعاصـر ادغار موران إلى أن المعرفة الملائمة يتوجب عليـها أن تـواجه ما هو مركب و أن تصل بين مختلف العناصر المكونة للكل( الاقتصادي، السياسي،النفسي، السوسيولوجي،الوجداني، الأسطوري…)12.كما أن من واجب التربية الحديثة أن تطور القدرة الطبيعية للفكر البشري على طرح المشاكل الجوهرية. ومنه، فان دراسة التاريخ لا يجب أن تنحصر فقط في معرفة الماضي و إنما لابد أن تسهم في فهم الحاضر الإنساني بكل تعقيداته ومشاكله، واستشراف مستقبل أفضل للبشرية
أ- مرتكزات الاتجاه التاريخي التقليدي :
لعل أهم ميزة يتميز بها هذا الاتجاه استغراقـه في التاريخ السياسي والعسكري والدبلوماسي. إضافة إلى عنايته الفـائقة بدراسة الأحداث من منظور متفرد ومعزول، كل هذا في مسار زمني ضيق وقصير وهو زمن الحدث :زمن المدة القصيرة حسب التعبير البروديلـي. أما طريقته فـي عرض الوقائع، فان رواد هذا الاتجاه يوظفون أسلوب الرواية و السرد السطحي، دون تمحيص ولا تدقيق معتمدين في ذلك على ما توفر لديهم من وثائق مكتوبة. علما أن مفهوم الوثيقة عند هؤلاء لا يتعدى ما هو مكتوب و مسجل، وخاصة الوثائـق الرسمـية.
ب- مرتكزات الاتجاه التاريخي الجديد :
تحـول اهتمـام المؤرخين مـن دراسة الخـاص إلـى دراسـة العام ومن الجزء إلى الكل، ومن الاهتمـام بالفرد إلى الانكباب على دراسة المجتمع بكل فئاته ومكوناته الاجتماعية، بما في ذلك الشرائح المغمورة. كما مال المؤرخون إلى دراسة تاريخ البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذهنية، بذل الاستغراق في التاريخ السياسي والعسكري. أما بخصوص الأساليب وطرائق البحث، فقد بدأ المؤرخ يعتمد أسلوب التفكير العلمي القائم على التحليل الملـموس للوقائع، ومساءلة الوثيقة التاريخية، ليس فقط عن ما تريد قوله، ولكن عما لا تريد البوح به، متوسلا بعدة منهجية تتميز بالتنوع وتعدد المقاربات. كما تغيرت نظرة المؤرخ إلى الزمن التاريخي الذي أصبح ثلاثي الأبعاد.
وعموما، لعل أهم ميزة تميز هذا الاتجاه، هي انتقال المؤرخ من مستوى المعرفة الـجاهزة التي تقدمها الوثيقة الرسمية إلى مستوى أرقى يقوم على نقد كل ما هو جاهز ومعطى مسبق. كما أن طرح المؤرخين لإشكاليات تاريخية جديدة، تطلب منهم النبش في مصادر أخرى و كشف وثائق جديدة.
سمات التاريخ الجديد / التاريخ النقدي- الإشكالي
1- اعتماد منهج فكري ينطلق من إشكاليات محددة :
تجمع كل الدراسات الابستيمولبوجية الخاصة بعلم التـاريخ على أن أهم خطوة يقوم بها المؤرخ عند بداية دراسته التاريخية هي الانطلاق من تحديد المشكلة التي ستقود دراسته من البداية إلى النهاية.فإذا كان التاريخ الجديد إعادة بناء الماضي البشري وفق رؤى جديدة وبأدوات معرفية جديدة، فان الثابت عند كل المؤرخين المحدثين أن هذا الماضي المدرك يكون دائما إشكاليا و ناقصا في حقيقته،ويثير تساؤلات جديدة13. يشير الدكتور مصطفى الحسني الإدريسي إلى أن منهجـية التفكير التاريخي تبدأ أولا بطرح مشكلة في الحاضر والتعبير عنها بصيغة التساؤل. ثم تأتي مرحلة صياغة الفرضيات، وبعدها يعمل المؤرخ على التحقق مـن الفرضيات المطروحة مستعينا بالاستكشاف الوثائقي، وفي الأخير يكون خلاصة تركيبية تتضمن جوانب من الإجابة عن الإشكالية المطروحة14.مع العلم أن الإشكالية التاريخية تتمثل في شبكة من التســاؤلات التي توجه تفكير المؤرخ وتنظم طريقة تعامله مع الوثائق والمعطيات التاريخية .لقد سبقت الإشارة إلى أن المعرفة التاريخية هي دائمـا معرفة نسبية تسعى إلى الإجابة عن أسئلة راهنة. فالمؤرخ يستقصي الأخبار، وهو دائما وأبدا، أمام ماضي مجهول يقتحمه باستمرار دون أن يستولي عليه على حد تعبير العروي15 علما أن حقائق الماضي ليست مطلقة، فالواقعة التاريخية الواحدة يمكن أن تكتب عددا من المرات وعلـى أوجه مختلفة. فالمؤرخ يدون عادة كل واقعة على وجه يستند فيه إلى ما يعرف من التفاصيل التـي تتصل بتلك الواقعة، وكذلك إلى ما يدرك من أسباب حدوثها16. ولهذا فان كتابة التاريخ هي عملية متجددة و مستمرة، تتجدد بتجدد هموم و مشكلات الإنسان في الحاضر. فالإنسان لا يعيش حاضره مفصولا عن ماضيه. فالإنسان لا يفكر في تاريخه باعتباره زمن غابر تملأه الأحـداث والـوقائع ذات علاقة خارجية و موضوعية به فحسب، بل بوصفه صيرورة في الزمن لها كبير الأثر على حياته اليومية .إن تفسير الماضي و تأويله وتكوين معنى عنه شكل دوما هاجسا للإنسان 17.
إن هذه الخلفية الفلسفية التي تحكم وتوجه نظرة الإنسان إلى التاريخ وعلاقة ماضيه بحاضره هي التي نجد لها صدا واضحا في منهجية التفكير التاريخي عند المؤرخين المحدثين.فعمل المؤرخ اليـوم يتـراوح بين جدلية ثنائية تشمل كل من الحاضر الذي يكتب فيه التاريخ، وبين الماضي الذي يعتبر موضوع دراسته18.ومـن هنا تتأسس إشكالية الفصل بين الذات و الموضوع في الكتابة التاريخية،مما يفرض على المؤرخ اليوم طرح أكثر من سؤال على كتابات المؤرخين السابقين، والتعامل بمنهج نقدي اتجاه كل القضايا التاريخية.
لقد أصبح من الواجب التعامل مع المعرفة التاريخية بمنهج نقدي / إشكالي يساءل الوثيقة ويساءل الخبر ويساءل الرواية. خاصة و أن الكتابة التاريخية هي في جوهرها عملية ذهنية، يعمل خلالها المؤرخ على إعادة استحضار وبناء وقائع الماضي يقول عبد الله العروي : التاريخ في أساسه استحضار، عندما نقرأ كتاب الناصري،إننا في حقيقة الواقـع، نستحضر استحضار الناصري لوقائع الماضي. ليس ما بين أيدينا سـوى انعكاس لما رسب من ماضي المغرب في أذهان الناصري وأمثاله" 19.
إن الانطلاق من إشكالية محددة فـي دراسـة التاريخ مكن المؤرخين من التحرر من سطوة الأنماط التعليلية الجـاهزة وألا حكام الفكرية المسبقة، وفتـح الباب على مصرعيه لطرق جديدة في البحث والتنقيب. نلمس ذلك بجلاء في تغير نظرة المؤرخين إلى الواقعة التاريخية، فبعدما كانت هذه الأخيرة وحسب المدرسة الوضعية / الوثائقية ذات معنى ضيق لا تتجاوز الواقعة السياسية أو العسكرية، والتي يتم التعرف عليها انطلاقا من الوثيقة، أصبحت الواقعة التاريخية – حسب مدرسة التاريخ الجديد – تبنى و تشيد انطلاقا من إشكالية ما و في سياق تصور جديد للزمن التاريخي.
لقد أصبح التفكير التاريخي المعاصر ينطلق من تحديـد إشكالية مـا (مشكلة تاريخية ) قبل تحديد الوثائق و الشواهد. لأن قيـمة الوثـائق لا تتحدد إلا من خلال قيمة المشكلـة التاريخية المطروحة.إن المـنهج التاريخي السليم هو الذي يبدأ بطرح أسئلة توجه المؤرخين إلى التنقيب المنظم و المكثف الجماعي. فدراسة التـاريخ انطلاقا من دراسة المشكلات، أصبح مطلبا ضروريا عند كل المـؤرخين المعاصرين.وفي هذا السياق يشير أحد المؤرخ الأنجليزي اللورد أكتون ( J.E.E.Acton ) ( 1834- 1902) إلى ضرورة دراسة المشكلات في التاريخ بذلا من الاستغراق في دراسة الحقب الزمنية20، بمعنى أن تبدأ دراسة التاريخ من مشكلة ما، والتي تحدد بغية المؤرخ وغايته.
2- باقي مكونات المنهج التاريخي :
يتكون المنهج التاريخي الحديث من مجموعة من الخطوات الفكرية المترابطة:
أ - التعريف التاريخي :
يقوم المؤرخ في هذه المرحلة بدراسـة الشواهد والوثائق قصد التعريف بها. بمعنى وضع الأحداث والوقائع المؤرخة في الوثيقة داخل سياقها الزمني والذي بدونه يصعب فهمها والتعرف عليـها. إن مرور المؤرخ بهذه المرحلة مسألة غاية في الأهمية لأنه يستحيل – وبدونها – انتقاله إلى مستويات أخرى ( التفسير، التحليل، التأويل، النقد،التركيب..) كما يعمل المؤرخ خلال هذه المرحلة بتسمية الأحداث والوقائـع،علما أن إطلاق اسم على حادثة أو مجموعة من الحوادث ليس أمرا سهلا21. نظرا لطابع العقيد و التركيب الذي تتميز به كل حوادث الماضي يسمي المؤرخ الأحداث و الوقائع، مع ترتيبها السابقة ثم اللاحقة وذلك بالنظر إلى القضية المطروحة التي يحاول دراستها وتفكيك ألغازها. هذه المرحلة تقتضي من المؤرخ كفاءة علمية كبيرة، واطلاعا واسعا وكذا إلماما بالبحث. فكلما كانت ثقافـة المؤرخ كبـيرة إلا وسهل عليه تأطير الوقائع تأطيرا زمنيا دقيقا. وفي هذا الإطار يشير المؤرخ الشهير "مارو " إلى أن المعرفة التاريخية مرتبطة بمدى قدرة المؤرخ الفكرية وخصوبته السيكولوجية 22. تجب الإشارة كذلك إلى أن المؤرخ خلال هذه المرحلة يتعامل مع الوقائع بطريقة انتقائية، بمعنى أنه ينتقي الأحداث التي ترتبط بقضيته التاريخية التي يعالجها ذلك لأنه يصعب عليه جمع كل شيء، كما أن المنـهجية العلمية تفرض البحث عن الوثائق التي تصب في صلب الموضوع وتحاول الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المؤرخ.إن جمع الأخبار و الوقائع دون تمحيصها ووضعها في سياق فكري معين عمل غير ذي جدوى في كل دراسة تاريخية. فقد وصف مونتسكيو المؤرخين الذين يقومون بهذه العملية ( جمع الأخبار ) بالجامعين ليس لديهم ما يقولونه23.
ب- التفسير التاريخي :
لقد ارتبط ظهور التفسير التاريخي بولع الإنسان - ومنذ القدم- بمعرفة ليس فقط ما حدث في الماضي، بل تعدى ذلك إلى التساؤل حول أسباب ما حدث. ولماذا حدث ما حدث بهذه الطريقة دون تلك. حدث بهذه الكيفية دون تلك. ولهذا أصبح المؤرخون يتسألون عن الأسباب و العوامل المتحكمة في صناعة الأحداث والوقائع التاريخية. لقد كانت النية في البداية اخذ العبرة من دروس الماضي عبر تجنب ما لا يفيد والآخذ بأسباب ما يطمح إليه الإنسان24. ومع تطور الحياة البشرية تطورت آليات التفسير، واكتشف المؤرخون علاقات السببـية التي تربط الأحداث بأسبابها.بل اجتهد بعضهم في دراسة العوامل الفاعلة ف























